لا يمكن للمار في ردهات الجبهة الوطنية التقدمية إلا أن يلاحظ التغير في أجوائها، تغير لم يقتصر على البناء الرخامي الذي يشغل حيزا من حي الروضة الدمشقي العريق، بقدر اللغة السائدة في ردهات البناء والتي تحمل في عمقها إدراكا وترقبا للمتغيرات في معطيات الواقع السوري اليوم، عمار بكداش يتحفظ على مصطلح «الشارع السوري»، معلنا تفضيله الاحتكام في المرحلة المقبلة من الانتخابات وبعد إقرار قانون الأحزاب لـ«الشعب السوري»
وبلغة دبلوماسية يعول رئيس أقدم حزب سياسي سوري «1924» على السوريين ويثق بحكمهم وميلهم للمدنية، لكنه لن يتوانى عن وصف قانون الأحزاب بـ«قانون الشركات»، على اعتبار أن «مسودة القانون تلائم قانونا للتجارة أكثر من قانون أحزاب»، بكداش لا يوفر أي بند من البنود المالية في المسودة من «الموازنة وغيرها، فهي كلها تهدف لفرض ضريبة فقط، في حين يفترض أن يركز قانون الأحزاب بالدرجة الأولى على فتح المجال السياسي والاجتماعي لعمل الأحزاب»، يخلص وريث الحزب الأحمر إلى القول: «هذه ثغرة كبيرة تغليب الجانب الإداري المالي على الجانب السياسي الاجتماعي»!
لكنه أمام بنود تحديد ومراقبة مصادر التمويل للنشاط الحزبي، يسارع لرفض أي تمويل أجنبي والتلميح في الوقت نفسه إلى أن المسودة بصيغتها هذه بما يخص قيود المصروفات تضع أعناق الأحزاب في يد اللجنة المشرفة على منح الترخيص، ويقول: «إن حدثت مصروفات معينة ولم تعجب اللجنة فمن الممكن أن تؤخذ كحجة لتقييد ومنع نشاط حزب ما، أي هي سيف بيد اللجنة يأخذ طابعاً مالياً مسلطاً على رقاب الأحزاب».
يضيف: «الملاحظة الأساسية أن عمل اللجنة برأينا يجب أن يقتصر على منح ترخيص لعمل هذه الأحزاب، أما المرحلة الثانية لنشاط هذه الأحزاب وفي حال حدوث أي مخالفة وطنية، فهناك وزارة الداخلية أو وزارة العدل التي يمكن أن ترفع احتجاجاً أو وجهة نظرها لقضاء مختص»، بمعنى ما «اللجنة يجب ألا تكون في موضع تقييم عمل الأحزاب لاحقاً»، الحزب الشيوعي «بكداش» كان حريصا على إيصال ملاحظاته للجهات التي تعكف على صياغة ومناقشة القانون من جهة، لكنه لا يخفي تحفظه على خيارات الجبهة لجهة الترشيح للمشاركة في لجنة الحوار الوطني، ملابسات الترشيح وتفاصيله يمررها بكداش بسلاسة «لم تشارك كل الجبهة في مؤتمر الحوار الوطني إلى جانب مندوبي حزب البعث العربي الاشتراكي، والحزب الشيوعي السوري الموحد.. هذا هو اختيار الجبهة»، يضيف: «اقترحوا والأغلبية وافقت ونحن تحفظنا لأننا برأينا نمثل تياراً معيناً في الجبهة والمجتمع، ولنا آراؤنا الخاصة ونحن نمثل التيار المتبني للاشتراكية العلمية»، أما عن صيغة الأسماء التي شاركت في اللجنة فيختصر بكداش إجابته معلقاً «أنا أحترم كل مواطن».
اجتهاد بكداشي
التغيير في سورية اليوم يفترض أن ينحو في مسار ديمقراطي تعددي وأيضاً علماني، «فالدستور من حيث خطوطه العامة حين إقراره في بداية السبعينيات، لاشك كان من أكثر الدساتير تقدما في دنيا العرب»، لهذه الأسباب وافق عليه الحزب الشيوعي السوري، غير أن بكداش يستدرك مُذكراً «لكننا تحفظنا على بعض المواد مثل تحديد دين رئيس الجمهورية»، ورغم وجود الشريعة الإسلامية كأحد مصادر التشريع يصر بكداش على علمانية الدولة منوهاً «هو مصدر رئيس للتشريع»، يتابع «تحفظنا وقلنا إن تحديد دين رئيس الجمهورية في المادة الثالثة ينافي مفهوم المساواة بين كل المواطنين أمام القانون من حيث الحقوق والواجبات، مع تأكيدنا على موافقة شخص رئيس الجمهورية الموجود آنذاك، لأن هذا البند من حيث مضمونه غير ديمقراطي لأنه يحرم جزءاً معيناً من المجتمع من الترشح لرئاسة الجمهورية».
أيضاً شملت التحفظات الشيوعية المادة الثامنة، ملابسات الفيتو الأحمر قام ببراغماتية على قاعدة «الموافقة بناء على الظروف القائمة»، ولكن مع التأكيد على أن «مفهوم قيادة أي قوة سياسية للمجتمع يتوقف ليس فقط على البنود الموجودة بالدستور بل على قوتها الفعلية على الساحة الوطنية»، لكن الحزب بالنتيجة صوت مع تحفظاته التي حصدت الرد «هذا رأيكم».
اليوم الدعوة للحوار الوطني حسمت جدل التعديل أو التغيير الدستوري، لكن الحزب الشيوعي السوري في حالتي التعديل والتغيير سيصدر بنوداً «تشكل أهمية استثنائية أبرزها التعليم الشامل والمجاني وحق العمل والإنتاج الوطني وركيزته القطاع العام»، يستدرك بكداش لافتاً «لا أقول إنها كانت محققة أبداً رغم وجودها في الدستور، لكننا نصر على بقائها لأنها تعكس العدالة الاجتماعية»، يضيف: «وأيضاً علمانية الدولة»، في التفاصيل المادة الثالثة التي تحدد دين رئيس الجمهورية بالمسلم لا يظن أمين عام الحزب الشيوعي السوري أنها ستطرح في الحوار الوطني، لكنه يقول: «من عشر سنوات حضر وفد برلماني بريطاني وأثناء نقاشي معهم قلت: لا تنسوا أن سورية الدولة العلمانية الوحيدة في المنطقة»، كلام بكداش اعترضه تذكير من إحدى (الرفيقات) بالمادة الثالثة ومفاعيلها»، يتابع «قلت لهم أنتم في بريطانيا بلد علماني وديمقراطي، لكن هل يمكن أن يكون ملك بريطانيا غير انجليكاني؟»، بكداش ينطلق من المعادلة الأخيرة ليجيب ما قبلها على قاعدة أن «بعض الاستثناءات لا تنفي الطابع العام للعلمانية».
الجبهة صامدة
بكداش يلفت إلى أن «الحزب طالب في مؤتمره الحادي عشر العام الماضي» برفع حالة الطوارئ وإنهاء القوانين العرفية، وإصدار قانون الأحزاب، ومنح الجنسية للأكراد الذين حرموا منها نتيجة الإحصاء الستيني الشهير وجزء كبير من هذه المطالب تحقق وبعضها في طريقه للتحقيق»، لكنه يصف الحل الأمني بـ«المعالجة الآنية»، و«الحل المتكامل يكون سياسياً اقتصادياً واجتماعياً، فالعلاج الأمني يتناول مظاهر المشكلة وليس أسبابها الرئيسية المتمثلة بالإجراءات الاقتصادية والاجتماعية التي طبقتها الحكومة السابقة التي زادت في إفقار المجتمع وتهجير الريف إلى المدينة وخصخصة القطاعات الإنتاجية ما خلق تربة للاستياء»، بناء على ما سبق «الحوار الوطني لا يمكن أن يكون حملة طارئة، وإنما عملية مستمرة تترسخ عبر فتح وسائل الإعلام، لأن الندوات ستكون موضع نقد بآلية انتقاء شخصياتها، واللجان في ممارسة هيمنتها، والقول: يجب أن يواجه بالقول والرأي»، أما «الفعل، فيواجه بالفعل المنصوص عليه بالقانون»، انطلاقا من المدخل الإعلامي يصف بكداش قانون الإعلام السابق «بخطوة للخلف ومن وضع القانون هو مدير مخفر بسبب تشديده العقوبات وإمكانية إغلاق الجرائد والصحف».
اليوم الحزب حاضر وموجود لكن أرقامه وعداد كوادره طي الكتمان، بكداش ينوه بالنشاطات التي قامت بها كتلة الحزب من مظاهرة أمام السفارة الفرنسية بسبب سياستها المعادية لسورية وكانت الحشود «بتعبي العين» وفقا له، غير أنه يربط مستقبل الجبهة بالتحالفات المسبقة، يقول بكداش: «بين الشيوعيين والبعثيين قواسم كبيرة جداً ممكن أن تبقي على التحالف»، أما تعديل أو إلغاء المادة الثامنة فهو «شأن سيادي وداخلي يخص حزب البعث العريق بالحياة السياسية السورية، والذي لعب دوراً كبيراً حتى قبل استلامه السلطة».
العرعور والإخوان
مستقبل دمشق يربطه الأمين العام للحزب الشيوعي بماضيها، ويميز مابين الحركات الرجعية التي تتستر بالدين كالـ”إخوان المسلمين والعرعور، والحركات الوطنية التي ترفع راية الدين مثل حزب اللـه في لبنان»، من المدخل الأخير يبني بكداش قراءته للمشهد السياسي ويقول: «علينا أن نسأل هل التيارات هذه وطنية أم غير وطنية؟ الإخوان المسلمين حركة رجعية وغير إسلامية ترفع شعارات متطرفة»، بكداش يسأل «شأن الحكومة اليوم أن تتحاور مع الإخوان المسلمين، وأنا لا أخشى الحوار مع أي كان، لكن السؤال هل يريد الإخوان المسلمين الحوار؟ أفعالهم لا تدل على ذلك، لأنهم وضعوا شروطا استثنائية ظنا منهم أن الامبريالية العربية ستساعدهم بتنفيذها، لكنهم سيخرجون من اللعبة برأيي».
بكداش لا يخشى إعلان «دعمه للزواج المدني والدعوة لتعديل قانون الأحوال الشخصية»، ويعود الأمين العام لأول حزب علماني في سورية إلى عام 1957 عندما «حاولت كل القوى الرجعية بغض النظر عن انتماءاتها المذهبية اكتساح الشارع بترشيح رئيس الإخوان المسلمين الشيخ مصطفى السباعي، بينما رشحت القوى الوطنية رياض المالكي الذي كان له شعبية استثنائية لكونه شقيق الشهيد عدنان المالكي»، يضيف: «حدثت معركة ديمقراطية بين الوطنيين من جهة والرجعيين، ولعب مشايخ أجلاء دوراً في الوقوف لجانب القوى الوطنية كالشيخ محمد الأشمر البطل والمجاهد، وحسمت النتيجة لمصلحة القوى الوطنية التي تفوقت على الرجعية… إذن فلنترك الحكم في المعركة الديمقراطية القادمة للشعب السوري».
سها مصطفى ,الوطن
