هل يكذب الروس؟

في سياق موقفها المناهض للربيع العربي والمدافع عن الاستبداد العربي، تسعى الى ممارسة خداع مزدوج: فهي من جهة تقدم نفسها باعتبارها قلعة العلمنة وحصنها الاخير، ومن جهة اخرى تتبرع بالوقوف في وجه التطرف الاسلامي.. وهي في الحالتين غير مقنعة وغير موفقة، وتتحدى جمهوراً من العرب يتزايد يوماً بعد يوم.
موسكو صادقة وصديقة فقط عندما تقول إنها تتطلع الى حماية مصالحها في العالم العربي. وهذا حق لا جدال فيه، وواجب لا لبس فيه، لا سيما في وجه الغرب الذي لا ينكر يوماً أنه يحدد حملات وشعارات الحرية والديموقراطية حسب تبدل أحواله الاقتصادية وتقلب الأسعار في بورصاته المالية والنفطية.
أما أن تتحول روسيا الى دولة تبشر بالعلمانية وتزعم أنها حمت أو تحمي أنظمة عربية ذات محتوى علماني، فتلك قمة النفاق من بلد عادت الكنيسة فيه تصنع المعجزات وتسهم في تحديد السياسات وتساعد في اختيار الرؤساء والوزراء، وتدعو أتباعها الذين يزدادون عدداً ونفوذاً الى انتخاب هذا المرشح والى مقاطعة ذاك المرشح والى فرض الحرم الكنسي على أحزاب وتيارات وشخصيات بارزة.
لا تنطلي هذه الخدعة إلا على بعض الواهمين العرب من الشيوعيين واليساريين الذين ما زالوا يحتفظون بصور قديمة عن مهد الشيوعية الاول وأيقونتها الأكبر، ويرفضون الاعتراف بأن روسيا قد تغيرت ولم تعد سوفياتية ولن تعود، وهي في تنافس طبيعي مع الغرب حول الأرقام لا حول الأفكار.. والاهم من ذلك أنه سبق لها في سياق تلك المنافسة أن تخلت عن جميع حلفائها المهمين واحداً تلو الآخر وقبضت ثمن كل منهم!
أما الخدعة أو السقطة الاكبر لروسيا اليوم، فهي أنها تستعيد خطاب الغرب المعتمد في القرن الماضي عن الحاجة الى التحالف مع الطغاة العرب لمواجهة الحركات والتيارات الاسلامية المتطرفة التي هي في الأصل نتاج الطغيان العربي تحديداً وصنيعة الغرب واختراعه السياسي الأهم في القرن العشرين، حيث أطلقها من القمقم لكي يواجه بها الاتحاد السوفياتي، فانقلبت عليه وضربته في عقر داره.
عن سابق تصور وتصميم، قررت موسكو أن تكون رأس حربة في مواجهة ما تسميه بالتطرف الإسلامي، الى حد أن «زل لسان» وزير خارجيتها سيرغي لافروف مؤخراً وحذر من قيام دولة سنية في سوريا.. بما يتعارض مع الاكتشاف الغربي الاخير الذي يعترف بأن مقتل الحركة الاسلامية هو في السلطة لا في المعارضة، ومخرج الإرهاب هو في السياسة لا في القوة، أو في الحروب التي يخرج منها الغربيون تباعاً.
بناء على حد أدنى من الخبرة، يستطيع أي كان أن يعرف كيف ومتى ولماذا يكذب الأميركيون والأوروبيون، لكنه لا يمكن أحداً حتى الآن أن يعرف كيف ومتى ولماذا يكذب الروس الى هذا الحد، ويجدون من يصدقهم؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *