توأم الظالم والمظلوم !!

April 20, 2018
By

ربا  منصور:
انحسرت الديكتاتوريات في كل انحاء العالم لتتجمع وبكثافة ملحوظة في البلدان العربية الاسلامية , قد يكون استثناء لبنان وتونس ممكننا , الأول بسبب خصوصية الوضع اللبناني والثاني بسبب قرب تونس من الحالة الديموقراطية وعدم تدخل الجيش في الأوضاع الداخلية , فيما بقي يبدو وكأن الاستبداد والتسلط والعنجهية لم تعد خاصة سلطوية , وانما خاصة معممة شعبيا , الانسان أصبح حاملا لمتناقض رفض الاستبداد وممارسته , وهذا الانسان قد تحول الى توأم يستبد عندما تسمح الظروف له بذلك ويمارس الخنوع والجبن عندما تفرض الظروف عليه ذلك , انه مخلوق الاستكانة للظلم ومخلوق الشغف برفع الظالم , الانسان تحول الى ظالم ومظلوم بآن واحد .
سبب تحول هذا الانسان الى ظالم واضح بعض الشيئ , فمن يعاشر الظلم طويلا يتحول لاشعوريا الى ظالم , ومن يتعرض للظلم طويلا يعتاد عليه حيث يتحول الخنوع الى نوع من خصائصه العضوية , تعضى الخنوع وأصبح من طبيعة هذا الانسان بسبب المعاناة المزمنة والمستمرة بشكل رئيسي , ولكن هل يمكن القول بأن مصدر تعضي خاصة الخنوع كان الاستبداد الذي لايسمح الا بالخنوع حصرا ؟ أو هناك مؤهلات أخرى لولادة هذه الخاصة ونموها وتمركزها في الذات البشرية الى درجة التعضي ؟؟؟
تعيش هذه الشعوب الخانعة تحت الاستبداد الدنيوي , وتعيش أيضا في ظل التدين الذي يتواجد في أقصى درجاته في هذه المنطقة مقارنة مع مناطق العالم الأخرى , والتدين هو بدين يحمل طاقة روحية كبيرة ويمارس هيمنة على الناس قل نظيرها في العالم , ومن الوجوه المتعددة التي يتمظهر التدين بها هنا وجه التحرر ورفض الاستبداد من جهة , ومن جهة أخرى هناك للأسف وجه يدفع الى ممارسة الاذعان والتعايش مع الظلم تحت مبدأ الاستكانة .
المفاهيم التي تؤهل الانسان المعتقد بها لممارسة الاستكانة عديدة , والهدف من ذكر بعضها هو محاولة الانعتاق من سطوتها , وأول مايخطر على البال هنا هو مفهوم القدرية , الذي يؤكد بأن كل مايحدث مقرر سلفا , ومهما حاولنا فسوف لن يكون بامكاننا تغيير قدرنا , وعلينا بناء على ذلك تقبل نصيبنا المقرر من الخالق , ووفقا لهذا المنطق تتم تبرئة الذات من التسبب بالمرض أو الفقر أو الظلم … و تتم اقالة الذات من العمل الجاد على ازالة الغبن الذي لحق بها , لذلك فلا مسبب بشري للكوارث ولا وجود لامكانية بشرية تتصدى للكوارث …. الله هو المنظم والمدبر لكل شيئ وهو على كل شيئ قدير !.
الى جانب الاستكانة للقدر هناك الاستكانة للقناعة , على اعتبار القناعة كنز لايفنى ,هذا المفهوم يمثل تدجينا لمفهوم السعادة , فالسعادة يجب أن تعاش تحت أي ظرف من ظروف الحياة , لأنه لاتغيير على ظروف الحاة مهما كانت ومهما حاول الانسان ذلك , انه من الجميل ان يشعر الانسان بالسعادة تحت ظروف لاسبيل الى تغييرها عمليا , وهنا تتوطن الخدعة , فالله حسب ادعاء الشيخ الشعراوي قد قسم ألأرزاق حسب حاكميته التي لاشك بصحتها , المخاتلة تتمثل هنا في اتهام الله بعدم العدل وفساد الحاكمية , مع أنه ليس لله علاقة بكل ذلك , فتقسيم الأرزاق يخضع لارادة وأحكام دنيوية , وحتى الشيخ الشعراوي لم يخضع نفسه أثناء مرضه للأحكام الالهية , اذ أنه حاول استعادة صحته بأحسن المشافي الغربية وأنفق على ذلك أموالا طائلة , وقد كان في محاولته التمرد على مشيئة الله قدوة لعدد كبير من المشايخ ولنذكر على سبيل المثال القرضاوي أوالحويني وخاصة الشيخ زغلول النجار الذي يداوي الناس ببوبل البعير أما جلالته فلا تتداوى الا في أفضل المشافي الأمريكية (اثناء جولة للترويج لمنافع بول البعير في السعودية تعرض النجار لوعكة صحية قادته فورا الى المشفى المذكور ) ومثله فعل الشيخ الحويني الذي رفض رغبة الله في القضاء عليه وبدل كليته في أوروبا , هذه هي القناعة التي تمثل للفقير كنزا لايفنى !
هناك طرق عديدة لخداع الناس واخضاعهم لمشيئة التجهيل والجهل , وما ذكرته ليس الا جزءا يسيرا ونموزجا عن المفاهيم المعيقة للتحرر والتقدم , بالنتيجة لامناص من التحرر من الدور السياسي والاجتماعي للدين الذي يؤهل الناس للقدرية الشللية وللقناعة التخديرية , مشاكل شعوبنا تشبه مشاكل شعوب أخرى , ولا يمكن لحل مشاكلنا الا أن يكون الا كحل الغير لمشاكلهم …هنا علينا بالنقل من من يتقدمنا وليس من من يتأخرنا !

Tags: , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • فعلا آن للعالم أن يستفيق !

    بقلم :نبيهة حنا الذي  انتظر يقظة العالم على أحر من الجمر , كان   غبطة  بطريرك انطاكية وسائر المشرق   , المدعو  يوحنا العاشر اليازجي , حيث قال مؤخرا  أثناء  زيارته   […]

  • نعوة عمر عزيز وهو حي يرزق

    النعوة تكتب عادة بعد الوفاة  , الا أن وضع السجون السورية  يرغم على تغيير الكثير من العادات ,  نزلاء هذه السجون  يخضعون في الكثير من الحالات الى  القاعدة التي تقول  […]

  • البعث السوري: بعث بلا قيامة… تشابه مدهش بين سورية وكوريا الشمالية

    العنوان بالغ الدلالة، الذي يعطيه الكاتب والمحلل السياسي المعروف حازم صاغيه للفصل الأخير من كتابه الجديد “البعث السوري: تاريخ موجز”، هو “بعث بلا قيامة”، مختصراً المسيرة الطويلة والدموية لتاريخ الحزب […]

  • غالبية الثورات تتحول الى حرب أهلية

    بقلم :فواز طرابلسي  كيف تفسر الأحداث في مصر في الأشهر الأخيرة؟ هل نحن أمام ثورة في الثورة أم سرقة ثورة أم ثورة جديدة أم انقلاب، أم نصف انقلاب ونصف ثورة؟ […]

  • دولة الاحتياط ..مفعول به وليس فاعل

    لكل طائفة   فيلق طائفي , وزمن الأزمات يفرز الكثير من الهوامش والهوايش , ولما كانت البلاد في أزمة , لذا فان التعامل مع الهوايش والهوامش أمر قسري  لامفر منه , […]