لايختلف اثنان على أن الانطباع الذي تتركه الخلفية الايديولوجية , التي تستحكم في مسار الحراك السوري, على ادراك كل فرد يجتلف من شخص لآخر , ولاينطبق تشخيص الحال الذي يراد تشخيصه على تشخيص آخر, كما في الطب كذلك في السياسة لاتوجد امراض وانما مرضى , لكل مريض بمرض معين تظاهرات وتأثيرات تختلف من مريض لآخرومن وقت لآخر .
مسيرة الحراك, ان كان مؤيدا للسلطة أو معارضا لها ,ان كان سلطوي أو ثوري تمردي اجتجاجي , تطور في الآونة الأخيرة , وحدث به استقطاب ,والاستقطاب يتأرجح على أرجوحتين , كلما ازدادت ضراوة وحدة وعنف الحيز الأصولي من المعارضة , ازداد التفاف المدني اللاأصولي ومعظم الأقليات حول السلطة , وكلما ازدادت ضراوة وعنف السلطة ازداد التعاطف والالتفاف حو ل من يعارضها …, وكثيرون الذين يعارضون السلطة …فالتيار المدني معارض , والتيار الديني معارض , التيار الأول غير متجانس ..هناك الشيوعي والناصري والسوري القومي ,والعلماني والغير منتسب الى حزب معين وبعض البعثيين القدامى ..الخ , وفي اطار التيار الديني تتواجد عدة جماعات, مبدئيا تحت مظلة اتحاد تنسيقيات الثورة , تحت هذه المظلة جلس قسم من المتظاهرون وبعض أقسام الثورات السورية , منها ثورة المجلس الثوري وثورة ائتلاف الشباب وثورة الشيخ العرعور وثورة سهير الأتاسي..اتحاد تنسيقيات الثورة كان له أن يكون الناطق باسم الثوار ..لم تمض فترة حتى اعتزلت الناشطة السورية رزان زيتونة العمل في التنسيقيات , بعد اعتزال رزان زيتونة انشقت الناشطة سهير الأتاسي وكونت مجموعوة خاصة بها , والقائد ” الميداني “للثورة عدنان العرعور اعلن عن طريق الوصال وصفاء تنكره لتمثيل اتحاد التنسيقيات للثورة لثورته , أي أن الاتحاد مات قبل أن يولد .., بعد ذلك تشكل المجلس الثوري لتنسيقيات الثورة برئاسة د. محمد الرحال , وفي بيان يوم 19-6-2011 اعتبر المجلس نفسه الممثل الحقيقي للثورة , وان التنسيقيات لاتعترف بممثلا آخر , والمجلس حل بشكل أو بآخر محل اتحاد التنسيقيات ..نتيجة لذلك يمكن اعتبار المجلس برئاسة د.محمد رحال , وثورة الشيخ العرعور على أنهم الممثلين الفعليين للثورة .. والمجلس تألف من رحال رئيسا , وعبد العزيز الحلبي ناطقارسميا ,ود. قاسم الحمصي ومناضل حماه؟؟وأبو عبد الرحمن عيس وابراهيم الشغري وخالد الفيومي ومصطفى سعيد ثم عروة الفاضلي وثلاثة أعضاء غير معروفين الأسماء ..لربما لضرورة العمل السري !!!
التيار الأصولي للثورة مؤلف الآن من قطبين ..العرعور والرحال . ومن يريد التعرف على هذه الثورة السورية , عليه دراسة شخصية الرحال والعرعور , فالأول هورجل بن لادن , والثاني هو صاحب نظرية افناء ثلث الشعب السوري الكافر …أعجب كيف يستطيع مسيحي واحد البقاء في سورية يوما واحدا , في ظل ثورة يقودها الرحال والعرعور ,وضع من أسوء أوضاع العالم العربي !.
الأمر ينحو في سورية باتجاه تقسيم مجتماعاتي يستخدم جغرافية الدين والمذهب , هناك تأزم سني -علوي , وهناك تأزم اسلامي -مسيحي , وسبب التأزم هو موضوع الحرية والديموقراطية والمساواة وغير ذلك من الاشكاليات , فمن الواضح هنا ان الشعور والحس الثوري عند عامة الناس يصبو الى الى تفسير كلمة الحرية بالمعنى الوجودي الحديث لها,وليس بالمعنى الديني, الانطباع أيضا حول الهدف الديموقراطي, هوأن الديموقراطية المراد تحقيقها وتطبيقها بشكل عام هي الديموقراطية التمثيلية الانتخابية , في صميمها غربية الصيغة , الانطباع أيضا هو ان الديموقراطية المراد التوصل اليها ليست تطبيق “شورى ” الشريعة , وهذا هو جزء من المشاكل , التي ينردد البعض بالتطرق لها .
التيار الديني الأصولي الذي يمثله عمليا العرعور والرحال , يكتفي بالكلمات , ولا يغوص بالتفصيلات , يريد ديموقراطية وحرية , كما أريدها شخصيا , الا أن فهمه لهذه التعابير هو آخر , الرحال أكثر من العرعور مؤيدا لبن لادن ,ويعتبره أمير المؤمنين وسيد الجهاد , ويعتبر نظام الولاية هو الأمثل لكل أمم الكون , ومن يهيج ويأجج الواقعة الحمصية كرامي دالاتي ثم سبيع شوفان ونجاتي طيارة , هم من يبشرون علنا بالخلافة والولاية وأمراء المؤمنين , ولا يحتاج الانسان الى عبقرية فذة لكي يفهم ما قصد هؤلاء بالولاية وامارة المؤمنين , كل ذلك موجود في الكتب ويعرفه التاريخ , والوضع الذي يبشر هؤلاء به سيكون أسوء من الماضي ..لايمكن مقارنة عدنان بعمر , ولا العرعور بأبو بكر .
من ماقيل يمكن الاستنتاج , على أن بعض الالتفاف حول السلطة ليس له علاقة بالقناعة بمقدرة السلطة , وانما خوفا من مستقبل يسيطر عليه العرعور والرحال , وهذا الأمرتعرفه السلطة جيدا , تفهمه وتعيه , وتستخدمه من أجل زيادة الالتفاف حولها , وهذا حق لها …الترويج للذات يعتمد في هذا العصر أولا على استخدام سلبيات الآخر , وثانيا على ابراز ايجابيات الذات وتوضيحها .
اذا ارادت السلطة الاصلاح أو لم تريد , فالأمر تقريبا سيان ..السلطة لاتقوى عمليا على الاصلاح , وذلك لأسباب تتعلق بنشأتها وخبراتها لمدة أكثر من أربعين عاما ,التي كونت لها شخصية خاصة بها , شخصية تجد صعوبات كبيرة في فهم متطلبات العصر , لأنها جامدة منذ أربعة عقود ., ولو ارادت السلطة الاصلاح وتملكت القدرة على ذلك نظريا , لايمكن تحقيق اصلاح يمكن الشعور به والتنعم بمزاياه خلال سنين , و حتى الحد الأدنى منه , الذي يمكنه أن يهدئ مبدئيا طموحات البشر , العملية صعبة جداوتتطلب تغيير سورية تغييرا كاملا, ومن غير المعقول أن يتم ذلك في الأسابيع أو الأشهر أو حتى السنين القادمة ,وأي جهاز أو حتى أي مستبد مستنير سيفشل في ذلك, اذا انطلق من فترة زمنية قصيرة , “شقلبة ” الوضع يعني قلبه رأسا على عقب يجب أن يتم بالرغم من مقاومة حزب يسمى حزب السلطة , وليس حزب البعث ..حزب السلطة يتصدر كل شيئ من الألف الى الياء , حزب السلطة يستخدم اسم البعث للتمويه , معظم أعضاء حزب السلطة هم أشخاص بامتيازات وبدون مهنية تذكر , لقد نشأ هذا الحزب وترعرع مرائيا متملقا ومستغلا للسلطة ,ازالة هؤلاء الأفراد يعني تدميرهم , وهذا ما سوف يرفضونه رفضا قاطعا , كما قال رئيس اتحاد طلبة سورية,الذي تحدث عن “المكتسبات ” التي حققها حزب السلطة خلال الحقبة الماضية لأعضائه ..المادة الثامنة وما تدر, هو مكتسب لايريد السيد الساعاتي أي نقاش حوله.
سورية تحتضر الآن على سدان الظلم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي , الذي سببته السلطة , وتحت مطرقة الخوف مما هو أسوء منها , العوامل تضافرت وتفاعلت وأفرزت وضعا يمثل سدانا آخر , هوسدان التفسخ الاجتماعي المتزايد , والذي يتجلى بمزيد من الطائفية ,التي لم تفارق المجتمعات الشرقية منذ 1400 سنة , وعلى هذا السدان تنوء سورية وتتألم تحت ضربات مطرقة الحرب الأهلية ,التي أصبح تطورها الى الأسوء أمر مفروغ منه .
قطار التطوير والتغيير يقطر عددا غير محدود من المقطورات , , ولا مصلحة حقيقية لرجال الامتيازات والسلطة بتسييره , لأنه يضارب على الحمار الذي يركبونه ,كما أن العرعور والرحال لايستطيعون قيادته , لأنه من غير الممكن أن يقود طنبرجي قطار ,لايوجد كفؤ لقيادة القطار , الذي قد يتهور أو يخرج عن سكته ويتدمرأويدمر , وقد نجد انفسنا مرغمين على ركوب الطنبر مع العرعور ونرحل مع الرحال الى المجهول , أو نبقى مع حمار السلطة قي الاسطبل ..كل ذلك ممكن ويعني التخلي عن الأمل بحياة أفضل ..أكثر الأشياء امكانية الآن هو خراب سورية , الذي يتمكن حتى الأعمى من رؤيته !.
