ثلاثية أركون …المقدس الحقيقة العنف!!

January 12, 2018
By

ربا  منصور:

يرتكز بحث العلاقة بين الطائفية والمقدس على أسس من أهمها تلازم الطائفية تاريخيا مع المقدس ,ثم التناسب الطردي بين انتشار وممارسة الطائفية والاعتقاد بالمقدسات , فالطائفية كانت ولا زالت تمثل جزءا من البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمعات العربية الاسلامية ومنذ العديد من القرون, انها موروث تاريخي تراثي ااسلامي وسمة حيوية رئيسية في تركيبة المجتمع العربي الإسلامي، ومكوناً رئيسياً في تراثه الثقافي والديني.
االوضع لم يتغير بشكل اساسي بتغير صيغة الخلافة ان كانت أموية أو عباسية او عثمانية ,التغير حصل بعد انهيار الخلافة العثمانية حيث تراجعت الممارسات الطائفية بعض الشيئ لتعود الى الانتعاش في العقود الأخيرة , هذا يعني بالنتيجة أن الطائفية بقيت موروثاً حيويا وحيا حتى في العصر الحديث حيث احتفظت المجتمعات العربية الاسلامية بهيكليتها الطائفية رغم ولادة الدولة الوطنية ورغم تطور النظام العالمي بشكل معاكس .
لنأخذ المثلث الأنثربولوجي الشهير لدى محمد أركون والمؤلف من المقدس والحقيقة والعنف , أركون يرى بأن من يكرس المقدس كحقيقة بمختلف الوسائل , انما يشرعن ممارسة العنف تجاه أي مساس بالحقيقة التي تمثل المقدس,وذلك بالرغم من أن قدسية المقدس ليست أصلا به وانما غلافا خارجيا له .
تتختلف المقدسات والحقائق المطلقة التي تمثل القاسم المشترك بين الطوائف الدينية،الا أن آلية صناعة المقدس واحدة بين مختلف الطوائف ,المقدس مختلف من طائفة لأخرى وتباين واختلاف المقدس هو المؤسس لانتاج الخلافات بين الطوائف كما يرى أدونيس في الثابت والمتحول , انه صدام المقدسات الذي لاينتهي الا بتصفية فئة ونجاة فئة أخرى , انها الفرقة الناجية كما ورد في التراث الاسلامي ومن هي الفرقة الناجية ,وبأي وسيلة تنجو فئة الا وسيلة الحر ب ? …حروب بدأت بحروب الردة واستمرت بشكل أو بآخر لحد الآن ,ولحد الآن لم نعرف من هي الفرقة الناجية !! وتوصيفها من قبل المرجعيات الاسلامية ضبابي ويعتم أكثر مما يوضح !
هناك التباس كبير حول مفهوم الطائفة ومفهوم الطائفية ,فالطائفة هي اتجاه اجتماعي له أبعاده التاريخية , ومن الصعب تواجد كيان الطائفة دون ملازمة الطائفية بحيث يمكن القول بأن الطائفة طائفية بطبيعتها وعلى الدوام , للطائفة الطائفية “مشروع”سياسي في الغالب , مشروع ذو نهج يعتمد الطائفة كوسيلة للوصول الى الهدف السياسي والعمل على فرض الهيمنة السياسية المموهة دينيا ,فالقداسةهي صفة لصيقة وملازمة للفكر والسلوك الطائفي ,والفكر الطائفي هو وليد النظرة تجاه النصوص المقدسة ووليد التداخل بين قداسة النص وقراءة النص (مايسمى استصحاب القداسة), ثم ان القداسة تضمن الحماية للطائفة من الاختراق الفكري الذي قد يؤدي الى تآكل وضمور الطائفة .

القداسة والحماية هم جوهر الفكر الطائفي وبقدر ماتؤدي القداسة الى حماية الطائفة من الاختراق , تؤدي في نفس الوقت الى موت فكر الطائفة لتناقضه مع العقل والاجتهاد والتطور بما تفرضه وتتطلبه الحياة ,الحماية من الاختراق يقود الى تيبس فكر الطائفة وتعطيل تزويد فكر الطائفة بروافد فكرية جديدة تعيض عن المستهلك من الفكر وتزود فكر الطائفة بما هو ضروري وجديد من من أجل حياة تتطلب التجديد المنواصل .

اامتلاك الحقيقة هو منتج من منتجات القداسة , لاعيب ولا نقص في الحقيقة المطلقة التي هي جوهر القطعية الطائفية !!!,والحقيقة واحدة ومقدسة وما عداها شذوذ ونشوذ وانحراف ثم ضلال , وهذا يقود حتما الى شرعنة العنف الذي تحدث عنه أركون في ثلاثيته ,ثم أن القداسة هي مصدر الأخلاق الطائفية التي ترسم سلوك الفرد تجاه محيطه الاجتماعي , أخلاق تتسم بالتعالي والاقصاء . القداسة تؤسس أيضا للتعصب الديني الذي هو أقرب الى التعنت والتجمد والتحجر , هذه الصفات هي من أهم سمات مسلكية الفرد في الشعوب المتأخرة ,والتعصب الديني اضافة الى ذلك أسوء بدرجات من التعصب العشائري أو القومي لكونه يرتكز على ثوابت عسيرة على التغيير والتطوير, القداسة هي أيضا مصدر الغاء الآخر في الوجود والتعبير والاعتقاد , حيث يتم تبرير كل ذلك بامتلاك الحقيقة المطلقة .

من مظاهر علاقة المقدس بالعنف تسمية العديد من الحروب بالحروب المقدسة , حيث يتم توظيف المقدس في الصراعات الحربية وذلك بهدف التمويه على مسببات وأهداف ثم نتائج هذه الحروب المقدسة,الويلات والمآسي والخراب والدمار..الخ كل ذلك منبعه توظيف المقدس الديني في الصراعات الحربية ,كما أن الأثمان الباهظة اعتبرت زهيدة نسبة الى هدف حماية المقدس,واقعيا كانت الصراعات والحروب مظهر من مظاهر التنافس الفطري على المصالح والاستحواز على المنافع والسلطة والنفوذ استجابة للغريزة البشرية , إستخدام المقدس في هذه الصراعات كان بهدف التحشيد والتجييش لخوض تلك الحروب , التي تحصد حياة البسطاء من المؤمنين بذلك المقدس.

Tags: , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • ما معنى “إسقاط النظام”؟

    أحمد نظير الأتاسي “النظام” أم ” نظام القمع” منذ بدايات الثورة والمتظاهرون ينادون بإسقاط النظام مستخدمين الجملة التي أصبحت رمزاً للربيع العربي، “الشعب يريد إسقاط النظام”. في تونس ومصر كان […]

  • مجزرة اليوم تسمى ..سراقب

     من حاجز معمل القرميد التابع لقوات الأسد , انطقت قذيفة  وسقطت على سيارة نقل في مدينة سراقب في محافظة ادلب، مخلفة 9 ضحايا تحولت جثثهم إلى أشلاء، , كما أصيب […]

  • رحلة المعتاز مع جرة الغاز

      على وقع أنغام أغنية ” هالجرة المليانة ” استيقظتِ العائلة ، بعد غرقها بنوم عميق مرهق خالٍ من الأحلام ، إثر يوم عمل مضنٍ ، أُنهِكَت به قواي ، […]

  • قصة الذئب والنعجة !

    سمير صادق: ماذا لو نظرنا الى الدين من زاوية كونه عقائد واحكام شرعية فسوف نراه اداة لمسخ الانسان واغترابه عن ذاته الحقيقية وتكريس الانانية والنفاق والتمركز حول الأنا الأفضل ورؤية […]

  • الخطوط الحمراء بين الدين والسلطة

    لا شك بان العلاقة بين البشر تنظمها أسس اجتماعية وقوانين تحكمها الأخلاق والاحترام المتبادل ضمن منظومة متناسقة تنسجم وحال أبناء المجتمع من كافة طوائفه ومعتقداته وانتماءاته السياسية والعرقية. كما أن […]