الدولة والدين بين الجهاد والاجتهاد ..

سمير  صادق  :

يقف النظام والدولة في  بلادنا على طرفي نقيض,الدولة تتبع النظام  في حين  يجب  على  النظام   أن يتبع  الدولة  ويأتمر بأمرها , واذا  كانت  الديموقراطية  هي  حكم  الشعب  معجميا ,فانها  قانونيا   تعني تقدم  الدولة  المجردة على  أي نظام  وعلى  أي  سلطة شخصية  أو عائلية   أو حزبية  أو طائفية ,تقدم  النظام  على  الدولة   أي على سلطة  الشعب   يعني منطقيا وتقنيا   أختيار  النظام  للشعب  وليس  اختيار  الشعب   للنظام , أي  أن  الآلية معكوسة  والديموقراطية  معكوسة  , وفي  اطار  هذا   الانعكاس    يصبح  استتباب   أمر  الديموقراطية  بمفهومها  اليوناني   أمرا   مستحيلا , الأمر  بشكل  مشابه  ينطبق  على  الدين  وعلاقته  بالدولة  وبشكل  أكثر  كارثية , فمصدر  السلطة في  الدولة  التابعة  للطائفة  هو  الله  كنظير   لعسكر  الديكتاتورية  والدستور  هو  الشرع  كنظير  للدساتير   المفصلة على  مقاس  الديكتاتور  ,وكما في  الديكتاتوريات  يختار  الله  شعبه  , والشعب ليس له مايختار  باستثناء  الذل  والمهانة

عوامل  تعثر  الديموقراطية  في  بلادنا  مزدوجة , من  جهة   الدين  المسيس   , ومن جهة  أخرى  الديكتاتورية  العسكرية   المتدينة   حقيقة ,   ومن جهة  ثالثة توازن   مصالح  ديكتاتور  السماء  مع  ديكتاتور  الأرض ,   لاتعارض  في  المصالح  الا عندما  يخل  طرف  من  الأطراف  في  عملية تقاسم  المصالح  , عندها يبدأ  الخلاف   ,  الذي  يتطور  الى  العنف  وبالتالي   الى  الحرب

المعضلة كبيرة جدا  ,  والتفكير  في   الموضوع    يقود الى اكتشاف  العديد  من  التناقضات والضديات  منها الضدية  بين   الوطني  والانساني والضدية  بين    الدين  كعقيدة  للبشر  وبين  الدين كايديلوجيا  سياسية   ,  السؤال  كيف  تمكن  فريق من  الاسلاميين من  اختطاف  الاسلام  العقائدي   وتحويله  الى   الاسلام  السياسي  الايديولوجي , وبالتالي  الى   تأزم  العلاقة بين  الدين  والسياسة   ,  التأزم  حتمي  وينبع  من  الاختلاف  البنيوي  بين  السياسة  كحالة  براغماتيكية  والدين  كحالة دوغما تيكية

هناك   تداخل  متزايد  بين الدين  والسياسة, وبالتالي  هناك تأزم   للدين  والسياسة  بآن  واحد, لأنه على كل   منهما   أن يقوم  بمهمة  لا  تنسجم  مع  خصائصه  ومهماته  الأساسية ,  السؤال حول  هذا التمازج  القسري  هو  هل  من  فعل  السياسة   أو  من  فعل  الدين ؟ ,لما   كانت متطلبات   الدولة  بالدرجة  الأولى  سياسية  , لذلك   يمكن  القول   بأن  التمازج  هو من  فعل  السياسة,  التي   احتالت  على  الدين وأوقعته  في  شركها  ,  فالدين  أصلا  يستطيع  الحياة  بدون  سياسة , الا   أن   السياسسة  خاصة  القاصرة منها   لاتستطيع   الحياة  دون     الدين ,انها  بحاجة  الى  دعم  شعبي  لاتستطيع تأمينه الا  باستغلال  الدين   وتجنيده  في  خدمتها , وهكذا  يتحول  الديكتاتور  الى  الرئيس  الورع   أو التقي     أو  المؤمن   والملك  الى  حامي  الحرمين    أو   منحدر  من  سلالة  الرسول    أو غير  ذلك ,

