خطاب المؤامرة.. وتغييب العقل!

November 18, 2018
By

محمد  رميحي :

من الأوفق ان يصبح الجدل البيزنطي جدلاً عربياً في التاريخ الحديث، فأن يقتل الانسان نفسه في سبيل وطنه لهو عمل عظيم وتضحية كبيرة، ولكن الشرط الأساسي في ذلك ان يكون وراء القتل أو الاستشهاد، نظرية سياسية تملك امكان الصمود والوصول الى النصر لتحقيق أهداف نبيلة. فالوسيلة جزء من الغاية، أما أن يقتل الانسان نفسه في سبيل وهم كبير فهو انتحار منهي عنه عقلاً.

أقول هذا بمناسبة تجدد الحديث في وسائل إعلامنا عمن قام بفعلة الحادي عشر من سبتمبر ومن لم يقم بها، وليس من المصادفة ان تقوم مجلة اسبوعية مهمة هي مجلة «تايم» في عددها الأخير بتخصيص بضع صفحات فيها لتشرح للعالم، بأسلوب لا يخلو من السخرية «نظريات المؤامرة» التي يعتنقها بعضنا نحن العرب، وتنتشر في التفكير العربي انتشار النار في الهشيم، فتروج لأفكار مثل القول ان من قاموا بالهجوم ضحى الحادي عشر من سبتمبر الماضي، بالطائرات الانتحارية، ما هم إلا مجموعة من عملاء «الموساد» جهاز الاستخبارات الاسرائيلي، وان الطالبة المتدربة مونيكا لوينسكي ما هي إلا عميلة اسرائيلية، زرعت لخلق فضيحة جنسية للرئيس بيل كلينتون من أجل تعطيل جهوده الرامية لايجاد حل للقضية الفلسطينية! وتذهب المجلة الى سرد مجموعة من القصص التي سمعناها في محيطنا العربي منذ فترة، ولا أريد ان أعيدها هنا، وربما وصلت هذه القصص الى المحرر أخيراً، والقائلة بنوع من المؤامرة ضد العرب، والعنوان الذي اختاره المحرر لذلك المقال هو «العقل المشكك» إن صحت الترجمة.

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بمعرفة دوافع الارهاب وكيفية مواجهته من أي مكان جاء، وتحت أي عباءة اختبأ، يبدو ان بعضنا لايزال يحارب طواحين الهواء، محاولاً ان ينشغل بشيء آخر، هو ان يكتشف جذور «مؤامرة» خفية تتقصد العرب وتلقي بالتهم عليهم، وهو أمر تكرر ويتكرر في وسائل إعلامنا، وبلغ من كثرة تكراره ان اعتقد به ليس العامة من الناس فقط، بل اعتنقته النخبة ايضاً، كما حدث في برنامج تلفزيوني بثته قناة «الجزيرة» أخيراً. يعتمد البعض لترويج مثل نظرية المؤامرة هذه على مصادر في معظمها غريبة، كأن يكون قد وقع تحت أيديهم مقال لكاتب (فرنسي أو أميركي) يذهب ذلك المذهب من التفسير. والمفارقة ان الاستشهاد بمثل هذه الكتابات يكون قطعياً وغير قابل للنقاش، وهي أصلاً في البدء والمجمل والنهاية كتابة هامشية، ولا يعتد بها لدى جمهور عريض من المراقبين، والاستشهاد بها ـ في حد ذاته ـ

يحمل تناقضاً منهجياً واضحاً لكل ذي بصيرة. فكيف يتأتى الايمان بصحتها، وهي أفكار قادمة من الغرب الذي يروج ـ في نظر هؤلاء ـ لالصاق التهم بالعرب، فهل كل شيء قادم من الغرب «غير صحيح» إلا هذا؟! مثل هذه الاستشهادات يقول بها قلة في الغرب لهم دوافعهم المختلفة، وأما ما يوقن به كثرة من المراقبين، وقد أصبح يقيناً لدى كل لبيب أن من قام بالفعلة النكراء في الحادي عشر من سبتمبر هم عرب أساساً، مُولوا ودُفِعوا من تنظيم يحمل الكثير من الافكار المشوشة عن العالم المحيط به، وهذا التنظيم له ـ كما أصبح واضحاً ـ

