لا حلّ إلا بإسقاط الأسد

June 6, 2015
By

غازي دحمان:
يجاهر خطاب قوى ما يعرف بـ”الممانعة “بطرح معادلة جديدة لمقاربة الأزمة في المنطقة تقوم على تقديم نفسه كخيار وحيد وإجباري، ويطالب القوى المختلفة بالانصياع لرؤيته هذه والقتال تحت رايته وإلا فإنه سيتهمهم بالخيانة والغباء، بالطبع وفق هذه المقاربة مطلوب إعادة تأهيل مكونات هذه القوة، القديم منها والجديد، وتسليمها مقاليد الأمور، لكن هذه المرّة بإرادة وانصياع كافة المكونات المجتمعية والتيارات السياسية إلى حد انمحائها ضمن سياق المعركة التي يحدد تاريخها ومكانها حلف الممانعة وحده.
ومن أجل تمرير هذه المقاربة يطالب هذا الخطاب بعدم التركيز على التفاصيل التي صنعت الأزمة وعدم الاهتمام بها والاستغراق بشرحها وتحليلها أو جعلها ركيزة لفهم ما حصل، على اعتبار ان هذا الأمر لم يعد مفيداً ولا مجدياً في المواجهة مع قوى التطرف، والتركيز على حقيقة أن النتيجة هي سيادة القوة المتطرفة ساحة الفعل وتراجع ما عداها، والاعتراف علناً بأن ما كان قبل مرحلة الثورات هو الأفضل، إذا أردنا ان نكون واقعيين ونغنم بالسلامة.
وفق هذا المعنى يصبح مطلوباً من أنصار الثورة، بل قل من أنصار الحياة الآدمية، أن يتبرأوا من طموحهم الثوري ويشجبوا لحظات الأمل التي عاشوها بميلاد عهد جديد يعيشون فيه بحرية وكرامة، والأكثر من ذلك أن يتنازلوا عن مظالمهم وعذاباتهم ويعتذروا عما سببوه من إزعاج لقوى المقاومة. حسناً، ربما يحق لهذه الأطراف اعتراف الأخرين ببراعتهم في صناعة شبكة الفوضى، وتحريف الفعل الثوري، وتشويه مقاصد الثورة، لكن أن يطلبوا من الآخرين تصديق ذلك، هذا ليس من الواقعية بشيء، الواقعية التي يطلبون من الآخرين التعاطي بمنهجها، ذلك أن المعادلة أبسط مما يتصورون وهي لا تخفي نفسها ولا تحتاج لكثير من التدبير للوصول إلى أسرارها، المطروح اليوم هو استبداد وتوحش هذه القوة مقابل تخلف داعش وتوحشه، ولا فرق بينهما سوى ببعض التفاصيل، التي لا تغير من طبيعة المشهد بقدر ما تتلاعب بالصورة والإخراج.
ثمة طريق أخر، وسلوك هذا الطريق بات هو المخرج الوحيد لشعوب المنطقة للخروج من الحرب الطاحنة التي يعد طرفا الاستبداد والتوحش الاستمرار بها ولا يملكان بدائل أخرى خارجها، وهذا الطريق هو العودة إلى أصل وسبب كل هذه الشرور، وإزالة الديكتاتور الذي قرّر حرق البلاد ليمنع مواطنيها من الحصول على حياة حرّة وكريمة، والذي اعتبر أن صرخة الجموع من آهات الوجع إهانة لقدسيته ولن يكون المقابل الجزائي العادل لها بأقل من قتلهم تحت ركام منازلهم، وتشريد الملايين منهم، وإذلالهم إلى أبعد حد، وتشويه صورتهم في العالم كله.
هذا يمثل قمة العقلانية والمنطق، لأن استمرار وجوده سيشكل، على الدوام، أفضل مناخ لنمو الحركات المتطرفة، ذات الفكر الطائفي البغيض من داعش إلى حزب الله وما بينهما. استمراره سيفاقم مساحة التطرف في المنطقة ويزيدها أضعافاً، مقابل تراجع الفكر المتسامح والمدني، بسقوطه أيضاً سوف تتحطم منظومة المحفزات التي تولد الحقد والكراهية للآخرين وسيتم إغلاق دائرة الاستقطاب، وتنكفئ منظومات ومنظمات التطرف. بسقوطه أيضا سيتوقف عداد المتورطين بالدم والذاهبين إلى الموت، لأن بقاءه سيجعل الجميع في وضعية قاتل أو مقتول. بسقوطه تقوى القوى المدنية في سوريا ولبنان، بعد أن عمل الأسد على تجريفها هنا وعمل ” حزب الله” على تهميشها هناك، بحيث صار الصوت الاعلى لقوى التطرف وحدها.
بالمنطق والواقع، لا خيار أمام شعب يقول له حاكمه جئتكم بالبراميل والموت جوعاً سوى اللجوء لمن يدفع عنه الموت أو يؤمن له الإغاثة، ومن الغباء وعدم رؤية الواقع، رؤية الموضوع بغير هذا المنظار. الجزء الأكبر من الشعب السوري لا يملك رفاهية الخيار، ومن غير المنطقي والواقع مطالبة هؤلاء بالقتال لاستعادة حكم عصابة، لم تكتف بكل القتل الذي أجرته على أجسادهم وأرواحهم، بل تضع الملايين منهم على قائمة المطلوبين للموت في سجونها تحت التعذيب، لإرضاء رغبة الانتقام عند السجان، أو لإشفاء غليله من وقاحتهم بطلبهم الحياة الكريمة.
وبالمنطق والواقع، لا إمكانية لعودة ملايين المهجرين إلى سوريا، طالما بقي نظام الأسد الذي انتهى الى توصيفهم كخونة ويفكر بإسقاط الجنسية عنهم، ولا إمكانية لإعادة إعمار ملايين المنازل والمدارس المدمرة، ولا حتى إعادة تنشيط الدورة الاقتصادية، وعودة الحواضر والأرياف السورية للحياة، بوجود نظام تعاديه البيئتان الإقليمية والدولية، نظام بأيام الرخاء وزّع مواطنيه لتحصيل أسباب العيش في بلدان الجوار؟
ليس نظام الأسد سوى ماكينة قتل متحركة. هذه طبيعته، ولم يصنعه داعش ولا النصرة، التي ولدت في مرحلة متأخرة من حكمه، عندما روّع لبنان وقتل قادته وهدّد بتكسيره على رؤوس أهله. كان ذلك في وقت لا وجود فيه الا للمتطرفين الذين صنعهم هو أمثال شاكر العبسي و”فتح الإسلام”. وعندما أغرق العراق بالموت لم يكن من المتطرفين سوى جماعة أبو مصعب الزرقاوي، الذي كان يعقد اجتماعاته في فرع الأمن العسكري بشهادة الكثير من المنشقين السوريين وبعض التائبين من القاعدة، وبالتالي لا يمكن بأي شكل من الأشكال التعايش مع هكذا نظام وقبوله.
غير أن قمة المنطق أيضاً تقول بأن هذا النظام بالأصل انتهى، وهو في مرحلة النزف حتى الموت، وإن محاولات إنعاشه هي نوع من الانتحار والجهد اللامجدي، والأفضل هو البحث عن بدائل أخرى ومقاربات جديدة لإرساء الاستقرار، حتى لو تطلب ذلك الإقرار بالخطأ والاعتراف بالهزيمة. وحتى يهون عليكم الأمر، هذا النظام الذي يحتضر هزمه شعبه مقابل ضريبة دم كبرى ونكبة أكبر، وليس عيباً الانهزام أمام حق الشعوب في تقرير مصيرها.

