سمير صاق:
يمكن القول على أن الدين بمعظم تفاصيله من تدين وممارسة للطقوس يعكس صورة ما , انه احدى واجهات التعبير عن وضع معين , ماركسيا يمكن القول بأن خلفية هذا الوضع في معظم الحالات اقتصادية , أي أن دراسة التدين أو التطرف بمعزل عن الوضع الاقتصادي هو مقاربة خاطئة , وهذه المقاربة لاتتم في معظم الحالات عمدا وانما جهلا .
ففي خمسينات القرن الماضي بدا وكأن دورالأديان سياسيا واجتماعيا قد بدأ بالتراجع, وما حصلت عليه الاحزاب الدينية في انتخابات ديموقراطية حرة لم يتجاوز ٥٪ من الأصوات (في سوريا كان عدد ممثلي الاخوان المسلمين في البرلمان ٣ أو اربعة ممثلين , في حين كان للبعث ١٧ ممثل وللشيوعيين ثلاثة ممثلين وللقومي السوري عدد مشابه ١٩٥٤), الحالة تغيرت الآن ,وفي أي انتخابات حرة سيكون نصيب التيار الديني حسب تقديري حوالي ١٥٪ من الأصوات ( تقريبا كما كان الحال في ليبيا) , اضافة الى تغير الحصة الانتخابية كما , تغيرت هذه الحصة كيفا ,لا يمكن مقارنة معروف الدواليبي الاخواني في الخمسينات (شغل مناصب عدة منها نائب في المجلس النيابي عن حلب , ثم وزير اقتصاد ورئيس مجلس النواب ورئيس لمجلس الوزراء ووزير الدفاع ووزير الخارجية ) مع رجالات داعش والنصرة والزنكي وأحرار الشام وجيش محمد والفاطميين وغيرهم من عام ٢٠١١, ماهو سبب هذا التطور ومن المسؤول عنه ؟.
لايمكن فهم آلية هذا التطور دون فهم الحاضنة الاجتماعية والاقتصادية المرافقة له !.
التطور باتجاه التطرف والتدين الشكلي حدث في بيئات مهمشة ومحرومة من الحقوق السياسية , والحرمان من الحقوق السياسية مثل بالنسبة للمهمشين فقدان “الأمل”, الذي يدفع عادة الى اتخاذ مواقف متطرفة تتناسب مع حالة التطرف التي يمثلها فقدان الأمل, الذي لم يكن بالمستطاع استرداده , لا أمل ولا ارادة ولا امكانية في ازالة تهميش فئات ظلمت ولكن لديها كظالمها الاستعداد النفسي لأن تظلم , وأن تتطرف بممارسة مالديها , وبسبب الحرمان السياسي لم يبق لديها سوى الموروث الديني , لذا أصبح الدين والتدين الشكلي أو الحقيقي هو الحاضن المتجدد وبالتالي المسيطر على اتجاه هذه الفئات , التي قضت على خصمها الأساسي وهو ثورة ٢٠١١ , واستبدلتها بالفصائل المسلحة , وحولتها الى حركة اسلامية مسلحة , اطلقوا عليها اسم ثورة على الأسدية , الشبيهة بالفصائل من حيث البنية والهيكلية والممارسة , لم تكن الأسدية عدوا للفصائل , انما منافسا للفصائل , اجرام وتعسف الفصائل , الذي تفوق على اجرام وتعسف الأسدية , ساهم بشكل رئيسي في تعويم الاسدية اخلاقيا , وبالتالي القضاء على كل أمل بالتغيير نحو الأفضل, لم يعد من خيار سوى بين السيئ والأسوء .
لابد هنا من الاشارة الى أن فتك الكوادر الدينية الجهادية بالثورة والعمل الثوري في سوريا , لم يتعلق فقط بآلية الحاضن , وانما أيضا , وبشكل لايستهان به بطريقة التداول التي فرضها الأسد على معارضيه, او بالأحرى منافسيه , فالأسد اراد العنف ومارس التوحش انطلاقا من مايسمى “وصفة” حماه من عام ١٩٨٢ , جاهلا على أنه لكل زمن “وصفته” , وانه من الغباء استعمال طرق ١٩٨٢ في عام ٢٠١١, بالرغم من ذلك كان النظام بمنتهى السعادة بوجود الفصائل , لتمكن الفصائل من القضاء على الثورة , التي ارادت الأسدية أصلا القضاء عليها , فتهديد وجود الاسدية أتى من ثورة ٢٠١١ المقبولة داخليا وخارجيا , والفصائل لم تمثل له تهديدا حقيقيا , عندما اشتد ساعد الفصائل المنافسة للنظام , أتى النظام بالدعم الخارجي , الذي هزم الفصائل الى حد ما , بقي النظام تحت حماية الخارج , وهو سعيد جدا بهذه الحماية , وهل للنظام من هدف آخر الا البقاء حاكما ومتحكما وحيدا لاشريك له ؟,ماذا سيحدث مستقبلا ؟؟؟
لم اعرف عام ٢٠١٨ بالضبط ماذا سيحدث في المستقبل القريب ,ولكن توقعت بأنه على المدى البعيد ستكون الحالة الاقتصادية هي المحددة لشكل المستقبل , وليس الجيش والأمن والعصابات المسلحة الفصائلية الجهادية !
سوف لن تتمكن الدولة من تحسين الوضع الاقتصادي بشكل عام , فالقرارات التي تنقص من امتيازات البعض من الذين يشكلون ركيزة النظام الأساسية مستحيلة ,الأموال الضرورية من أجل التوظيف في مجال الرواتب والدخل الشهري والتعويضات الاجتاعية والسكنية و الصحية وغيرها غير متوفرة , كما أن الانفتاح العام غير مرغوب به, لأنه ليس للنظام فائدة منه, لابل قاتل له , الانفتاح الممكن كان على الفساد الضامن لبقاء النظام , وحتى هذا الانفتاح على الفساد وصل الى حدوده القصوى من تمكين الفساد من رقاب الناس , الفساد فقد شيئا من نفسه بسبب فقدان المادة من جيوب البشر … حتى البرطيل بمئة ليرة سيصبح صعبا , فما بالكم من امكانية التبرطل بمبالغ عملاقة …لا أقول بأن الفساد قد مات نهائيا بسبب تدني الامكانيات المادية لجميع الناس , ولكن هناك انطباع منطقي عن تآكل الكتلة المادية التي يتداولها الاقتصاد الريعي , تداول الفساد للاقتصاد الريعي , سيقود حتما الى استهلاك هذه الكتلة المادية , التي لاتعرف الواردات الداخلة ,وانما فقط الاستهلاكات الخارجة …بالنهاية ستندثر الكتلة التي ليس لها من يغذيها وانما فقط من يتغذى بها .
لا أظن بأنه من الممكن التحدث عن “حل” , فالحياة تعرف العديد من المشاكل التي لايمكن تقديم حلا لها , الأفضل هو الحديث عن الطريق الأفضل للعيش مع التهالك , وهذا الطريق الافضل يتمثل بالاصلاحات السياسية ,سواء بقي النظام أو زال , اصلاحلات تنقل القرار الاقتصادي والمسؤولية من النظام الى المجتمع ,الذي عليه العيش عندئذ مع الفقر والتعتير والجوع والمرض واللجوء ..الخ تحت اشرافه ومسؤوليته وارادته , المجتمع يدير شؤون تعتيره بنفسه, ومن غير المعروف ماذا سينتج عن هذه الادارة , على الأقل يمكن القول عندها بأن ماسيحدث يمثل ارادة المجتمع ومسؤوليته , قد تتمكن ادارة المجتمع للمجتمع من ايجاد وصي يقدم بأسلوب مشروع مارشال خطة وتمويلا للانقاذ, وقد لاتتمكن الادارة من ذلك ,الا أن تمكن نظام الأسدية من ذلك هو أمر مستحيل بالمطلق
Post Views: 519