المسيحية السورية حاضرا ومستقبلا

يقول المؤرخ فيليب حتي عن المسيحية عندما أصبحت دين الدولة في الإمبراطورية الرومانية: لقد انتصرت الفكرة السورية في الدين على روما المتسلطة سياسياً. وأنتم اليوم ورثة التراث الحضاري السوري العريق حيث الفكرة الحرة غلبت الطغيان.

مسيحيو سورية هم مسيحيو المشرق الذين يعيشون في الرحاب الأنطاكي. وكلها صفات متعددة لمسمى واحد هو المسيحية السورية، والتي عبر عنها بالمدرسة الأنطاكية.
المسيحية في نشأتها هي ثورة الفقراء والمنبوذين والمحرومين كما هي تعبير عن حركة تحرر قومي في سورية، ضد الاستعمار الغربي المتمثل يومها بالإمبراطورية الرومانية، وهي استجابة حضارية للتراث السوري الأصيل. ومن سورية انطلقت المسيحية للبشارة، فانتشرت شرقاً وغرباً وتكيفت مع واقع الأمم التي دخلتها. واحتفظت المسيحية السورية بطابعها القومي وهي تتميز بالأصالة الإنطاكية والعروبة الحضارية. واليوم هل فعلاً المسيحية في خطر يواجهها في مهدها؟ وهل يستطيع المسيحيون الشرقيون إعطاء معنى ودوراً ورسالة لوجودهم في الشرق؟ إنهم يواجهون فعلياً التحديات التالية:
التحدي الأول
والأساسي الذي يواجه الوجود المسيحي في العالم العربي هو تداعيات مقولة صراع الحضارات كنظرية أحادية لفهم تاريخ البشرية وتفسيره. وتختصر هذه المدرسة الصراع في منطقتنا بأنه بين الحضارة الإسلامية من جهة والحضارة المسيحية اليهودية من جهة أخرى. وتشجع الصهيونية والمسيحيون الجدد في الولايات المتحدة هذه النظرية، وتختبئ في ظلها إسرائيل للاستقواء بالغرب المسيحي عموماً، بغية تحريض المسيحيين على الإسلام.
ولغرض ضبط إيقاع هذه النظرية وإظهار صوابيتها، تعمل القوى المؤيدة لها على إلغاء المسيحيين الشرقيين من العالم العربي والإسلامي. لذلك حيث يوجد احتلال إسرائيلي وأميركي نشهد عمليات تهجير للمسيحيين، وهذا ما يحصل فعلياً في فلسطين والعراق. المسيحية الشرقية هي شاهد فعلي على التعددية والحياة المشتركة في المشرق العربي. انطلاقاً من ذلك، بات الوجود المسيحي في النطاق الأنطاكي النقيض الوجودي لنظرية صراع الحضارات التي هي مظهر للصراع بين الأديان.

التحدي الثاني
هو تنامي الحركات التكفيرية الإسلامية، التي تسعى إلى إلغاء الآخر المسيحي والإسلامي الذي لا يشاركها الرأي والتفسير، وتعمل على طرده من دار الإسلام، بالإرهاب والقتل.
تنطلق هذه الحركات من دمج الاستعمار الغربي بالعقيدة المسيحية، وتكفر وتفجر كل من لا يوافقها النظرة، إن كان مسيحياً أم مسلماً. هذا التحدي لا يواجه المسيحيين الشرقيين فقط بل هو تحدٍّ مصيري للإسلام المعتدل أو الليبرالي، كما هو تحدٍّ للعروبة نفسها التي تواجه مأزقاً بين مدارسها، حيث يربط بعضها العروبة بالإسلام. على حين مدارس أخرى تحاول التمييز بين العروبة والإسلام، وتطرح مفهوما جديداً للعروبة الحضارية التي تعتبر المسيحية والإسلام جزءاً من حضارتها، وتعمل على قيام دولة عربية مدنية ديمقراطية.
