إيران ترث عرش حافظ الأسد في سوريا

ابراهيم الجبين:

كاريكاتيربإعلان موت اللواء رستم غزالي، الشخصية الأمنية السورية ذات التداخل مع ملفات كبيرة وخطيرة في المنطقة، يكون نظام بشار الأسد، قد تخلص، من أحد أهم المتهمين (الشهود) باغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، غزالي الذي كان قد فقد أعصابه في فترة التحقيقات التي أجراها ديتليف ميليس،  قبل أن يصدر تقريره الشهير حول جريمة الاغتيال التي هزت الشرق الأوسط.

سلسلة طويلة من الانهيارات على مستوى قيادة الصف الأول في بنية نظام الأسد، لن تكون مجرد أحداث عادية، فهذا البنيان المرصوص، الذي طالما بدّل رجالاته بالطريقة ذاتها، منذ أواخر الستينيات، قبل وصول الأسد الأب إلى السلطة، وتمهيداً لذلك الوصول في العام 1970، ثم ما تلاه من إبعاد ونفي واغتيال سياسي ومادي بحق كل من يشكّل تهديداً لدقة التحكّم بالأمور، ولكن تلك الدقة التي أدارها حافظ الأسد بالكثير من القدرة والبراعة والدموية والصبر، لا تبدو وأنها تصبغ نظام ولده بشار، الذي تجكمت به تلك الأجهزة الأمنية أكثر مما تحكم بها، وأدارت اللعبة رغماً عنه، باسم حماية النظام والرئيس، لتتهاوى ضابطاً إثر ضابط، بعد ان اختلفت المعادلات وأصبح حماة النظام ليس الأجهزة الأمنية بل إيران  وحزب الله اللبناني.

باختلاف ورثة حافظ الأسد، وحراس العرش، يحدث متغير كبير في طبيعة النظام الذي يحكم سوريا، منذ العام 1963، وتصبح الأمور مرهونة بغير الدور الوظيفي الذي كان يستثمر فيه الأسد الأب، بأداء المهام القذرة في المنطقة، والتي لا يريد اللاعبون الكبار تلويث أصابعهم بها، فكان عليه أن يحاصر الدول العربية مخابراتياً وسياسياً، ويدمّر المنظومة التي  قامت على توافق الرياض والقاهرة ودمشق وبغداد، مراكز الثقل العربية، فحارب وابتز كلاً من تلك العواصم، وابتلع لبنان، وفتت المقاومة الفلسطينية وجزأها، وضغط على العراق وناصر إيران في حربه ضده، وغير بنية العالم العربي السياسية بتدخله حتى في ابعد الشؤون عنه جغرافياً وسياسياً واقتصادياً. واليوم يصبح النظام القائم في دمشق، بعد خسرانه الكثير من الأراضي السورية، مجرد متصرّفٍ تابع لطهران، وهذا ينعكس بالضرورة على مراكز القوى في داخله.

وكانت البداية مع التخلص من اللواء غازي كنعان، الرجل القوي في لبنان وسوريا، والذي كان يعرف الكثير ويدير الكثير، فكان لابدّ من محوه عن الوجود، بعد إجبار جيش الأسد على الانسحاب من لبنان، خشية انتقال سطوته إلى سوريا، ثم العميد محمد سليمان، لتلحق به مجموعة خلية الأزمة وعلى رأسها آصف شوكت صهر رئيس النظام، ورئيس المخابرات السابق، ومعه كبار الضباط، ثم جامع جامع، ورستم غزالة، وبين هؤلاء محطات تكبر وتصغر بحسب الاقتراب من دائرة الخطر ليس على رأس النظام هذه المرة، ولكن على قبضة إيران في سوريا.

من الدولة إلى المتصرفية

طبيعة النظام الإيراني في طهران، تفترض وجود أقاليم مختلفة التكوينات، والطبائع، ويبدأ مما هو منحصر في الخارطة الرسمية لإيران ذاتها، التي غير أن ما يجمعها كلها هو ولاؤها للخامنئي الولي الفقيه، هذا الوصف ينطبق اليوم بحذافيره على سوريا، التي قال عنها مهدي طالب مسؤول الحرس الثوري الإيراني في شباط ـ فبراير من العام 2014 ، إن “سوريا هي مقاطعتنا الاستراتيجية”، ويضيف: “إذا كان علينا الاختيار بين الدفاع عن محافظة خوزستان في إيران أو سوريا، سوف نختار سوريا. وذلك لأنّنا إذا خسرنا سوريا، فلن نكون بعدها قادرين على الدفاع عن خوزستان أيضًا”.

أما جوبين غودارزي من جامعة ويبستر في جنيف، مؤلف كتاب: “سوريا وإيران: التحالف الدبلوماسي وسياسات القوة في الشرق الأوسط”.  فقد افترض أن سوريا كانت قد تبنّت أيديولوجية القومية العربية الاشتراكية عن طريق سلالة من البعثيين، وهو ما أدّى إلى استياء الشاه الذي كانت علاقاته جيدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب، في الماضي، لكن الأمر اختلف مع قدوم الخميني، مع أنه كانت هناك بعض المحاولات العرضية لإيران من أجل تحسين العلاقات، يقول غودارزي، سيّما بعد الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973، عندما سمح الشاه للسوريين الجرحى بالانتقال جوًّا إلى إيران لتلقي العلاج، وقدم مساعدات مالية لسوريا.

وعن التناقض بين قوة العلاقات بين نظامين أحدهما ديني، والأخر علماني، يقول غودارزي، بأنّ هذه المسافة الأيديولوجية ساعدت على تطوير العلاقة. ويضيف: “لقد أظهر الجزء الأخير من القرن العشرين بأنّ الأنظمة الاستبدادية أو الشمولية التي تعتنق نفس الأيديولوجية العابرة للحدود الوطنية غالبًا ما ينتهي بها الأمر إلى التنافس. على سبيل المثال، البعثيون في ​​سوريا والعراق، والحكومات الشيوعية في الاتحاد السوفياتي والصين”.

توطيد التحالف مع مجازر حماة

سوريا العم 1982 كانت قد شهدت تدهوراً كبيراً في سيطرة حافظ الأسد على بعض المدن السورية، مثل حلب وجسر الشغور وبالطبع حماة، التي ارتكب فيها مجازر حصدت رؤوس أكثر من ثلاثين ألف مواطن سوري، وكان هذ الاختبار لمتانة العلاقة بين نظام إسلامي ونظام يضرب الإسلاميين(الإخوان المسلمين في تلك الفترة كفريق واسع من المعارضين الذي خرجوا ضد الاسد)، كانت فكر الإيرانيون على الشكل التالي: “نعم، الإخوان المسلمون هم حزب سياسي إسلامي، لكنهم يشكلون خطرًا بسبب حصولهم على المساعدة من دول مثل الأردن والعراق”.

ولكن وبعد العام 2011، بدأت تناقض إيران الداخلية تطفو عل السطح في ما يتعلق بسوريا، كما في حالة اعتراف الرئيس السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني باستخدام الأسد للأسلحة الكيميائية في رسالة تراجع عنها بسرعة، وقول أحمد باخشياج، عضو لجنة الأمن والسياسة الخارجية في البرلمان، لمجلة تايم في العام 20013 بأنه ليس هناك أدنى شك بأن الأسد ديكتاتور، إلّا أن السياسة الإيرانية متناسقة وموحدة جدًّا في استراتيجيتها في التعامل مع الوضع السوري.

لم يعد نظام الأسد الحليف موجوداً اليوم، بعد أن تمكنت إيران من ابتلاعه ومعه سوريا ومؤسسات الدولة فيها، وهذا التغير يقلب المعادلة، ويجعل من الصعب على إيران البقاء في حالة احتلال غير شرعية لسوريا، ليس هذا ما يحصل في لبنان الذي ما تزال إيران مكبلة فيه باتفاق الطائف وبعلاقات مسيحيي لبنان مع الغرب، وحين تتقدّم إيران خطوات نحو التفاهم مع المحتمع الدولي، والانخراط في الشرعية الدولية، سيكون عليها أن تتراجع خطوات في سلوكها الخارج عن القانون، وهذا ما يجعل من الموقف الإيراني اليوم، شديد الحرج والارتباك، فلم يعد أمامها سوى أحد حلين، مواصلة الحرب ومواجهة التصعيد القادم من الأطراف العربية المتعددة وعلى رأسها السعودية، أو التراجع والانسحاب من سوريا والقبول بتسوية لن يكون الأسد، الوالي الإيراني، جزءاً منها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *