درب الجلجلة السوري*

April 29, 2017
By

 أحمد سليمان:

**

مريام سلامة : الفن رديف الثورة .. لوحاتي تحكي المأساة السورية ..

احتمينا داخل كراج مهدّم يعشّش في قلبه غير المكسو صنّة بول قوي وكتل خراء متيبّس.
كان الطقس زمهريراً يحزُّ المفاصل والأطراف كالسكاكين. القصف اندلع صباحاً على حين غفلة، وحصد في ساعة ونصف أرواح اثنين وثلاثين مدنياً أعزلَ من أهل المنطقة، نعرف ستة منهم أذاعوا نعواتهم على المكبرات.
مطر الهاون طال أقصر البيوت وأقصاها، مآذن الجوامع تصدح بتكبيرات وأدعية جهاد ملحمية حاسمة لا تنقطع أنفاس مردديها، تصّاعد حدةً ويمتد صداها في الأنحاء كهزيم الرعد بعد صلاة الجمعة المسماة: قائدنا للأبد سيدنا محمد.
بقي عبد الهادي مقرفصاً يتمتم بآيات وسور قرآنية مشوهة التشكيل على لسانه المرتعش. يحلف بأسى أنه لن يمارس العادة السرية أبداً بعد هذا اليوم. سليم مصلوب على الحائط بيدين متقشّبتين، يحرك عينيه على اتساعهما في جميع الاتجاهات، محاولاً لمحَ الرصاص المصفّر في الجو بين أسلاك الكهرباء ومناشر الغسيل، يقاوم مخاطه بشهقات عميقة، ويزفر ببطء شديد كأنه سينهار باكياً ويغمى عليه من ضغط الأصوات. يردد بوتيرة مهووسة: أخوات الشرموطة، أخوات الشرموطة، أخوات الشرموطة.
كنت أقل خوفاً منهم، بقميص متسخ وبنطال ممزق من الركبة والفخذ وجرح ملزَّق بالرمل في الكوع، افترشت تلة ترابية واطئة، شارداً في هذه الحبكة التراجيدية، وكم سيكون موتنا هكذا حزيناً دون وداع أو اتصال هاتفي على الأقل. شبكات التغطية وخطوط الكهرباء مقطوعة منذ أيام. كنت أسعل سعالاً مزمناً كل خمس ثوان، وأمسح دموعي من وجع البرد. ثلاثتنا غرقنا في صمت جنائزي خانق، نتحيّن لحظة هدوء نركض فيها إلى أقربنا بيتاً. الساعة الواحدة ظهراً، غارات جوية تبث الرعب فوقنا، أولها مروحيات هليكوبتر، تبعها وحش الميغ الذي حفر خنادق موغلة في أراضي الغوطة صيّرها كسطح المريخ، حيث تتمركز خلايا نائمة حسب ما قيل لاحقاً.
لمحنا على الشارع المقابل صديقنا نور الدين يقود دراجة أبيه الكورس مرتعدة العجلات بسرعة جنونية نحو ساحة كرة القدم خافضاً ظهره للحد الأدنى. زعقنا باسمه، لكنه كان أسرع من صوتنا. بعد دقائق تناهى لسمعنا صوت لاسلكيّات مشوشة.. تلقين أسلحة.. أحذية تضرب الشوارع والممرات كالثيران وتهرول في كل الأمكنة. انبطحنا جميعاً، لامست وجوهنا الأرض، زكمَ أنفي عبق تراب أخّاذ، منحني نشوة مفاجئة كما لو بودرة كوكايين.
مئات الرشاشات أخذت تعزف معاً سمفونية من الرصاص الكثيف بدت لحظتها خالدة لن تنتهي. لم نخف من بطش الرصاص، خفنا من الصمم. سليم بدأ يهتزّ وينشج حاشياً أصابعه في أذنيه. عبد الهادي همد كسلحفاة مثلومة بين ضلعي الزاوية. وأنا حشرتُ وجهي في التراب، تمنيت الغوص لجوف الأرض والتلاشي تحتها ريثما ينفضّ هذا الاشتباك الهستيري. قبض سليم على كتفي، تشبث بي كطفل ضائع لا يعرف الطريق، ضعفه ضعضعني. سنموت بعد قليل.. سنكون جثثاً بألف ثقب تتلمّظها كلاب البساتين.. تخيلت هذه الكلمات بصوته المتهدج، وأجهشت بالبكاء.
خفّ تبادل النيران تدريجياً خلال الربع ساعة التالية، ثم توقف لدقائق. هرعنا فوراً من الكراج إلى الشارع المفضي لبناية عبد الهادي، كان طويلاً وآخره عارماً بغبار القصف، اقترح عبد الهادي أن نذهب إلى مسجد الأبرار، والشيخ بلال سيؤمّن لنا مكاناً نختبئ فيه. فزع سليم من الفكرة وقال يجب أن نلجأ لبيت ما هنا ولن يخذلنا الناس في هذا الوضع بالتأكيد. انعطفنا يساراً على هضبة ترابية نحو أبنية الحارات البعيدة عن الشارع العام. ولجنا في الأوحال والممرات الضيقة، بخبخ رذاذ خفيف سرعان ما تحول لأمطار قاسية بلّلت كل قطعة من ثيابنا. ركضنا في الطين، تحت المطر، وصوت القصف مستحيل النسيان.
ركضنا يومها ثلاثتنا من 2013 إلى هذا اليوم من 2016، ركضنا من الريف إلى أطراف المدينة، ومن أطرافها إلى قلبها، ثم ركضنا من سوريا إلى خارجها.. عبد الهادي إلى مصر، سليم إلى تركيا، أنا إلى الدنمارك.. وما زلنا نركض بدمنا خائفين، نركض من كل شيء، نركض من البول والخراء والبرد والمطر والأصوات والبلد والشعب والرب والجوع والجراح والخوف والدموع والعنف والصخب والدم والحياة إلى مصيرنا الأبدي، المجهول والموحش والضيق جداً كآخر حارة تسابقنا فيها نحن الثلاثة نحو النجاة. نركض اليوم جميعنا في معتقل واحد عميق، ما زلنا نرى فيه بعضنا جبناء وخونة، نفتش لاهثين عن هويات حقيقية ومخبأ آمن، نخشى حتف القنّاصة وحواجز الطرفين في كل أصقاع العالم. نركض اليوم، وغداً، منهم.. منكم.. منا.. حتى الموت

*بتصرف  لحين  يقترح الكاتب عنوانا آخر , ** مريام  سلامة

Tags: , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • الصوت الأقوى والأجرأ المعبر عن ضمير أمة تتوق للحرية والديمقراطية..

    بقلم:عوض عبد الفتاح قد تتفق مع أفكار وتحليلات ومواقف عزمي بشارة أو تختلف معها، لكنه سيظل الظاهرة الأهم في الوطن العربي المعاصر لناحية الجمع بين المشروع الفكري والثقافي والسياسي، والصوت […]

  • يصلح ! من له مصلحة بالاصلاح , عن الأسد :الاصلاحات تشمل الحزب والدولة

    قبل حوالي ساعة من الزمن قدمت للأستاذ ضياء أبو سلمى أحر التشكرات لنشره مقالات المغوار ابراهيم الأمين , لأنه من خلال ابراهيم الأمين نستطيع التعرف على مايدور في رأس رئيس […]

  • وتبقى المدنية هي الحل

    وفق حتمية الصيرورة التاريخية بات من المؤكد أن سورية الغد لن تعود كما كانت بالأمس، لكن الأمر المختلف عليه حالياً بين النخب السياسية بانتماءاتها المتعددة سواء في السلطة أم في […]

  • أيها المسلحون بين الهتافات العابرة!

    أيها المسلحون بين الهتافات العابرة  أيها المسلحون بين الهتافات العابرة منكم السلمية الكاذبة ومنا الصبر والنصر منكم “الديمقراطية” المستوردة ومنا أبجدية وشرائع منكم السيف ومنا دمنا فخذوا حصتكم من لعنتنا و […]

  • كم من الثورات تحتاج سوريا ؟

    سوريا بحاجة الى العديد من الثورات , وأهم هذه الثورات آنيا هي ثورة للتخلص من الأصولية الاسدية , التي لاتقبل الرحيل طوعا , شأنها  شأن  الديكتاتوريات الدوغماتيكية  الأصولية الأخرى, التي  […]