التداخل  يؤمن  للدين  العديد  من  الامتيازات   والمنافع , مثلا اقرار  تعليم  المادة  الدينية  في  المدارس , وفي  التأثير  على المناهج   الدراسية  وعلى  كامل  تشريعات    الأحوال  الشخصية  ثم  على  بناء  المساجد   أو  المساهمة  في  بننائها,  وفي   اقامة  مدارس  تحفيظ  القفرآن  وفي  رعاية  كليات  الشريعة  , حتى   أن  الشيخ  البوطي  قد  حصل   من  الأسد  على وعد باقامة   فضائية  للسنة  .لا يمثل التداخل المتزايد بين الدين والسياسة في المجتمعات العربية اليوم   الا وجهاً من وجوه ازمة السياسة والدولة في بلادنا, اذ من   الواضح  ان ازمة الدولة والسياسة  في وجه كبير منها, هي  ازمة في   العلاقة مع   الدن ,والازمة في هذه العلاقة انما هي من فعل السياسة, لا من فعل الدين   .المعركة سياسية في المقام الاول, وهدفها احتكار السلطة عبر احتكار الحقيقة بتأويل النص الديني تأويلاً احادياً من اجل اغراض سياسية لا علاقة للدين بها  أصلا ,

العلاقة  بين   الاسلاميين  وفكرة  الوطن   مضطربة  جدا ,  ومن  أسباب  الاضطراب كان   التنكر    المطلق للاجتهاد    والتماهي  المطلق  مع  الجهاد  الاسلامي ,لم   يشرح  الاسلام  السياسي   بصراحة  مايريد ,  لأنه  يعرف    بأن  مايريده   هذا  الاسلام  السياسي  مرفوض   حتى  من  قبل  السنة ,  الذين  يرفضون   ذلك  التماهي بين  الدين  والسياسة ,  ويرفضون   الدولة  التيوقراطية  المتماهية  مع  الدين  والتي  تستمد  شرعيتها  من  الدين  عن  طريق  المشايخ ,  فالخلفاء  كانوا   بالدرجة  الأولى  رجال  سياسة, ولاستكمال   نصاب  الشرعية  السياسية  كان  لابد  من  الشرعية  الدينية   التي قدمها  رجال  الدين  لهم ,  وما  نراه  اليوم   ليس  الا  صورة  عن  الماضي  , فالحاكم  ليس  الشيخ   وانما     يستمد  شرعيته  من  الشيخ, وبالتالي   يمكن  اعتباره  مكتمل   الشرعية ,   وللدفاع  عن   هذه  الشرعية  الكاملة  المتكاملة   هناك    العسكر   بسحنة  الجندي  المجاهد ….عمليا  المرتزق   والذي     يدفع  له  بسخاء  !

وجدت  هذه  الحالة   استكمالا  واستمرار في  دساتير   معظم  الدول  العربية   من  حيث  الاسلام  دين  الدولة  ودين  رئيس  الدولة  والاسلام  مصدر  التشريع , كل  ذلك كان تلبية  لمطالب  الاسلام  السياسي  بعد عام ١٩٢٨,والذي  شارك  فعليا في  الحكم عن  طريق  “أحزاب”  سياسية-دينية  كالاخوان  المسلمين  والصحوة  الاسلامية  وغيرهم من  الذين  ايقظوا   الاسلام  الحهادي , وهذا  ماكان  له  تبعات   كارثية   بما  يخص  تصدع   الاستقرار  الداخلي  والوحدة  الوطنية  وتصدع  الاستقرار  السياسي  , ثم   اعتماد  الديكتاتوريات   المذهبية -السياسية …الرئيس  الورع ..  الرئيس  التقي ..  رئيس  من  سلالة  الرسول    قائد  الثورة  المفتي  الأعظم لبلاد  الاسلام ..

 دخول  الاسلام  السياسي     في    فضاء   السياسة  والمجتمع   ,  ثم  انفلات   العنف  السياسي   قاد  الى   تفجير    البنى  الاجتماعية  والتأسيس   لمنازعات   لاحصر  لها   بين  المسلمين   داخليا  وبين  المسلمين  وغير  المسلمين   ,  اضافة  الى  ذلك   الحرب   المستمرة  بين  المسيئين  والمدافعين  عن   الاسلام    ,  الذي  تحول   الى  مرفوض  مكروه  ومعزول  في  العالم , وذلك  بناء  على  اعتباره  مصدرا  للارهاب  ومؤسسا  للتأخر    والطائفية  والعنصرية   ومتفردا  في  ممارسة  القمع  والقتل  والتعالي  على  الآخر  , ثم   ابتعاده  عن   الالتزام  بحقوق  الانسان   المعترف  بها  عالميا  , ومحاولته   ابتكار   منافس  لحقوق  الانسان  العالمية ذات  المصدر  المدني   عن  طريق   وثيقة  حقوق  الانسان  الاسلامية     ذات  المصدر  الديني .

تطور  الاسلام السياسي   بشكل   حوله  الى  اشكالية   يجب  ضبطها   بشكل  ما ,  اقتصار   “الضبط”   على   الناحية   العسكرية   لايكفي,  الضبط  يحتاج   الى   ثقافة   سياسية  اجتماعية   جديدة ,  حيث  أن  الثقافة  السياسية  الاجتماعية  الحالية   غير   قادرة  على   منع   توالد  وتكاثر  الاسلام  السياسي .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *