ممدوح بيطار :
لايعود الحديث عن المذهب , الذي يريد أن يكون دين ودولة, الى أهمية تلك الكيانات الممثلة لمذهب يتضمن جزء الدين وجزء الدولة , كيانات من هذا النوع , أي من نوع الدولة الدينية , نادرة جدا في عالم اليوم , وقليلة الاهمية سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وعسكريا , تكمن اهميتها في تصديرها لمادة الارهاب والتأخر واللاجئين والجياع , ثم في تصدرها للكيانات التي تمارس الارهاب الداخلي , ثم تصديرها للارهاب الى الخارج , بالمجمل تمثل هذه الكيانات العنف والارهاب والتأخر .
الدولة كيان مادي قائم على علاقات مادية بين افراده ومؤسساته , هذه العلاقات المادية هي النقيض من العلاقات الدينية , التي لاعلاقة لها أصلا بالماديات , الا أن رجال الدين هجنوا هذه العلاقات ماديا , بالتالي افسدوا هذه العلاقات , اي أسسوا للفساد , الذي هو ممارسة ارهابية بامتياز , ويترافق في كل الحالات مع كل اشكال الارهاب الأخرى .
الدولة في جوهرها قومية , بينما الدين في جوهره أممي , اذن هناك تناقض وضدية بين طبيعة الدولة وبين طبيعة الدين , لا يمكن ان تكون الدولة جزءا من شيئ آخر , فالدولة هي كيان نهائي جامع لكل الأجزاء , للبشر والأرض ولمصالح الناس وحاضرهم ومستقبلهم وطموحاتهم , أما الدين الأممي فمن الصعب سجنه داخل حدود قومية – جغرافية , أمميته الديموغرافية لاتستقيم مع قومية الدولة وحدودها الجغرافية , أي مع مفهوم الدولة , الجمع سيقود حتما الى الانهيار والفشل مع مايرافق ذلك من عنف وارهاب .
مفهوم الدين والايمان هو أمر شخصي , لايستقيم مع الدولة , التي هي كيان اجتماعي-سياسي , الشخصي مفسد للاجتماعي , الفرد هو جزء من مجتمع الدولة , ومجتمع الدولة ليس مجموعة أفراد ,انما أفرادا في المجتمع , اضافة الى كل ذلك يجب التأكيد على أن الدولة بطبيعتها مشروع علماني , ولا يمكن لها أن تكون عصريا غير علمانية , لأنه عليها ممارسة المساواة , والكيان الذي لايتمكن من ممارسة المساواة بين المواطنين ليس دولة , انما كيان قائم على هيمنة مذهب على مذهب آخر , وانسان على انسان آخر , وهذا يعني انتفاء الدولة ,في الدولة هناك مذاهب , ولكن في المذهب لاتوجد دولة , تنتفي الدولة عند تحولها الى جزء من مذهب ديني .
تنتفي الدولة أيضا عندما تفقد طبيعتها الاجتماعية -السياسية , وبذلك تكف عن كونها هدفا للمواطن , فالمواطنة تريد وطنا , ولاوجود لوطن حقيقي بدون صيغة اجتماعية – سياسية , هدف المواطن هو الدولة الاجتماعية- السياسية , بينما هدف المؤمن هو الدين وليس الدولة بالدرجة الأولى , يريدون كيانا للمؤمنين , بينما الوطن -الدولة يريد مجتمع المواطنين , لاتستقيم الدولة مع مؤمن بالدرجة الأولى ومواطن بالدرجة الثانية , لذلك ستفشل كل دولة مواطنيها مؤمنين بالدرجة الأولى , ولم ينجح لحد الآن أي كيان قام على أكتاف المؤمنين في التحول الى دولة , للايمان مستوى ثانوي وفضاءا خاصا به ,كما انه للسياسة فضائها الخاص بها , ولا مزج بين الفضائين في الدولة العلمانية , التي تضع الدولة في المقدمة المطلقة , وتحت الدولة وهويتها المسماة باسمها تتوضع الهويات والانتماءات والأهداف الأخرى ,
لادولة بدون مجتمع وأرض , ووجود المجتمع يتطلب سلطة دولة وعقد اجتماعي , مفهوم الدولة يعني ان الشعب هو مصدر السلطات , مفهوم الدولة لايعني ان الله او الشرع هو مصدر السلطات , لذا لايمكن اعتبار الكيانات الدينية دولا , هل افغانستان دولة ؟؟ , لاتسمح قوانين السماء وقوانين الله سوى بانتاج الديكتاتورية , وبالتالي ممارسة الارهاب والعنف والفساد,الديكتاتورية ليست دولة .
اذن يمثل مفهوم المحمدية دين ودولة نوعا من الاعتداء الصارخ على مفهوم الدولة وعلى مفهوم الدين بآن واحد , دين ودولة يعني فشل الدولة والدين بآن واحد , فشل يترافق دائما مع تأزم عميق , وبالتالي مع ممارسة العنف المتوقع بين الشخصي والاجتماعي , وبين القومي والأممي , لاتتمكن الضديات التي جمعت قسرا مع بعضها البعض من العيش بسلام مع بعضها البعض , تمثل الكيانات الدينية المتسربلة بعباءة الدولة العدمية والفشل .