Tags: , , , , , , ,

One Response to لا حلّ إلا بإسقاط الأسد

  1. g.raad on June 6, 2015 at 5:02 am

    لايزال بشار الأسد مصاب بمرض المرشح الواحد الذي ينال ٩٩٪ من الأصوات في الاستفتاء , وهو يعيد انتاج هذه العقلية عن طريق اصراره على انه البديل الوحيد وذلك عن طريق حصر البدائل به وبداعش , فاما بشار واما أبو بكر وكأن النساء السوريات أصيبوا بالعقم بعد انجابه وانجاب أبو بكر البغدادي ..لابديل ثالث , وبالتالي علينا بالبديل الأفضل وهو بشار الأسد .
    المشكلة هي التالية , بقاء بشار الأسد يعني حتما بقاء البغدادي وذلك لأن البغدادي وتنظيمه ولد في حضن بشار ونظامه ولا يوجد أي دليل على التمكن من ازالة البغدادي عند بقاء الأسد .
    لكن بالمقابل يمكن تصور زوال البغدادي بعد زوال الأسد , وذلك لأن زوال الأسد سيوحد كافة أطياف الشعب السوري ضد البغدادي داخليا , وسيوحد دول العالم المؤثرة على القضية السورية أيضا ضد البغدادي , ومن هنا يجب القول على أن زوال الأسد هو الخطوة الأولى لازالة البغدادي , وبذلك نكون قد استرحنا من الشر بشكليه ولا أظن على أن انقاذ سوريا ممكن دون تطور الأمور بهذا الشكل , اولا بشار وبعد ذلك البغدادي ثم الى سوريا الجديدة التي أحلم بها

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • ماذا لو كانت سوريا ديموقراطية!

    فاتح بيطار: * يتوجب علينا ,وقد وقعت سوريا في مطب الخراب والاندثار, طرح العديد من الأسئلة التي قد تكون نسبيا مفيدة وقد تكون عديمة الجدوى , وعن عدم الجدوى هناك […]

  • وطنيون وخونة وطائفيون

      في سورية البعثية، كان يجري تبرير كل مطلب أو دعوة عامة بمردودهما المحتمل على “الوطن”، تقدمه وصموده ووحدة مجتمعه وتحرير أراضيه المحتلة… إلخ. كي تكسب أية فكرة شرعية الطرح […]

  • نظام الموت الوطني!

    بقلم:ميشيل  كيلو  لم يعد نظام دمشق مسؤولا عن أي شيء غير موت السوريين. في الكلامولوجيا الدعائية، السوريون كلهم معه ووراءه، وهو لا يفعل أي شيء من دون مشاورتهم ومشاركتهم، أليسوا […]

  • مجانين بلادي

    لايوجد مجتمع دون مجانين , الا أن المجتمع الراقي يحاول لملمت مجانينه  ووضعهم في المصحات   للعلاج , وهذا لايمكن له أن يحدث في سوريا  , وذلك  لحاجة السلطة  الى هؤلاء […]

  • Briefing to the General Assembly Navi Pillay

    UN-Media Centere Briefing to the General Assembly Navi Pillay, High Commissioner for Human Rights  ,Syria 13 February 2012 New York Mr. President Distinguished Members of the General Assembly Excellencies Ladies […]