أذرع يتقاسمها عدد كبير من الجنسيات، بما فيها الاميركية والبريطانية والباكستانية وغيرها، فهو تنظيم عبر دولي يتخذ من أعمال العنف مذهباً سياسياً له، ويلتقط الساخطين والغاضبين والرافضين ليقدم لهم برنامج شرق أوسطي، ويجندهم تحقيقاً لأهدافه، أما قادة هذا التنظيم فهم عرب، ومنفذو الحادي عشر من سبتمبر هم عرب أيضاً، تلك حقيقة علينا الاعتراف بها حتى يمكن مناقشتها بطريقة صحيحة وصحية، دون تضييع الوقت في محاولة اكتشاف ما هو ظاهر للعيان أصلاً، وبذل الجهد في مناقشة أمور فرعية.

ثم من جانب آخر، كيف يمكن لبلاد ترسخ فيها عمل المؤسسات، معتمداً على الديمقراطية والشفافية والرقابة، أن تقوم بحملة للخداع على هذا المستوى، وبكل تلك الصلافة التي تدخلها حروباً قد تجرها الى ما لا تحمد عقباه، وتبني كل تلك الجهود التي تكلف بشراً ومالاً على «أكذوبة» من هذا القبيل. وتتداخل الحقائق لتختلط بالخرافة لدى المؤمنين بنظرية المؤامرة حتى يبدو انهم فقط الذين يمكنهم رؤية عناصرها التي لا تظهر إلا لهم وحدهم، بينما هي خافية على غيرهم! وهي عناصر غائبة عن كل هذه المؤسسات التي يقف بعضها في خانة المعارضة السياسية، وكذلك الصحافة، التي إن لم تكن حرة، فهي شبه حرة، ومن ثم لا يمكنها السكوت عن مثل هذه «الاكذوبة» المدعاة. ثم كيف يمكن ان نوازن ـ عقلاً ـ بين الضجة التي تثور بين الفترة والأخرى حول ان معلومات وصلت للادارة الاميركية ـ لم تتحقق منها ـ تنذر بوقوع عمليات ارهابية وشيكة، وتتحول الى معركة سياسية، وفي الوقت نفسه تدعي ان العملية كانت «داخلية» أو «موسادية» قصدها اخفاء الحقائق عن الجمهور العريض! لاشك في ان البحث عن مؤامرة خفية وراء الأحداث وتصديق هذه المؤامرة يحملان على الاحساس المريح بامتلاك «ذكاء خاص»، كما انهما يرفعان عن الكاهل الاحساس الشديد بالمسئولية عن الحدث (ولو جزئياً)، وازاحة هذه المسئولية وتحميلها للـ «آخر».

فالادعاء بأن الذي قام بها ليس من جلدتنا، وهو «ادعاء» يعني تبرئة الذات، وعدم بذل الجهد لمعرفة الاسباب الحقيقية، ولكن يفوت على من يقول بهذا الرأي انه يفقد في الوقت نفسه أسباب ومبررات التبرم والشكوى من الوضع المزري الذي نحن فيه، وربما نفقد مبرر الاستعانة بالوضع الفلسطيني بالذات للتدليل على الاحتقان السياسي، بجانب احتقانات سياسية أخرى، فمن الطبيعي ان يقوم بعض الساخطين بما قاموا به من جراء ما شاهدوه ويشاهدونه من ظلم فادح يقع على الفلسطينيين. ربما ما تم من تخريب لا يكون مبرراً لدى العاقل الذي يختار طرقه في الرد بعناية، ولكنه يعطي العقل فسحة للمقارنة والفهم، فالفسلطينيون يعانون من الاضطهاد ما لم يعانه شعب على هذه الأرض، ليس فقط بسبب هدم منازلهم وافقارهم وطردهم من ديارهم وقتلهم دون رحمة، بل الأهم ان أحدا في الفضاء الدولي والعالمي الواسع (إلا ما ندر)، لا يقول للمعتدي: «لقد أسرفت فتمهل»! بل ان الكثير من التعاطف والتبرير يقدم للمعتدي دون محاولة لفهم ظروف الضحية، ربما مثل هذا الأمر يبرر لآخرين ان يقوموا بما قاموا به، أو يستفيدوا من الوضع، ويقدم لهم نظرية متكاملة حول من هو خلف ذلك الصلف المجنون، والقول بأن ما حدث هو مؤامرة «موسادية» أو من غير «الموساد» يعطل النظرة الموضوعية للحدث، ويجعلنا ـ مرة أخرى فوق ما نحن فيه ـ قوماً بعيدين عن تفهم وتحليل الأحداث التي تدور من حولنا.

نظرية المؤامرة التي يعتنقها بعضنا بكل قوة ـ الى جانب انها غير موضوعية ـ هي معطلة لفهم الحقائق على الأرض، فهناك أسباب اقتصادية وسياسية وثقافية وعولمية قادت بعضنا الى ما قام به، وهي اسباب معقدة، الحرص على اكتشافها وتحليلها وتقويمها هو الطريق الأفضل لمعالجتها من الجذور، وليس فقط التعاطي مع منتجها النهائي (الارهاب)، فما دامت هناك جذور، ربما تجددت الأحداث ولو بشكل آخر وفي أماكن أخرى.

لا أستطيع ان أتجاوز مدخلين لفهم أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما شابهها: «الغرب» بشكل عام، لأنه هيأ المناخ لكل ما تم، و«أنظمة عربية» انتهجت سياسات عشوائية لفترة طويلة، مما أفضى الى انتاج ما يعانيه المجتمع الدولي اليوم، ولكن ايضاً بجانب كل ذلك، هناك ضخ ثقافي معاكس معطل عن فهم الظاهرة، وهو مكون «هروبي» إن صح التعبير، يفسر الاشياء بغير أسبابها الحقيقية، نتيجة تنحية العقل جانباً. لقد استفادت الصهيونية العالمية من التفسير الغيبي لما حدث في سبتمبر الماضي، الذي قال به بعضنا، لتشير بأصابع اتهام جديد الينا بسبب هذا التفسير، كما ذهب المقال الذي أشرت اليه، في بداية هذه السطور، في مجلة «تايم»، فقد اتهمنا بأننا «لا ساميون»، هو أيضاً يمثل جزءاً من غيبية غربية في التفسير، فكيف يكون الشيء ونقيضه في الوقت نفسه؟ كيف نكون «ساميين» كعرب، و«لا ساميين» تجاه اليهود؟ المعركة الثقافية ليست النهاية، بل هي فقط «البداية» ففهم الاشياء على حقيقتها هو مقدمة للحل الصحيح، أما التشخيص الأعوج فسوف يقود الى علاج أكثر اعوجاجاً، يعقد المشكلة بدلاً من ان يقدم لها الحلول.

Tags: , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • الانحطاط في موطنه السوري!

    بقلم :عبدو قطريب   كما هو حال الرقي والتقدم , كذلك حال الانحطاط , كلاهما  لايولد  ويتطور في ساعات أو ايام , وانما يلزمه عشرات السنين , ومن يريد جديا  نفي […]

  • حين ينتحل المرتزقة هيئة المعارضين!!

    حين ينتحل المرتزقة هيئة المعارضين 2012-07-13 بقلم: فهد الريماوي , المنار المقدسية بلغة الاحذية والصفعات والشتائم والتفائف، تحاور قطيع المعارضة السورية “الاسطنبولية”، خلال المؤتمر السوقي الفاشل الذي تولى تنظيمه في […]

  • وطنية الديكتاتور العادل

    جورج  بنا  : هناك  فروق  شاسعة  بين مدلولات  مختلف  الشعارات والمفردات , لم  يكن   لمفهوم  “الاستبداد “في  المرجعية  العربية  القديمة   ذلك  الوقع  السلبي مقارنة  مع مدلولاته   في  المرجعية  الأوروبية,  […]

  • من طبائع الحروب ..ضربة عسكرية أمريكية مقبلة في سوريا !

    سمير صادق: *من طبائع  الحروب والحملات  العسكرية   أنها  تبدأ   بعد تمهيد   اعلامي  يبرر الحرب   أو الحملة العسكرية  من وجهة نظر  الجهة التي  تعتزم القيام بالحرب  أو الحملة  ,  ومن هذا […]

  • تورط المثقف

    كل شيئ أصبح في هذه اليلاد طائفي , حتى المثقف العلماني أوالشيوعي أو اليساري , عاد الى انتما ئه  وقاعدته الدينية , وهذا الأمر نجده عند كل الطوائف  , فالسني  […]