رغم أن رئاسة مجلس الوزراء أعلنت جلسة استثنائية نوعية ستعقد في السابعة من مساء يوم الإثنين 25/7/2011 لمناقشة قانون الانتخاب، وهو ما انتظرناه طوال أربع ساعات ونصف الساعة، إلا أن الساعة الحادية عشرة والنصف فتحت الباب المغلق لنفاجأ بأن المجلس المنفض لتوه قد أقر قانون الأحزاب الجديد. في حقيقة الأمر أسعدتني هذه المفاجأة، فمن وجهة نظري قانون الأحزاب يستحق أن يكون أولوية لما له من دور في تأطير الحراك باتجاه أي أمر آخر، كما أن مسودته خضعت لمشاورات شملت جميع الأطراف المعنية في المجتمع السوري بمن فيهم المواطنون عبر موقع التشاركية الذي عكس اهتماماً كبيراً من خلال نحو أربعين ألف تعليق وملاحظة. لذا أعتقد أن القانون جاء منسجماً مع معظم (المشتغلين والمنشغلين) بسياسة الحراك في سورية، وهو في بنوده يبعث بالطمأنينة حيال فكرة «ارتجال» حزب ما يختطف البلاد من علمانيتها.على أي حال إن الأحزاب ليست أمراً مستجداً في بلادنا، لا بل ربما كانت سورية من أكثر دول العالم نضوجا في الحياة الحزبية، حيث بدأت الأحزاب تعرف طريقها إلى التشكل وفق منهجية الحزب بعيداً عن التجمعات والجمعيات منذ عام 1908 إبان الاحتلال العثماني، بعد أن انتزعت هذا الحق انتزاعاً من السلاطين.
كان أول هذه الأحزاب حزب الاتحاد، تلاه الحزب الحر المعتدل، فالحزب الصادق، وحزب السخافة وحزب الاتحاد وحزب الأحرار وحزب الاستبداد.
ومع طرد قوات الاحتلال التركية بدءاً من عام 1918 أخذت أحزاب جديدة تتشكل بوجه عربي خالص، كان أولها حزب الاستقلال الذي قادته لجنة مؤلفة من شخصيات مثلت جميع أبعاد الطيف السوري (سعيد حيدر، أسعد داغر، محمد عزة دروزة، زكي التميمي، فوزي البكري، عبد القادر العظم، سليم عبد الرحمن، وفايز شهابي) وجاء هذا الحزب تحت شعار العمل لاستقلال بلاد العرب وتحريرها من كل نفوذ أجنبي.
ثم في عام 1920 ظهر الحزب الوطني السوري وكانت غايته السعي لاستقلال سورية التام بحدودها الطبيعية.
ثم الحزب الشيوعي السوري الذي تأسس في 28/10/1924 وهو من الأحزاب التي كان لها حظ الاستمرار إلى يومنا هذا مع مجموعة من الأحزاب الأخرى، رغم أنه من أكثر الأحزاب التي مرت بتقلبات وانقسامات أفضت في نهاية الأمر إلى شيوعية ثالوثية توزعت بين فصيل النور الذي انشق بزعامة يوسف الفيصل، وفصيل صوت الشعب الذي بقي بزعامة خالد بكداش ومن ثم وصال زوجته فابنه عمار،(وهما من أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية اليوم)، والثالث هو اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين (قاسيون) بزعامة الدكتور قدري جميل أحد أقطاب المعارضة في سورية اليوم، ناهيك عن تقسيمات أخرى أتت في السبعينيات والثمانينيات مثل المكتب السياسي وتنظيمات القاعدة ورابطة العمل الشيوعي.
في العام 1925 ظهر حزب الشعب كأول حزب عرفته سورية في عهد الانتداب الفرنسي، لكن سرعان ما حلت سلطات الانتداب الفرنسية الحزب قسراً وطاردت أعضاءه في كل مكان.
في عام 1928 ظهر حزب الكتلة الوطنية تبعه ظهور مجموعة من الأحزاب فكان حزب الإصلاح، حزب الأمة، حزب الملكية، حزب الاتحاد الوطني، حزب الميثاق، وحزب المجاهدين.
في عام 1933 ظهر الحزب الحر الدستوري وحزب عصبة الشباب ثم حزب عصبة العمل القومي، في عام 1934 ظهر حزب الحرس الملكي الحديدي، عام 1936 ظهر حزب الشباب الوطني، عام 1938 ظهر حزب الإخوان المسلمين، عام 1940 ظهر حزب الهيئة الشعبية، الحزب التعاوني الاشتراكي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، وفي عام 1944 ظهر الحزب العربي.
بعد الاستقلال عام 1946 تشكلت أحزاب أخرى كان أولها الحزب الوطني 1947، حزب الشعب 1948، الحزب الجمهوري 1948، حزب الكتلة البرلمانية الدستورية 1948، وآخرها حزب حركة التحرير العربي.
إضافة إلى هذه الأحزاب ظهرت في سورية ولاسيما إبان مرحلة الانتداب الفرنسي التي امتدت ما بين عامي 1920 إلى 1946 أحزاب محلية مرحلية أو وظيفية مثل حزبي الاستقلال والدفاع في جبل العرب، وحزبي الشباب القومي والإصلاح في اللاذقية، وحزب الشباب في حماة، وهدفت هذه الأحزاب إلى الوقوف بوجه النيات التقسيمية للاستعمار الفرنسي.
بعد سنوات من حراك سياسي نسجت تفاصيله هذه الأحزاب، تلاشى بعضها ووصل بعضها الآخر إلى أدوار قيادية، بدا واضحاً أن الأحزاب أخذت دوراً مهماً في الحياة السياسية في سورية، وأصبح لزاماً تأطير تكوينها وعملها بشكل قانوني يتوافق مع وظيفة الحزب البديهية في خدمة الدولة والمجتمع، فصدر (قانون الجمعيات والأحزاب) رقم 47 تاريخ 12 أيلول 1953 ليكون أول قانون ينظم عمل الأحزاب في سورية، وأبرز ما جاء فيه:
للسوريين حق تأليف الأحزاب السياسية والانتساب إليها على أن تكون غايتها مشروعة ووسائلها سلمية ونظمها ديمقراطية.
وتعتبر غايات الحزب مشروعة إذا لم تكن:
– تخالف أهداف النظام العام أو الآداب العامة.
– يرمي إلى التفرقة بين أبناء الوطن وطوائفه.
– يهدف إلى الاعتداء على أمن الدولة الداخلي والخارجي.
– يقصد تغيير كيان الوطن السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي بالقوة والإرهاب.
– يعمل على حرمان المواطنين من حقوقهم الأساسية وحرياتهم الشخصية المنصوص عليها بالدستور.
– لا يفصح نظامه عن أهدافه.
ولا يجوز تأليف أحزاب سياسية تتعارض أهدافها مع السعي لاستكمال حرية الأمة العربية وتحقيق وحدتها، كما لا يجوز تأليف حزب سياسي باسم لا يستدل منه على غرضه أو باسم يرمز إلى عنصر أو مذهب.
بصدور هذا القانون ظهرت أحزاب كانت تعمل سراً أبرزها الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي تشكل سراً عام 1932، كما تشكلت أحزاب جديدة أبرزها حزب الكتلة الشعبية الاشتراكية عام 1955.
في عام 1958 جاءت الوحدة مع مصر لتحل جميع الأحزاب وتمنع أي تشكيل لأحزاب جديدة، وبقيت سورية ثلاث سنوات دون أحزاب إلى أن جاء الانفصال عام 1961، إذ ذاك سارعت شخصيات عديدة من الأحزاب المنحلة كحزب البعث وحزب الشعب والحزب الوطني وغيرهم إلى وضع ميثاق الوحدة الوطنية الشهير، والذي كان بداية استعادة الحياة الحزبية في سورية حيث أعادت بعض الأحزاب تشكيل ذاتها وتشكلت أحزاب جديدة وظهرت أحزاب عملت سراً طوال فترة الجمهورية المتحدة، على حين انقرضت أحزاب كانت معروفة قبل الوحدة، ومع التطورات السياسية في سورية واستلام حزب البعث العربي الاشتراكي زمام الأمور في البلاد بالتوافق مع مجموعة أحزاب، تشكلت الجبهة الوطنية التقدمية عام 1972مؤلفة من الأحزاب (الاتحاد العربي الديمقراطي، الاتحاد الاشتراكي العربي، حركة الاشتراكيين العرب، الشيوعي بكداش، الشيوعي يوسف الفيصل، الوحدويين الاشتراكيين، الوحدوي الاشتراكي الديمقراطي، لينضم إليها مؤخراً الحزب السوري القومي الاجتماعي).
إذاً ثمة تاريخ للعمل الحزبي يوحي بخطه البياني أن الحياة الحزبية في سورية لم تتوقف عن النبض، وإن بدا المشهد ساكناً فلأن الانسجام كان سيد الموقف إزاء حالة توافقية نظمتها حالة الصراع وموقع سورية فيه، وإذا كان المطلب خروجاً من هذا المشهد الذي بدا للبعض مثار شك، فإن الفرصة باتت متاحة أمام جميع وجهات النظر لتدلي بدلوها وتؤثر في تشكيل المشهد بحجم قدرتها على اجتذاب قناعات القواعد الشعبية في المجتمع السوري، فصدور قانون الأحزاب الجديد يوفر أفقاً واضح المعلم للعمل الحزبي التعددي مرسوماً بقانون لا يهدف في بنوده إلا لحماية سورية ومجتمع سورية من العبث الخارجي والداخلي، ويقف عائقاً أمام من يتطلع إلى التسلل عبر عباءة حزب ما لاختطاف سورية من دورها وتاريخها، وليكن الشارع بدءاً من الألف الأولى وفق القانون هو الحكم والفاعل الحقيقي في تلوين القادم من الأيام.
أياد ابراهيم ,الوطن
