ما فعله نظام إيران لنا ولشعبه ؟

August 13, 2015
By

ماجد كيالي:

عندما اندلعت «الثورة الإيرانية» (1979) استقبلت باحتفاء بالغ في الأوساط الشعبية العربية، ومن قبل التيارات اليسارية والقومية والإسلامية، باعتبارها ثورة وطنية ديموقراطية، أي لم ينظر إليها باعتبارها ثورة اسلامية أو دينية، كما لم يتم التعاطي معها على أساس طائفي أو مذهبي. في حينه، كان خلاص الإيرانيين من نظام الشاه الملكي والاستبدادي، مع تبعيته للسياسة الأميركية، وعلاقته الوطيدة بإسرائيل، بمثابة بارقة أمل للعالم العربي. فهذا نظام سقط بواسطة الشعب، ربما لأول مرة في تاريخ العالم العربي والإسلامي؛ إذ المرة الثانية حدثت في أندونيسيا، حيث سقط احمد سوهارتو في انتفاضة شعبية (1998).

بيد أن هذه الثورة سرعان ما تعرضت لارتدادات بهيمنة رجال الدين بقيادة الخميني، الذين استثمروا في التراتبية الدينية المعمول بها في المذهب الشيعي، على البلد، من دون الشركاء الآخرين، وضمنهم آيات الله الذين لم يأخذوا ببدعة «الولي الفقيه»، التي تتوّج المرشد الأعلى، ليس كـ»شاه» جديد، وحسب، وإنما أكثر من ذلك، أي باعتباره بمثابة سلطة مقدسة. وهذا الوضع مع وجود المرشد الأعلى، بصلاحيات مطلقة ذات صفة قدسية، ووجود هيئات سلطوية مثل «مجلس صيانة الدستور»، ومجلس تشخيص مصلحة النظام» و»مجلس الخبراء»، مع الأداة التنفيذية المتمثلة بـ «الحرس الثوري»، جعل من العملية الانتخابية، ومجلس الشورى، ومؤسسات الدولة، وكل المظاهر الديموقراطية، مجرد فولكلور لا معنى له في الواقع.

هكذا تمت تنحية مهدي بازركان رئيس أول حكومة بعد الثورة، وبعده أبو الحسن بني صدر رئيس الجمهورية (شباط 1980 ـ حزيران 1981)، وفي الأثناء تم حظر منظمتي فدائي شعب ومجاهدي شعب، كما تم التضييق حتى على آيات الله شريعتمداري وطالقاني ومنتظري (كان نائبا للمرشد)، بل وجرى التنكيل بهم. وقد وصل الأمر، كما شهدنا فيما بعد، الى التضييق على الرئيس الأسبق محمد خاتمي، وعلى مرشحي الرئاسة (2009) مير حسين موسوي ومهدي كروبي، مع قمع التظاهرات التي اندلعت تأييدا لهما.

بطبيعة الحال فقد كان لهذه الارتدادات الداخلية مثيلاتها الخارجية، أيضاً، إذ منذ البداية انتهج الخميني، ومن معه، سياسة تصدير الثورة، مستفيدا من زخم الثورة الإيرانية، وحال الاستقبال التي شهدتها في البلدان العربية، مستثمرا في ذلك، أيضا، البيئات الشعبية «الشيعية»، سيما في العراق ولبنان وبعض بلدان الخليج العربي، الأمر الذي فتح على الحرب العراقية الإيرانية (1980 ـ 1988). وفي الغضون فقد استثمر النظام الإيراني في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وقضية فلسطين، وفي المقاومة، عبر انشاء حزب الله في لبنان. ولنلاحظ ان هذا الحزب هو الذي نقل تابعية أغلبية «شيعة» لبنان من مرجعية النجف العربية إلى مرجعية قم الإيرانية، وهو الذي أدخل عقيدة «الولي الفقيه»، في التراث الشيعي اللبناني، في محاولة للحد من نفوذ رجال الدين اللبنانيين مثل السيد محمد حسين فضل الله ومهدي شمس الدين والسيد محمد حسن الامين، وغيرهم. فوق ذلك فقد ظل هذا الحزب، الذي ينتمي إلى منظومة تيار الاسلام السياسي («الشيعي»)، في تركيبته حكراً على طائفة معينة، وكانت فكرة المقاومة هي وسيلته للتحول الى ميلشيا مسلحة لطائفة معينة، وكذراع اقليمية لإيران. وقد تكشّف ذلك بوقف المقاومة بعد العام (2000)، اي اثر انسحاب اسرائيل من جنوبي لبنان، وظهر على نحو اوضح بعد اندلاع الثورة السورية (2011)، إذ بات هذا الحزب يقاتل السوريين، مع أخواته العراقيات، مثل كتائب ابو الفضل العباس وعصائب الحق وغيرهما.

وفي الحقيقة فقد تكشف دور إيران كعامل في زعزعة استقرار المجتمعات العربية، وليس فقط النظم السياسية، مع الغزو الأميركي للعراق (2003) إذ كانت في موقع الحليف المساند لهذا الغزو (وحصل ذلك في الغزو الاميركي لأفغانستان 2002). وبعد الغزو اشتغلت الميلشيات العراقية الموالية لها ضد المقاومة، بل انها انخرطت في إطار ما يسمى العملية السياسية، مع بول برايمر، التي ادت الى تقويض العراق كدولة وكمجتمع، بحيث بات هذا البلد، مع المالكي وقبله وبعده، بمثابة منطقة نفوذ إيرانية. لكن توضّح دور إيران، باعتبارها أحد مراكز الثورة المضادة في المنطقة، بغض النظر عن شعاراتها وادعاءاتها، تجلى بموقفها المعادي لثورة السوريين، وبدفاعها عن نظام الأسد، القائم على الاستبداد والفساد، إذ لم تكتف بدعمه سياسيا وماليا، إذ وصل الامر الى حد دعمه عسكريا، من خلال تواجد مجموعات من نخبة الحرس الثوري الايراني، وغيرها من الميلشيات «الشيعية» الموالية لإيران في العراق وافغانستان، ناهيك عن حزب الله. وهكذا وصلنا إلى الدرجة التي بات معها بعض القادة الايرانيين يتبجحون بأن بلدهم بات يسيطر على عواصم عربية عدة هي صنعاء وبغداد ودمشق وبيروت.

ولعل الأهم من كل ذلك أن النظام الإيراني نجح في ما لم تنجح فيه اسرائيل منذ قيامها، إذ استطاع شق المجتمعات العربية، وتقويض وحدتها، بإثارة النعرة المذهبية فيها، وهذا أخطر ما فعله في العالم العربي.

الآن، ومع الاتفاق على الملف النووي، يبدو النظام الإيراني مكشوفاً، في كل ادعاءاته، وضمنها صراعه مع «الشيطان الأكبر»، إذ بدا انه مستعد لتقديم كل شيء لكسب ود هذا الشيطان، إلى درجة قبوله التنازل عن أمور سياسية، من ضمنها تفتيش منشآته النووية، وتخفيض أجهزة الطرد المركزي من 19 الفاً الى ستة آلاف، وتحديد مستوى التخصيب بـ 3.67 في المئة، وتخفيض مخزونه من اليورانيوم الضعيف التخصيب من 10 الاف كلغ حالياً الى 300 كلغ على مدى 15 عاماً، مع إبقاء الحظر على أنواع من الأسلحة، وضمنها الصواريخ. ولنلاحظ انها تنازلات تمت في خضم صيحات التهديد بوقف الملاحة في الخليج العربي والبحر الاحمر واحراق مناطق النفط وتدمير اسرائيل، التي تبينت انها مجرد تهديدات جوفاء وغير مسؤولة، ولا تعني شيئاً. طبعاً بالمقابل حصلت ايران على الموافقة على الغاء تجميد أرصدتها المالية في الخارج، ورفع الحصار الاقتصادي المفروض عليها، ما يؤكد أن هذه الدولة تعبت جراء كل ذلك، رغم كل مكابرتها، بالنظر الى تدني نسب التنمية فيها وتدني مستوى معيشة مواطنيها.

مع ذلك، فإن صفقة كهذه ما كانت لتتم بهذا الشكل، ربما، لولا التحولات الحاصلة، والمؤلمة، في المشرق العربي، من لبنان الى اليمن مروراً بالعراق وسوريا، فهذه التحولات، بما لها وما عليها، هي التي كسرت عنجهية النظام الإيراني، وجعلت خامنئي يتجرع «ًالسمّ» المتمثل بالاتفاق كما تجرعه الخميني قبله بقبوله شروط وقف الحرب مع العراق.

تحية لشابات وشباب ايران، الذين يمثلون إيران المحجوبة، والذين خرجوا للاحتفاء بالاتفاق باعتباره بمثابة انتصار لهم على النظام الجاثم على أنفاسهم.

Tags: , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • جدارة السلطة بادارة البلاد !

    بقلم: نيسرين عبود تمسك السلطة بذاتها  وخاصة برأسها , يجب ان يكون دليلا على قناعتها بجدلتها  في ادارة  البلاد , ولما  كان ماحدث في السنين الخمسين الأخيرة  لايمثل  شيئا من […]

  • درس القذافية الصعب

    يبدو أن درس «الأخ معمر» لم يكن تعليميا، لو كان كذلك لتعلمه ما بقي من استبداديي العرب قيد السلطة والحياة. ويبدو أن درس «الأخ العقيد» كان صعبا. لو كان غير […]

  • الممانعة ظاهرة صوتية !

    بقلم :جورج بنا بالرغم من قدم  شعار “الممانعة”  , أعترف على أني لم أفهم مضامينه  بشكل كاف لحد الآن  , فالرئيس بشاار الاسد يعتبر نفسه ممانعا  , ويعتبر  الرئيس اللبناني  […]

  • طريق نصر الله الى القدس عبر حمص

    قول  نصر الله   بمناسبة الذكرى  ال 25 لانطلاق اذاعة النور  على أنه  جاهز  لتسلم سلاح سوري كاسر للتوازن مع اسرائيل مثير للتعجب , ولم يقل نصر الله  اذا كان […]

  • مسيحية للشعب

    لم تكن المسيحية يوما للمسيحيين وحدهم. قبل يسوع الناصري لم يكن هناك مسيحيون، ولو كان المخلص للمسيحيين وحدهم، لما كانت لرسالته وحياته قيمتها الإنسانية الخالدة التي تتمتع بها، ولكان مصلحا […]