دور الذاكرة الجماعية في الأزمات الكبرى

دور الذاكرة الجماعية في الأزمات الكبرى

كما أن للفرد ذاكرةً يختزن فيها جميع معارفه وتاريخه الواعي , فإن للجماعة ذاكرةً تختزن تجارب الجماعة وتاريخها المشترك .
وعندما نقول أن للفرد ذاكرةً انتقائيةً , فإننا نقصد بذلك أن يستدعي الفرد من ذاكرته ما يُوجبه الموقف الراهن , وبما يناسب الأنا العليا لديه .
فإذا كانت الأنا العليا لديه قويةً نراها لا تقتصر على الجانب المادي فقط , وإنما الأهم هو الجانب المعنوي الذي يجعله في نظر نفسه هو الممسك بذمام الحقيقة , وهو المنزه عن الأخطاء , وما الآخرون سوى هوام إما أن يتجاهلها أو يدوسها .
فعندما يختصم شخصان ليسا على درجة عالية من الوعي , فإننا نرى أن كل منهما يستدعي من ذاكرته ما اختزنه حول خصمه من أمور سلبية قام بها نحوه أو نحو الآخرين , وعلى الأغلب ما تكون عملية الاختزان تلك غير موضوعية , يشوبها الكثير من المبالغة , متناسياً الصفات أو المواقف الايجابية لخصمه , وكأنها مُحيت من ذاكرته حتى يصل به الأمر إلى حد شيطنة خصمه, وإضفاء صفة القداسة على نفسه .
وهذا قد ينسحب على فئات سياسية مختصمة , أو فئات اجتماعية يسود بينها هاجس الريبة
وفي حالة الأزمات الكبرى التي تحل بالجماعة من حروب أو تصدعات في بنية المجتمع , يتم استدعاء الذاكرة الجمعية بشكل عفوي لتساعد في إلقاء الضوء على الخطر المحدق بالجماعة .
فإن كانت المجتمعات متقدمةً , كانت الذاكرة الجمعية شبه موحدة , والذاكرة الانتقائية تميل إلى الموضوعية مبتعدةً عن الغلو .
أما في المجتمعات الأقل تقدماً , فإن الذاكرة الجمعية يتم تعديلها عبر تراكمات حدثت في أجيال , وبالطبع هذا التعديل انتقائي , بحيث لم تعد تمثل الحدث الماضي بحرفيته , وإنما يضاف إليها وجهات نظر تحمل الكثير من الغلو والتطرف , حتى تصل في أحيان كثيرة إلى حد الأسطرة .
كما أن الجماعة نفسها تصبح جماعات منقسمة لكل منها ذاكرته .
وكل منها يستدعي من ذاكرته ( وبشكل انتقائي ) ما يناسب هواه وأغراضه الاقتصادية والسياسية .
أما في حالة التحدي المصيري من حروب استقلال أو حروب مع عدو خارجي فإننا نجد أن ذاكرة الجماعة تميل إلى التوحد وإلى استنهاض مآثرها في حالة انتقائية يختلط فيها الحلم مع الحقيقة .
وسنقدم بعض الأمثلة على ذلك .
نهض الاسكندر المقدوني في النصف الثاني من القرن الرابع قبل الميلاد ليثأر من الفرس الذين احتلوا بلده وأذلوها قبل قرنين من الزمن . وبعد أن نهل من معلمه أرسطو شتى صنوف المعرفة استلهم من ملحمتي هوميروس الشهيرتين ( الإلياذة والأوديسا ) روح أخيل بطل حروبهم ضد طروادة , كما استلهم بطولات هرقل ومغامراته الأسطورية في الهند . واستطاع أن يحيي في قومه ذاكرةً انتقائية تمجد بطولات الإغريق وحضارتهم ليوظفها في مشروعه الطموح لتوحيد العالم تحت راية الحضارة الهيلينية .
أما (الفردوسي ) فقد كان انتقائياً عندما صاغ ملحمته ( الشاهنامة ) والتي تعد ملحمة الفرس الأولى في القرن ( 11 ) م , والتي تجنب فيها الوقوف عند انتكاساتهم , والتي مجّد فيها حضارتهم وبطولاتهم التي وصل فيها إلى حد الأسطرة .
أما ( أنشودة رولان ) التي صاغها الأسبان ورددوها أثناء حربهم المقدسة لطرد العرب المسلمين من الأندلس , وهي تحوي أبشع الصفات التي أطلقوها على العرب المسلمين , متناسين ما قدمه العرب للحضارة الإنسانية طيلة ثمانية قرون عاشوها في الأندلس والتي كان الأسبان هم أول المستفيدين منها .
وليس مصادفةً أن تاريخ سقوط غرناطة ( 1492 ) هو نفس تاريخ اكتشاف أمريكا على يد ( كولومبس ) الذي أرسلته ملكة اسبانيا ( إيزابيلا ) .
ولنا أن نلقي الضوء على ذاكرة انتقائية سلبية عند اللبنانيين والمتعلقة بحروبهم الأهلية في القرنين الماضيين . والتي تبرز إلى السطح عند حدوث أي خلاف سياسي كبير .
ونجد من هذا العرض أن المجتمعات البشرية تستدعي ذاكرتها الجمعية في الملمات , وقد تستدعيها بشكل إيجابي أو سلبي .
إن الأزمة التي تعيشها المنطقة العربية بأسرها تتداخل فيها العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية , بالإضافة إلى العامل الخارجي .
ومن الخطورة بمكان أن يحاول البعض إحياء ذاكرة انتقائية سلبية تحمل في طياتها حرب ( داحس والغبراء ) , وجميع الفتن الكبرى التي مرت على هذه المنطقة .
إن شعوبنا واعية , ولكن حجم التحدي كبير , وهو تحدينا لأنفسنا قبل أن يكون مع الآخرين .
هو تحدينا لأن نصل إلى صيغ تحفظ لنا لحمتنا الوطنية , وتحقق طموحاتنا في حياة كريمة حرة .
فلمَ لا نعود إلى التاريخ لنحيي ذاكرةً مشرقةً كما تفعل كثير من الأمم ؟
فتاريخنا حافل بالبطولات من القادسية إلى حطين إلى عين جالوت والكثير .. الكثير .
وتاريخنا حافل بالأبطال من عمر المختار إلى عبد القادر الجزائري إلى أحمد عرابي إلى يوسف العظمة وغيرهم الكثير .
وتاريخنا حافل بعظماء الشعراء الذين رفدوا الفكر الإنساني من أبو الطيب المتنبي إلى أبو العلاء المعري إلى أبو القاسم الشابي إلى أحمد شوقي وغيرهم الكثير .
ألم تخرج من هذه الأرض ديانتان عظيمتان ( المسيحية والإسلام ) لتدعوا إلى المحبة والعدالة والتسامح ؟
إن ذاكرة الشعوب هي تاريخها , وتاريخنا حافل بالحركة .
فطالما سقطنا من قمة من قمم التاريخ , لنعود مرة أخرى إلى قمة ثانية , وطالما أبدعنا في شتى صنوف المعرفة ورفدنا الفكر الإنساني , ثم ما لبثنا أن غرقنا في سبات العقل .
كان التحدي هو المحرك لنا للنهوض كلَّ مرة , تحدي عدو خارجي أو فتنة داخلية . وها نحن نعيش هذا التحدي وإن كان من صنف آخر .
هو تحدينا لنطور أنفسنا ولنطور مجتمعاتنا , كي نلحق بركب الحضارة الإنسانية .
سنختلف في كثير من الرؤى , ولكن هذه طبيعة الحياة .
وسنتفق إن عاجلا أم آجلا على كيفية بدء نهضتنا .
فلنا أن نحلم كما حلم الفردوسي في إعادة أمجاد بلاده , ولنا أن نحلم كما حلم الأسبان في تحرير بلادهم , ولنا أن نحلم كما حلم الاسكندر في أن يكون لنا دور ريادي في هذا العالم .
ولكن من المهم أن نكون موضوعيين في أحكامنا , وأن نكون حذرين ممن يحاول أن يتلاعب بذاكرتنا , فيوقظ ما لا نحب ويمحي ما نحب . ولا يقف الأمر عند ذلك بل يحاول أن يزرع فينا ذاكرةً وهمية ( افتراضية ) تخدم أغراضه .
وهنا يأتي دور المثقفين والعقلاء والأحزاب العلمانية ومؤسسات المجتمع المدني للتصدي لهذه المحاولات , خصوصاً عندما يلوح في الأفق بوادر شرخ ٍ يتهدد لحمة المجتمع .
هذا هو دورهم , فإن تخلوا عنه فإن التاريخ لن يرحمهم .

نديم الخطيب – سوريا
نشرت في جريدة الوطن بتاريخ 23-10-2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *