نعم انه جنون ..الا أنه حراك ثوري تغييري

اذا كان تعريف الجنون بأنه الخارج عن المعتاد , فان الحراك  في العديد من  الدول العربية  وفي سوريا بالأخص هو جنون , واذا كان لهذا الجنون أن يغير , فقد غير  خلال أشهر كما  وكيفا ما يعجز التاريخ عن تقديم شبيه له , لذا فان هذا الجنون هو  ثورة , واذا ترافقت الثورات في التاريخ  بسيل الدم  ..الثورة الفرنسية ..الثورة البولشيفية ..الخ , فان سيول الدماء في الثورات  العربية  ضعيفة , حتى انه يمكن القول  , ان هذه الثورات  تبالغ في سلميتها  , وذلك بالرغم من عشرات الألوف من القتلى الليبين وغيرهم , أرجو أن لايفهم القارئ  هذا الطرح على أنه  ترويج لاسالة الدماء .. فسيول الدماء تبقى,  بالرغم من اختلاف تقييمها النسبي  زمنيا, السم الذي تجرعه المجتمعات , وقد يقضي  هذا  السم  عليها  أو  لايقض , الا أن السم يبقى  سم .

من يريد أن يكون للثورات الجنونية , أو للجنون الثوري  شكلا تقليديا كلاسيكيا   , كما كان حال الثورة الفرنسية اوالثورة الشيوعية , فهو المجنون حقا , وذلك لأن هذا المجنون لايراعي  العامل الزمني , ولا يراعي  موجبات ومقدمات  والنتائج المتوقعة من هذه الثورات , التي بدأت باسقاط الرأس  الديكتاتوري ,وستنصرف  لامحالة  بشكل أو بآخر..بقليل أو بكثير من الصعوبات الى صنع الانسان , الذي لايمكن الا أن يكون نقيضا لانسان الديكتاتوريات , وهذا يكفي للقول , ان هذا الانسان سيكون أفضل من انسان القطيع الديكتاتوري المتوحش ..هذا من ناحية النتائج , أما من ناحية عدم وجود كلاسيكية في هذه الثورات , كعدم وجود القائد والموجه  فهذا أمر يمكن فهمه ببساطة  ..اذ انه من الممكن يمكن فهم  تقزز الشعوب  العربية ورفضها لشخصية  القائد والموجه , فالقادة العرب  وسخوا سمعة “القائد “بشكل عام , وأظن ان بدن الانسان العربي  يقشعر عند سماعه كلمة “قائد”  ولم  تنجب الشعوب العربية أكثر فسادا من قادتها , كما أن الديكتاتوريات لم تترك أي مرشح “للقيادة “على قيد الحياة , ومن بقي منهم حيا  , تلاحقه الآن كوابيس السجون والتعذيب والقهر , ومن هنا كان لهذه الثورات أن تبدأ من الأسفل الى الأعلى بدون قيادة بشرية , وهذا البدأ  المعكوس بدون رأس “اعلى” هو دليل على وجود “تصميم “ثوري .الشعوب  تظاهرت  وتحركت  تحت قيادة اعتبارية مكونة من العفوية والتلقائية  , محطمة الرؤوس,  ومعلنة بداية نهاية دول  فقدت كل شرعية  شعبوية , دول ارتكزت  شرعيا على أسس الاعتراف الدولي بها , وليس على أسس تمثيلها للشعوب التي استعبدتها ., فالاتفاقيات الدولية هي التي صنعت هذه الدول ..سايكس بيكو صنع سوريا ولبنان والأردن وفلسطين , التي صنع منها بلفور اسرائيل ,و لا عجب هنا من محاولة الاستمرارفي صناعة الدول خارجيا ,صناعة تقتضي  حتى التدخل العسكري , الذي لايمكن الحكم عليه بالسوء المطلق , وان كان في معظمه سيئ  , فمعظم  ضرورات التدخل الخارجي نتجت عن تقصير في ممارسة فن السياسة , التي كان لها أن تنتج   أكثر وأفضل من انتاج تدخل عسكري سافر …ألم تخفق السياسة في لبنان قبل ارسال الجيش السوري الى هناك ؟ ألم تخفق السياسة في الأردن (أيلول الأسود) قبل كارثة  محاولة  دخول الجيش السوري , التي ارادها رئيس الجمهورية السورية المتوفي نور الدين الأتاسي , ألم تخفق السياسة في ليبيا قبل التدخل الغربي؟  ..التدخل ليس أمنية , وانما يصبح  أحيانا ضرورة  يفرضها  الواقع , والواقع فرض على أمريكا التدخل في الحرب العالمية الثانية , لذا تدخلت .