التحدي الثالث
يتمثل في انزلاق بعض الفئات المسيحية الشرقية إلى منطق انعزالي يرتكز على وهْم قيام دولة أو كانتون للمسيحيين، كمخرج وحيد لحمايتهم من البحر الإسلامي، ما يؤدي إلى تحالف بين هذه الجماعات والمخططات الغربية عموما، وهي الرامية إلى تفكيك المنطقة ضمن مشروع أميركي صهيوني للشرق الأوسط الجديد، قائم على أساس دويلات طائفية، الغرض منها استغلال خوف المسيحيين من جهة وتبرير قيام إسرائيل كدولة يهودية من جهة أخرى، ما يحفظ أمنها على حساب الآخرين. أدى هذا المنطق إلى انقسام المسيحيين فيما بينهم وإلى تشرذمهم، وتفتيت وجودهم وتعرضهم إلى حملة من المضايقات، وصولاً إلى إحباطهم وتسهيل هجرتهم لأسباب اقتصادية أو لظروف التمييز والقهر.
التحدي الرابع
عقدة حروب الفرنج التي سميت غربياً الحروب الصليبية. وهي في الواقع حملات أوروبية لخدمة المصالح القومية الأجنبية، اتخذت من الدين غطاء ومبرراً. واضطهدت فعلياً وعملياً المسيحية الشرقية، وحاولت إلغاء خصوصيتها وهويتها من أجل المسكونية. وهي اسم آخر للغربنة، علماً أن المسيحية أساساً هي بنت الشرق. من هنا أصلها وجذورها. وهنا يتحدد مصيرها وجوهرها.
التحدي الخامس
عقدة حلف الأقليات، وهي نشأت مع المسألة الشرقية التي اخترعها الاستعمار الأوروبي، من أجل تبرير التدخل في شؤون الرجل المريض أي السلطنة العثمانية وتفكيكها، وربط معاناة الأقليات بمصالحها القومية. ورثت إسرائيل هذا النهج وعملت على قيام حلف الأقليات من خلال اتصالات بقيادات، وإيهامها بجدوى هذا الحلف. وسرعان ما تبين أن إسرائيل تسعى إلى المصالحة، وعقد اتفاقيات مع فئات من الأكثرية على حساب الأقليات التي استعملتها للضغط، عبر التغرير بمشاعرها. ولعل مصير جيش لحد هو أبرزها، إذ عبّر عنه انطوان لحد بقوله خدمنا إسرائيل 25 سنة فتخلت عنا خلال 25 ساعة.
في الخلاصة، على المسيحيين أن يتمسكوا بهويتهم الأنطاكية المشرقية وأن يكونوا شهوداً للحق، كما عبّر مؤخراً مسيحيو فلسطين في وثيقة «وقفة حق»، تعبيراً عن لاهوت التحرر والمقاومة ضد الظلم والاستبداد الإسرائيلي.
وبهذا المعنى، للمسيحية المشرقية عامة والسورية خاصة دور ورسالة مسكونية، وهم الأقدر على تقديم نموذج الحياة المشتركة لخلاص البشرية من التصادم والتناقض والحروب والدمار، بعدما أخفقت الحضارة الغربية في إعطاء قيمة للإنسان وللقيم الروحية.
المسيحيون الشرقيون مدعوون إلى تقديم نموذج جديد للحضارة الإنسانية، وخصوصاً بعدما نشأت الحضارة الغربية التي تدعي المسيحية وقضت على البعد الروحي للإنسان. لذا هم رسل حضارة كونية جديدة قائمة على مرتكزيْن:
– التعددية الاجتماعية، أي الاعتراف بحق الاختلاف ضمن الإئتلاف والتضامن، من أجل القضاء على الفقر والظلم والجهل والاستبداد. لذلك هم شهود على هذه التعددية المتميزة حيث يتم الالتقاء بين المسيحية والإسلام.
– أنسنة الحضارة عبر المزاوجة بين البعدين المادي والروحاني. فللإنسان مصالح وحاجات مادية يجب توفيرها بشكل طبيعي وسليم من دون استغلال أو حرمان أو إفراط. وللإنسان أيضاً بعد روحاني ذو تطلعات عقلانية جمالية نفسية ومثل عليا وقيم ومناقب، من دونها لا قيمة لأي حضارة أو ثقافة.
انطلاقاً من هذه القواعد تواجه المسيحية السورية التحديات التالية:
1- المشاركة في بناء نظام علماني على أساس المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية.
2- بناء عروبة واقعية مشرقية جديدة ولاسيما أن المسيحيين هم من رواد النهضة، والعربية هي لغتهم منذ تاريخ طويل. المسيحية السورية تتجذر في بيئتها الحضارية، وفي محيطها الجغرافي التاريخي والاجتماعي الذي تعيش فيه وتناضل من أجل الوطن والمواطن. هذا التجذر في أرض الشرق يولد الشعور بالانتماء والأمان، وهو الرابط الأولي الضروري للخروج من حالة العزلة والاغتراب والإحباط والتردد، والانخراط في مسيرة بناء عروبة حضارية يعي المسيحي-كمواطن حر ومتساو- دوره فيها، فهو شريك فاعل في تجديدها، ومبدع خلاق في ثقافتها، ومناضل في سياستها ونظمها.
وهنا على الجميع واجب التمييز بين الانتماء الحضاري التراثي إلى دين والانتماء المصلحي النفعي إلى طائفة.
3- إغناء اللاهوت المسيحي المشرقي كلاهوت الحرية والتحرر والمقاومة ولجهة المؤالفة مع الإسلام الحضاري وبلورة الذات القومية الواحدة. المسيحية السورية ملتزمة بلاهوت الحرية والتحرر بسبب وجود تعارض بين الإيمان المسيحي الحقيقي والأصيل ومظاهر اضطهاد الإنسان وتفشي الفقر والجهل والظلم والحرمان.
4- الالتزام بحرية الإنسان والتضامن الاجتماعي من أجل التقدم العلمي والإنساني والاقتصادي وتحقيق السعادة للجميع.
5- المسيحية أوسع مـن أي نظام سياسي، وأي طائفة مهما كبرت تبقى أصغر من الدولة، لذلك يجب فك الارتباط السياسي بين الوطن والطوائف على قاعدة «الدين لله والوطن للجميع».
6- تعميق الحوار بين مختلف الكنائس الشرقية التي تتوحد حول الإنطاكية وتختلف بسبب انشقاقات وصراعات تاريخية. واليوم تشكل اللغة العربية وتحديات المستقبل والتراث الإنطاكي القاسم المشترك من أجل استعادة وحدتها.
7- حاضر ومستقبل المسيحيين في سورية مرتبط تاريخياً ومصلحياً وعضوياً بالمسيحيين في الهلال الخصيب بجميع مكوناته وجماعاته. لذلك لن يكون بإمكانهم الدفاع عن هويتهم في بلدهم ودعم مسيرة الإصلاح فيه إذا لم يكن لهم رؤية موحدة لواقع ومستقبل المشرق كله. وعلى هذا الأساس لا يمكن الدفاع عن سورية في سورية، بل من سورية كقاعدة لمشروع قومي جديد.
8- لقد نجحت فكرة هذا اللقاء، لكن استمرار هذا الملتقى وفعله مرتبط بإبداع صيغة لمعنى ودور ورسالة المسيحيين في سورية كمواطنين أولاً وأخيراً يلتزمون ويعملون ويبادرون من أجل وحدة المجتمع مع احترام حق الاختلاف وقيام نظام وطني علماني ديمقراطي مقاوم – من أجل الحق القومي لتحرير الأرض من الاحتلال والدفاع عن الوطن من أي اعتداء خارجي – ومدافع عن حرية الإنسان في كل ديار العرب في جمهورياتهم وخاصة في ممالكهم وإماراتهم ومشيخاتهم.
إنها مناسبة للعودة إلى الذات والمصالحة مع التاريخ والمكان بما فيه من غنى وتنوع وصعوبات وتحديات كمدخل أساس من أجل بناء غد مشرق.

سركيس أبوزيد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *