كم عدد طلعاتك الجوية أم عدد ركعات الصلاة ؟

منصور  حسنو:
    يصر مسلحوا الثورة السورية على تذكيرنا في أخطاء وخطايا البدايات التي وقعت بها الثورة السورية وروادها ، في توجيه أسئلة عقائدية دينية لمن يقع في أيديهم أسيراً من قوى الامن والجيش السوري ، كما في الفيديو الأخير مع الأسير العقيد عبد الكريم السليمان وإن كان لأمر مستغرب بل من المضحكات المبكيات بعد مرور ثمان سنوات من الصراع ؛ جهل أو تجاهل العسكريين من العلويين في الإجابة على هذا السؤال السخيف المتعلق بعدد ركعات الصلاة إذ أنه من الواجب في علم العسكرة والتوجيه السياسي والامن الحربي هو تلقين أفراد الجيش المعلومات اللازمة في حال الوقوع في الأسر فإنّه من المستغرب أكثر هو إصرار فصائل الثورة على الإختبارات الدينية سواء للعسكريين من السنة أو العلويين .
قتال من أجل الحرية أم لأجل النصيرية !
لا يوجد في ادبيات تنظيم النصرة أي إشارة لشرعية القتال من أجل حرية الشعب السوري بل لا يوجد ذكر لكلمة سورية بل هو جهاد النصيرية في البلاد الشامية ، وهي مشكلة لا تتعلق برأي بتنظيم النصرة فحسب بل بعموم فصائل الثورة المسلحة ، لا يوجد تنظيم إسلامي مسلح إلاّ وكانت تسميته مؤكدة المعنى الأممي دينياً أو الإقليمي كخطوة مرحلية في أدبيات التنظيمات الإسلامية ( جيش الإسلام ، فيلق الرحمن ، تنظيم النصرة ، تحرير الشام ، فتح الشام ، جند الشام ، أحرار الشام ، دولة العراق والشام ..) -الغريب أنّ الشام هنا ذات مدلول اسلامي ايديولوجي لا يحمل أي دلالات وطنية أو سورية ومع ذلك لم تنال النقد الكافي بنفس الحجم الذي ناله تنظيم مسلح يحمل اسم وطني سوري ك قوات سورية الديمقراطية !- وأقول هي مشكلة إسلامية عموماً قبل أن تكون مشكلة سورية أو ثورية مرتبطة بحقبة الإمبراطورية الإسلامية الحاكمة والشعور بالحنين لإعادة أمجادها وكما يصورها الشاعر الإسلامي الكبير محمد إقبال :
يا أخي في الهند أو في المغرب
أنا منك ، أنت مني ، أنت بي
لا تسل عن حسبي عن نسبي
إنّه الإسلام أمي وأبي
هذه الحنين والعاطفة الدينية كان لها الأثر الكبير في تشوش مفهوم الوطن وغبش مفهوم المواطنة عند المسلمين عموماً والإسلاميين خصوصاً ، تستطيع أن تقرأ هذا الشعور عند شيوخ دمشق الذين غادروا دمشق طوعاً وكرهاً إلى اسطنبول ، لا يشعرون بألم الفقدان لدمشق الشام عاصمة الأمويين كونهم في اسطنبول عاصمة العثمانيين وهذا ما تكاد تسمعه في خطبهم ومنابرهم في اسطنبول ” كأننا في دمشق “!
التشابه بين دمشق واسطنبول أو بين القاهرة وبغداد هنا ليس سيئاً ويبدو مفهوما على الصعيد النفسي والأنطولوجي ، السيء هو تأثيره على فقدان الهوية الوطنية أو الرابطة بين أفراد الشعب نفسه .
هذا الفهم المشوش للوطنية والمشكك في المواطنية كان من أبرز خطايا الثورة السورية ، كررت الجماعات الإسلامية الزاعمة نصرة الشعب السوري خطيئة جماعة الطليعة المقاتلة في الثمانينيات ، ارتكزت النية الجهادية القتالية في الثمانينيات على وجوب تخليص سورية من حاكمها العلوي باعتباره علوياً لا باعتباره ديكتاتورياً ، ومحاربة قوى الأمن والجيش باعتبارهم قوى مؤلفة من غالبية علوية لا باعتبارهم أعمدة السلطة العسكرية الحاكمة ، فكانت حادثة المدفعية تأكيداً على الشعور الديني المهيمن والمتقدم على الشعور الوطني الراغب بالتحرر والديمقراطية ، فكانت حادثة المدفعية في الثمانينيات وكانت معركة ابراهيم يوسف في تلك السنوات المهلكات تحت مسمى تحرير حلب من النظام وميليشياته !
عندما التقيت بأحد هؤلاء الإسلاميين الذين غسلت النصرة أدمغتهم ، واستعملت في حديثي معه مصطلحات الديمقراطية والتحرر قاطعني قائلاً : هل تريدني أن أقاتل النظام من أجل الحرية والديمقراطية ، لا يجوز أبداً ، وماذا أقول لربي إذا استشهدت ؟ هل أقول له : استشهدت من أجل الديمقراطية ! قلت له : اذن لماذا تحمل السلاح وتقاتل النظام ؟ أجابني : لتحرير بلاد الشام من النصيرية !
ربما يقول قائل معترضاً : ولماذا قام إذن هذا النظام بتلك الحرب الحارقة للمدن والقرى ولماذا أعدم عشرات الألاف ، أليست هي حرب على السنة ؟
هذا المنطق يقود لتثبيت مقولة الحرب الأهلية في سورية أو الحرب الدينية أو الحرب الطائفية ، النظام يحارب ويرمي البراميل ويحرق القرى ويقتل تحت التعذيب السنّة لا باعتبارهم سنّة بل باعتبارهم منتفضين عليه ولحكمه رافضين ، من يتمرد عليه بالكلمة أو بالرصاصة سواء قد يلقى نفس المصير ، من هتف بالحرية ومن حمل التاو سواء عند هذا النظام ، ولو كان النظام يراها حرباً علوية ضد أغلبية سنية ربما لفعل ما يصعب الحديث عنه أو ما يستحيل تخيله في الساحل السوري أو دمشق ، الحرب الأهلية ليست قائمة اليوم رغم حجم الدمار الرهيب والأليم ولكنها ليست مستبعدة إذا مالت موازيين القوى لصالح الجماعات الجهادية إذا ما أصرت على محاربة النظام باعتباره علوياً أو إذا ما شكك النظام في ولاء السنّة المقيمين تحت سلطته في الجغرافية التي ستكون عليها سورية لاحقاً .
تدفعنا الكارثة السورية لتجنب المزيد من الكوارث أو لتجنب الحرب الأهلية الإبتعاد عن لغة الشيطنة الكلية للعلويين ولغة الإستباحة الكلية لمناطق السنّة المنتفضين والخروج من هذا الدرس الأليم بأنّ الصراع في سورية هو صراع من أجل التحرر والحرية وانّ دماء مليون شهيد وعشرات ألاف المقتولين تحت التعذيب لم تكن من أجل قتال النصيرية أو هداية العلوية ولا من اجل الجهاد الشامي أو تحرير بلاد الشام وإنما هي معركة من أجل سورية التي تجمعنا يوماً ما ، من اجل تحرير مرافىء الساحل السوري من الإحتلالات الخارجية لا من السكان العلويين وتحرير دجلة والفرات والجزيرة من الأطماع الخارجية لا من الكرد والعرب .
معركة تصحيح المفاهيم والنوايا مهمة برأي لبناء الثقة بين أبناء سورية ، فداعش التي طرحت شعارها باقية وتتمدد ، زالت داعش وبقي الإسلام ، والأسدية التي طرحت : الأسد أو لا أحد ، ستزول الأسدية وستبقى العلوية ، ومن يحلم بفناء الآخر لن يطيب عيشه ولن يستقر حاله حتى يهلك نفسه .
عقلية الفناء التي يفكر بها النظام لا يجب أن تدفع قوى الثورة أو جمهور السنّة للتفكير بها ، فمن المستحيل تصور قيام سورية دون مشاركة الجميع في قيامها ، بل يبدو لي من رابع المستحيلات أن نرى سورية واحدة موحدة دون أن يكون العلويين أول المساهمين في وحدتها وتوحيدها ، في مسألة الوحدة الوطنية وبقاء الجغرافية السورية موحدة الكلمة الفصل فيه للسوريين وليس للروس أو الترك أو الأمريكان أو الإيرانيين ، غير هذا التصور ؛ إذا ما بقيت الأسدية تخدع العلوية وتخادعهم كما خدعت الفرعونية قومها عبر الإستخفاف بهم وبدمائهم وبعقولهم أو عبر خديعة السنّة بأقليم عفريني أو ادلبي فهنا لا شيء ينطبق علينا مثل قوله تعالى في سرد قصص الأوليين ” فاستخف قومه فأطاعوه ، إنّهم كانوا قوماً فاسقين ، فلمّا ءاسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين “الزخرف
فهل نحمي سورية وأنفسنا من الغرق والطوفان ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *