محطة أخيرة …سوريا بعد الثمانينيات

August 21, 2011
By
أصدر الغرب حكمه النهائي على نظام الرئيس السوري بشار الاسد، بعد تسامح وتمهل وتردد. الإجماع الاميركي الاوروبي الغربي لم يتشكل بسهولة. كان الاوروبيون أول المبادرين، وكان الاميركيون آخر الملتحقين، بعدما اغلقت دمشق النافذة التركية بقوة، ولم تفتح اي نوافذ عربية او دولية بديلة، واظهرت براعة استثنائية في كسب المزيد والمزيد من الاعداء والخصوم، وفي اختراع الاوهام وتصديقها.
ما سمي بالخيار الامني كان حاسما في بلورة ذلك الاجماع. ارتفع عدد القتلى والجرحى الى ارقام قياسية غير مقبولة حسب معايير الحاضر، التي تختلف بشكل جوهري عن معايير الثمانينيات. وتحولت ملاعب كرة القدم في العاصمة وفي مختلف المدن الكبرى الى معتقلات جماعية لم يخرج منها حتى الان الا الجثث او الجرحى. واجريت تصنيفات خيالية للمعارضين، كادت تحول شخصا معتوها مثل الشيخ عدنان العرعور الى اسطورة، وحكمت على الشعب السوري بانه قطيع مسير من الخارج، الذي غرر به ودس بين صفوفه ارهابيين.. انضم اليهم اللاجئون الفلسطينيون الذين كانوا منذ اللحظة الاولى للانتفاضة السورية في منتصف آذار الماضي موضع شبهة واتهام وتحولوا في الايام القليلة الماضية الى هدف.
ما سمي بالاصلاح كان مجرد خداع. لم يعط النظام الانطباع بانه راغب او قادر على القيام بالعملية الجراحية التي تقتضيها ظروف المرحلة. كان يميل بين الحين والاخر الى عمليات تجميلية، لكنه سرعان ما كان يتراجع عنها. ولعل الاجتماع الاخير للرئيس الاسد مع قيادة حزب البعث، كان السبب الرئيسي في ذلك التحول الجذري في الموقف الاميركي والغربي. تحدث عن مؤامرة خارجية تشبه مؤامرة العام 2005، التي كان مصدرها لبنان حسب التعريف السوري المعروف.. مع ان الادلة على هاتين المؤامرتين واهية، تماما مثلما هي الادلة على ان التمديد للرئيس اميل لحود كان قرارا حكيما .
والاسوأ من الربط بين المؤامرتين واتهام الشارع السوري نفسه هذه المرة بانه متآمر مع الخارج، هو ذلك الاستنفار للحزب المنقرض من اجل الانخراط اكثر فاكثر في معركة النظام، وحثه على العودة الى القواعد وسؤالها رأيها في المسيرة الاصلاحية، مع ان الجواب قاله البعثيون قبل الاجتماع وبعده، وهو انهم يرفضون بشدة إلغاء المادة الثامنة من الدستور، ويصرون على عدم التخلي عن مكتسبات القرن الماضي، في قيادة الدولة والمجتمع.. الى الخراب.
الاجتماع بحد ذاته كان استفزازا للشارع السوري وللخارج العربي والغربي. والاعلان عن المؤتمر القطري في الخريف المقبل كان تحديا، واستخفافا لا مثيل له بعقول السوريين وافكار جميع الوسطاء الذين كانت نصيحتهم الاولى والدائمة الى النظام هي التضحية بالحزب، غير الموجود اصلا، كعلامة على حسن النية والعزم على الاصلاح والتغيير، والدخول في معركة انتخابات نيابية ورئاسية مبكرة كان يمكن، قبل الحملة العسكرية الرمضانية على المدن، ان تضمن للاسد وللنظام الفوز بغالبية مريحة!
قاتل النظام السوري بأفكار الثمانينيات وادواتها واساليبها، لكنه خسر المعركة.. وهو يظن انه لم يخسر الحرب.
ساطع نزر الدين,السفير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • الفتنة الكبرى والصغرى وبطانات قميص عثمان

    هناك أصوات تصرخ   وتنهي عن الفتنة , وهل القصد فعلا تجنب مايسمى “فتنة” أو أن الأمرآخر ؟؟؟فالكل يعرف  كم هو عدد البطانات في قميص ذي النورين عثمان , والدعوة لتحاشي […]

  • التفجيرات والمفجرات ..فشل

    لا أشعر  بوجود دافع داخلي  يجعلني   أخص بالاستنكار  تفجيرات دمشق الأخيرة , وذلك   لأني لست بحاجة لكي  أقبض  من السلطة أو غير السلطة ثمن  وقفة مخاتلة  ومزيفة  وقاصرة  ومسيسة  وبعيدة […]

  • حق وواجب الخوف

    كتب  د.عاطف مصطفى السباعي  مقاله الذي أنشره للتعريف به طيا  , سائلا الأقليات السورية عن رغباتها  ,ممارسا الدهشة من تصرف هذه الأقليات الرافض لهيمنة الأكثرية السنية , ومنطلقا من بديهية  […]

  • العسكرة والعسكر وخيار الانتحار

    من له مصلحة في تحول الثورة السلمية الى  ثورة مسلحة ؟ والجواب  يعتمد على تعريف  كلمة -مصلحة-  , وكلمة مصلحة تعني هنا فقط  انتصار أو نجاح , أي ان المصلحة […]

  • خطاب للتاريخ ..أم تاريخ سيرسمه خطاب !

    بشوقٍ يوازي شوقنا لتقبيل تراب وطننا الغالي انتظرنا إطلاله السيد الرئيس بشار الأسد. كان سلاحنا الأول هو الثقة بأن النصر آت وأن الوطن الذي يمتلك هذا الشعب لا يمكن له […]