هل “الوحدة” كلمة مهذبة عن التقسيم والاستعمار ؟

December 8, 2017
By

سمير صادق:

لقد  انبثقت  فكرة  الوحدة  السورية  المصرية  من  اعتبارات  قومية  , الوحدة  كانت  بالنسبة  لمن  ارادها  تجسيدا  للفكر  القومي العربي  ,  الذي  يقول  بأن  الأقطار  العربية  هم   أصلا  أجزاء من   وحدة   قومية  عربية , حولها  التآمر  واللامنطق     الى  مجموعة  من  الأقطار, فالحالة مرحلية وما  على هذه  الأقطار  سوى    اعلان  الوحدة  , وهكذا  يسير  التاريخ  بالشكل المنطقي  الصحيح  والى    النتيجة  الصحيحة .

بشكل  عام تتميز   القومية العربية  النقية  بكونها  انتماء  للجميع  طوعا  أو قسرا  ,  ففي  سوريا  هناك نزعة  عربية  تقول  بأن  سوريا وشعبها  ينتمون  الى  العروبة  ,  وعلى  السؤال وماذا  عن  الفئات  اللاعربية  في  سوريا ؟؟  الجواب  يتم تعربيهم   طوعا  أو قسرا , فالكردي  الذي  لايريد   أن يتعرب  نقاتله    ونقتله   أو  ننتزع منهه  أوراقه  الثبوتية أو نهجره  الى منطقة  أخرى   أو نحيطه  بالحزام  العربي  أو نمنعه  من  أن يتكلم   لغته , فالعروبة وقوميتها  تحولت  الى  شبه دين شمولي  أو هي بالأحرى   ممثلة  لدين الاسلام  الذي  يجب   أن تكون له  صفة  شمولية, العبث  بها كفروانتقادها  زندقة, من ناحية  أخرى  لا أعرف سببا موضوعيا  لاعتلاء  القومية  العربية  لهذه  المرتبة التي  تفترض  النقاء  العرقي والمذهبي والثقافي واللغوي, لابد  من   أن  تترافق تلك  السياسة   مع التأسيس  لجميع   أشكال  التمييز  والاضطهاد  والاقصاء والقسر   لكي  يصبح  الوجه عربيا   والوجهة  عربية نقية صافية من شوائب  الأكراد  والآشوريين    والسريان  والفينيقيين  وغيرهم .

تجربة  حذف  الاختلافات  ليست  اختصاصا  سوريا  ,  لقد تمت  تجربة  ذلك  من قبل  العديد  من الأمم  بدرجات وأساليب  مختلفة  ولم  تنجح  , واذا    كان  للفشل  أن  يعلم    فهذا  يعني اننا  لم نتعلم  , لم نتعلم  بأن   الغالبية  الساحقة من  محاولات  الغاء  الاختلاف  والسيطرة عليه  لم تكن  الا  عبثا  لا   أخلاقيا  ولا  عقلانيا ,  مشروع  الدولة  القومية   ولنقل   السياسية  مفتوح  على  العديد  من  الاحتمالات  منها  ومن  أهمها  قيام  كيانات  متعددة  على    أرضية  الاختلافات وعلى  أرض  الفئات  المختلفة  التي  لايمكن  ولا  يجوز   سحقها  ووضعها  كمسحوق  في  القنينة,

هدف  هذه  المقدمة  هو  تبيان  سيرورة  الدولة   القومية   التي  تريد  الغاء دولة  القوميات   أو بالأصح  دولة  الاختلافات ونتائج تقويم   الآخرين  بقومية  واحدة  هي  العربية ,  حيث  يمكن  من خلال  ذلك    فهم مصير   دولة  اتحادية مؤسسة  على   أساس  قومي  وملبية  لمطالب  النظرة  القومية    , التي  ترى  في  شعوب  هذه  المنطقة حصرا  “قوما” عربيا  او  متعربا .

الدافع  الأساسي  لمشروع  التوحد  العربي  كان  تنفيذ  شعار   أمة عربية واحدة , انطلاقا من  تطابق   الوضع  القومي  مع  الوضع  السياسي  , وهذا  يعني   حسب  المفاهيم  القديمة   دولة عربية  واحدة  من  المحيط  الى  الخليج, والسؤال  هنا  هو  التالي :  بغض  النظر  عن  تحقيق  الحلم  القومي  العربي, ماهي  الفوائد   المنتظرة من  التوحيد ؟ , ؟هل  التقدم  والترقي   أو  الحياة  الأفضل  أو  التقدم  السياسي  في  البلاد  أو فقط  تحقيق  مضمون  شعار  لم يسمع  به  الملاين  من  سكان  الدول  التي  يرى  القوميون  العرب   ضرورة  توحيدها ؟.