ربيع الشعوب العربية , وقد تكون تسميته  خريف الحكام العرب أكثر دقة , لأننا نتوقع قدوم الربيع , أما الآن فنحن في خريف السادة الزعماء , هو نتاج لارادة فئات من  الشعوب,  خاصة البسيطة منها , وهؤلاء البسطاء هم الذين صنعوا بعض القيادات المحلية  , وليس العكس كما هو معروف من تاريخ الكثير من الثورات , هؤلاء يرفضون الدولة  التي لم تقدم لهم الا الجوع والاذلال والتمييز والاحتقار , وازمان  ذلك أوصلهم وأوصل السلطة الفاسدة  معهم الى نقطة اللاعودة , لذا فانهم لايؤمنون بوعود الاصلاح , وقرارهم بخصوص عجز السلطة نهائي , ولا يريدون نصف الظلم وربع الفساد وخمس اللصوصية , وانما عالما آخر  وبداية أخرى وحزبا آخر ورئيسا آخر ..ولا أظن على أن محاولة الواء الرقبة بالعصا والبندقية  ستجدي , ورفع الراتب سوف لن يجد , والزيارات والصلاة في الرقة سوف لن تجد,  الشيئ الوحيد المجدي هو الرحيل ..والرحيل هو أولا من مصلحة رجال السلطة , لأن الترحيل سيكون خشننا جدا …والفرق بين الرحيل والترحيل  يتمثل بالفرق بين الوضع المصري والوضع الليبي ,.

فهم الواقع  بدون تعتيم وتمويه وتحريف هو معضلة , لم تدركها  السلطة , التي تريد المحافظة على ذاتها وعلى انغلاقها في وجه التطبيع ..انه من الطبيعي أن يريد الانسان التنعم  بما هو ضروري من الحرية , ومن الطبيعي أن يريد الانسان بعض الاستقلالية في القرار , وأن يستطيع الشك والتساؤل , وليس كل ماتقوله السلطة عن تفانيها وجهادها وممانعتها ونظافتها  وعدم طائفيتها  واحترامها للغير ..طبعا من خلال المادة الثامنة , وعلمانيتها وديموقراطيتها , التي ستكون قدوة لمن يقتدي , يجب أن يصدقه المواطن ,واذا لم يصدق ,  فهناك العصا لمن عصى ,وعلى السلطة التي لم تدرك ولا تستطيع ادراك  خطورة الواقعة , أن تسأل نفسها بعض الأسئلة , منها  مثلا  كيف للمواطن أن يتعامل بسلمية  مع سلطة طائفية ؟, وماذا يستطيع ابن الحسكة القول عن سلطة لم تترك في محافظة الحسكة أي وظيفة , الا وشغلتها برجالها ..ورجال طائفتها ..من مدير المدرسة الى مدير الناحية الى مدير المنطقة الى المحافظ الى مدير الشرطة أو مدير البنك الى مدير التموين والننفوس ..الخ , أليس هذا هو الحزام الطائفي  الذي يطوق الكرد , بعد أن طوقهم الحزام العربي , أليس من الطبيعي أن يشعر الكرد بالاختناق الطائفي , وماذا لو حدث شبيه ذلك , حيث كل المدراء   في القرداحة من الطائفة الكردية ؟؟, سؤال آخر..ماذا عن التاريخ  وما سيقوله  بخصوص  مشاهد الموت , واطلاق الرصاص , أيضا من قبل قوات الأمن , على المتظاهرين , وما يعني الاصلاح  تماما ؟ واذا حدث اصلاح تام وشامل وحقيقي , فكيف سيكون حال رجال السلطة المتهمين بالقتل والسرقة والنهب  والفساد , هل تتصور السلطة  الصالحة على ان الجنرال عاطف نجيب , على الرغم من قرابته من الرئيس, سيبقى حرا طليقا , وهل تتصور السلطة  على أن رامي مخلوف سيبقى حرا طليقا يمارس السرقات كالعادة , وهناك مئات من  الأسئلة , ومحاولة الجواب عليها  سيكون محرجا جدا , وبالنهاية سيقوم رجال السلطة  , وليس العصابات المسلحة , بتدمير كل اصلاح , لأن أي اصلاح سيدمرهم  ويودعهم السجون ويسترد منهم ماسرقوه , وهل يوجد وجدان يحلل للمرحوم جميل الأسد تملك حوالي 7 مليارات دولار ؟؟؟

الثورة ليست مجنونة , وليس للانسان السوري من خيار حقيقي الا الثورة المدنية السلمية , أهل العنف الخاص والسلطوي هم المجانين , وعليهم جميعا بالرحيل  الطوعي , فالوضع سيتغير ومعه أيضا السلطة
,واذا كان مستقبل السلطة عدمي , فان مستقبل العرعور أكثر عدمية ..وان غدا لناظره قريب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *