المنفى الذي انتحل صفة الوطن……

سمير  صادق, ميرا   البيطار  :

هناك التباس في العديد من نواحي حياة   الشعوب ,يقال هناك  مواطنين   يعيشون  في  وطن ,لذلك عليهم  أن  يكونوا  وطنيين , الا  انهم  حقيقة    ليسوا مواطنين ولا  يعيشون  في وطن ولا علاقة لمدلول الوطنية المفروضة  بالوطن,انما بالتذلل  لاستعمار   داخلي   احتل   البلاد  ,لا لزوم للشعوربالمبالغة وعدم الدقة   بسبب  مفردة “احتل    البلاد ” , فعلا احتلها بالعسكر واستعبدها ونهبها وخربها ودمرها , الاحتلال يعني فرض سلطة على  أهل   البلاد   قسرا  ,   وهل   هناك   من   يشك   بالقسر   السلطوي   السوري  ؟

  لقد تلاشت سوريا واندثرت , لا وجود للسوري عندما لم يعد هناك شيئ اسمه دولة  سوريا , وعن الوطن  هناك التباس كبير , فبعد أن   فقد   السويون   انتمائهم   السوري    بفقدان   الوطن  , يتواجد الشعب   في   حالة   انقسام   ,   قسم  أصبح في  المنفى الخارجي , والقسم  الآخرلايزال في المنفى الداخلي , أي أن الوجود  الداخلي  هو  تواجد في المنفى    السيئ مقارنة بالمنفى الخارجي الأفضل , ولو لم يكن كذلك لما حاول من تواجد في المنفى الداخلي الهروب الى المنفى الخارجي عبر   البحار وبالرغم  من   خطر   الغرق , ذلك لأن المنفى الخارجي يحترم كرامة الانسان ويطعم الجائع ولا يهدم البيوت فوق    رؤوس  ساكنيها  , وفي المنفى الخارجي   هناك  كهرباء وماء وغذاء ومدارس ومستقبل أيضا , ولا يوجد في المنفى الخارجي تجنيد   قسري على طراز “سفر برلك” ولاتتم  لملمة للشباب لارسالهم قسرا الى الحرب , كما أن المنفى الخارجي   لايعرف  سرقة المعونات ولا   تلك   للمخابرات ,وفي المنفى الخارجي لاضرورة للاقتتال والقتل.

 أما عن خواص المنفى الداخلي فحدث ولا حرج , انه المنفى الذي لايؤمن لقمةالعيش, واذا تواجد من يؤمنها له يقوم  الفساد  بسرقتها , وعن الاهانة والتعذيب والتعتير والاعتقال فالأرقام مرعبة , وحتى الكلام ممنوع في المنفى الداخلي ,لايكفي      الجوع والاهانة  ,هناك تهمة الخيانة العمومية , فمن لايزال يعيش كالدابة في المنفى الداخلي هو خائن بنظر    البعض ,ومن هرب هو خائن بنظر البعض الآخر , على الانسان الذي لايزال هنا أن يبرهن على الدوام على أنه مع السلطة , انها دولة   االسلطة ,  وليست   سلطة   الدولة .

لايقتصر   الالتباس   على   الوطن  والمنفى  , هناك التباس المقبرة بالوطن ,والتباس السجن بالوطن ,هناك التباس الموت بالوطن , من يدخل   الى  بعض   البلدات  والمدن  يصطدم بالأشباح الميتة  معلقة كصور على كل جدار , لقد تحولت الجدران الى مقابر , هناك آلاف من الصور التي تمجد القتل والعنف , صور لأشخاص بلباس  مهدد   للبشر , اضافة الى آلة القتل والى بقية عتاد القتل من ذخيرة ونظرة ووقفة وتحدي وتبختر بالآلة التي لاوظيفة لها الا القتل , انهم كما يقول المكتوب   على   الصور “شهداء” وأبطال ومجاهدين في سبيل الله  وفي   سبيل   ممثليه   على   الأرض  , وأي وطن هذا الذي لم يعد له وجود ولم تعد له حدود , وطن يمجد  القتل  والقاتل ويحرضه  على  المزيد من القتل ليس بالوطن ,انه كيان منتحل لصفة الوطن, ولماذا الموت من أجل  السلطان او   الخليفة  الذي لايموت من أجل أحد , ,عندما يصبح الشخص أهم من الوطن, يفقد الوطن قيمته المعنوية والرمزية والمادية ويتحول الى سلعة  بخسة  رخيصة.

لقد مات مئات الألوف من السوريين ولم يهدد أحد بحرق البلد من أجل موتهم ..هل نحن أمام دواب من جهة , ومن جهة أخرى أمام مخلوقات  لم تنجب النساء لها شبيها , للأسف يمكن   القول  أن   السلطان  خارق لأنه تمكن   من خوزق عشرات الألوف في سجونه, وقتل مئات الألوف في ربوع ماكان  يسمى  “وطن” , شرد الملايين والملايين الباقية تنتظر أول فرصة من أجل الابتعاد عن الجيفة …كل ذلك لم   يؤثر  على مزاج   السلطان , وعلى عزمه افراغ البلاد واعطائها لمن يدافع عنه , انه المجدد الذي سيجدد الشعب  ويستبدله بشعب آخر.

 أهم ما   شعر به السوري به   في   السنين   الأخيرة  كان  حالة “المؤقت”, أعرف العديد من النازحين  الذين سكنوا في الفنادق بداية الأزمة , ظنا  منهم على أن الأمر “مؤقت” وبعد اسابيع سيعودون الى بيوتهم , الا أن المؤقت تحول  الى  دائم , وبالتالي انحرفت حياة البشر عن الطريق الطبيعي , فغدا المؤقت طبيعيا والطبيعي مؤقتا,دون أن يكتسب أي منهما صفات الآخر,اندمجا معا في مؤقت اكتسب صفة الطبيعي دون أن يبارح أصله, حياة تشبه الموت , وموت لايشبه الحياة , وحتى مقارنة حياة “المؤقت” مع حياة البدو الرحل غير مصيبة , البدو يرحلون من هنا الى هناك بناء على دورة معروفة ذات علاقة بالمطر والخضر , أما حياة المؤقت السورية فتتسم بالمؤقت في المجهول والمجهول في المؤقت , على أي حال   بلغ  الوضع درجة من الكارثية,  التي  لاتجد الكلمات    المناسبة لتوصيفها .

   لاتزال   هناك   صعوبة في التصالح مع كلمة “منفى” وكلمة “مؤقت”,  من   الصعب  دون مقاومة داخلية الاقرار بأن رحيل الناس هو أمر ذو ضرورة موضوعية ,موضوعيا يجب على ٢٣ مليون سوري أن يرحلوا بطريقة ما, وذلك على الرغم من صعوبة التيقن من كون أوطان السوريين الجديدة أفضل من مكان ولادتهم وترعرهم , الا أن الواقع يفرض نفسه بقوة , نعم الأوطان الجديدة هي الأوطان النهائية  مهما   كانت , وهي التي ستلغي  مفهوم  “مؤقت” ومفهوم  “منفى” , وهي التي ستعيد حياة البشر الى  دورتها الطبيعية ,التي تتميز بالاستقرار وبالتالي الاستمرار.

 المعادلة بسيطة وواضحة , المنفى السوري هو سجن لاتتوفر به الا امكانية التعذيب والاذلال , اضافة الى كونه المكان المناسب    للموت جوعا ومرضا وقهرا , لقد   تغيرت مفاهيم الوطن والحنين اليه  ثم العودة , من يحن الى بلدته أو قريته التي    ذاق بها المر لسنين ؟, ومن هو الذي يطلق اسم الوطن على مكان المذلة والجوع والمرض والتشنيع والاعتقال والتشليح والسلبطة ؟؟وهل من المعقول بعد كل ذلك أن يتحدث المعذب في سوريا عن “وطن”

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.