للاجابة  العملية  على  هذه  الأسئلة   يجدر  بنا   العودة  الى  وحدة  عام ١٩٥٨ ثم استخلاص  الأجوبة  من  هذه  الوحدة  على  الأسئلة  , فأول  ماقام به  جمال  عبد  الناصر  كان   الغاء  الأحزاب  ومن   أوائل   أعمال   عبد  الناصر  كانت  وضع  عبد  الحميد  السراج   بساطوره  على  رقاب  السوريين  , ولا  أظن  بأن   الوحدة حققت  للانسان  السووري  تقدما  اقتصاديا  بل  تأخرا  رهيبا  ,  من   عاش  في  ثقافة   السنين من  ١٩٥٤  الى  ١٩٥٨  , سنين  الديموقراطية   والرخاء والحرية  والعدل   أصيب  بصدمة  مميته  بعد  الوحدة  وتسلم  عبد  الحكيم  عامر  المسؤولية  عن  البلاد  السورية , فالوحدة كانت هشة , ولم يظهر  في  البداية  بأنه  لهذه  الوحدة  من   أهداف  سوى   احكام  القبضة على  اسرائيل  وبالتالي  الاكتفاء  بدغدغة  مشاعر  الناس  , خطابات  عبد  الناصر  أوحت  للسوريين  وغيرهم  بقروب  ساعة  الخلاص, مرت  السنة  الأولى  وبقي  السوريون مع  الخطابات , أتت  السنة  الثانية  والثالثة  وبقيت  الخطابات   والاعتقالات  وممارسة  الضباط  المصريون وغيرهم  نوعا  من  الاحتلال  لسوريا  ,  انتقل  اسلوب  التأميم  المصري  الى سوريا  فساءت   الأحوال  الاقتصادية ,قائمة خيبات  الأمل  السورية   أطول  من ذلك  بكثير , لذلك  كان  من  السهل  على الضباط  السوريين   أن يعلنوا  الانفصال ,  وكما  كان   الميول  الشعبي    الى  الوحدة كاسحا   كان  الميول  الشعبي  للانفصال  أيضا  كاسحا .

بعد  خيبة  الأمل  في  السنة  الأولى والثانية  والثالثة, تيقن  الناس  بأن  الوحدة   كانت  توصيفا  مهذبا لحالة   استعمرار مصر  لسوريا  ,لم  يتحقق  شيئ  بالنسبة لفلسطين  وبالنسبة  للوضع  الداخلي   ساءت   الحالة  بجميع   أوجهها  , ولم يعد  هناك  من نشاط  الا  نشاطات  تمجيد الرئيس , وبذلك  لفظت  الوحدة   أنفاسها  الأخيرة  وتمت  الاطاحة بها  بمنتهى  السهولة .

لايمكن  حذف  تجربة  الوحدة  الاعتباطية  من  الوجود  , ولا يمكن  القول  بأنه  ليس  لتلك  التجربة   من مضاعفات  طويلة  الأمد  , أهم   تلك  المضاعفات  , بغض النظر  عن الفشل  في  تحقيق مجد شخصي لعبد  الناصر!!!!!,كان  القضاء المبرم  على   أي  محاولة  لتوحيد   الأقطار  العربية, فلولا  الوحدة  الاعتتباطية  لم  يكن  هناك  انفصال  , وهذا  الانفصال  كرس  ثقافة  التجزئة والتفتت  المستمرة  لهذه  اللحظة  , كان تأثير  الوحدة  والانفصال  على  الفكر  العروبي  بمنتهى  السلبية  , وفي  سوريا  تم  استبدار  ثقافة  الشخص  وتمجيده  , تلك  الثقافة  التي  كان  لها  تأثيرا  كبيرا سلبيا  على  تداعيات  الوضع  السوري ولحد الآن !!

Tags: , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • فشل الأوطان وازدواجية الانتماء !

    سمير صادق: تتصف  أزمة الهوية والانتماء  في هذه  البلاد  بالعمق  والشمولية  ,   ففي سوريا هناك من يسكنها  , الا أنه ينتمي وجدانيا  وعاطفيا  الى   وطن  آخر  , ان […]

  • الوطنية السوريةوالمواطنة والخيانة

    تاريخيا يمكن القول  على  أن مفهوم الوطنية  أوروبي المنشأ  ,  فقد نشأ هذا التعبير في أواخر القرن الثامن عشر    مرادفا  لنشوء الفكر  القومي , لذا يتم أحيانا المزج  بين  الوطنية […]

  • في هجاء ومديح حافظ الأسد

    وقع  نظري على مقال لباسم خزام من عام ٢٠١٢, وقد أحسست  في المفال بنوع  غريب من الجاذبية ,المقال  كان ظاهريا  حول حافظ الأسد , الا أنه حقيقة  كان حول بشار […]

  • الرفض الديموغرافي للمفهوم الجغرافي …لادولة !

      ممدوح بيطار: يتضمن  مشروع الاسلاميين  لبناء الدولة الحديثة تطبيق  الشريعة الاسلامية  ,ولو افترضنا جدلا بأن هذه الدولة قامت بشكل ما ’, فهل  بامكان هذه الدولة   أن تنسجم مع  النظام […]

  • من يقف تحت سقف الوطن ؟

    في خطابه أمام مجلس الشعب السوري الجديد قال الرئيس : “إن البعض يطرح في نفس هذا الإطار ومنذ بداية الأزمة أن الرئيس يجب أن يكون لكل الشعب ، وأنا أقول […]