الغدر الذكوري ….

 ميرا  البيطار:

  نقف اليوم في حداد، بينما نختنق بالحسرة والغضب نبحث في أرواحنا عن بقية أمل نكمل به حياتنا التي نخشى عليها من أيادي الغدر الذكورية، نشاهدها كل يوم تختطف أخواتنا، وتجبرنا أن نشاهد، أن نطبع مع دمائهن المسالة على أرضٍ تكرههن، أن نرى الحشود تشاهد ذبحهن دون أن تتحرك، لنعرف جميعاً أننا بالنسبة إليهم مجرد كيانات خالية من القيمة أو المعنى.

نقف لنعزي بعضنا في شهيداتنا اللواتي أخذن منا غدرًا وقسراً بالذبح والسحل والطعن والحرق، بكل البشاعة التي تطالها أيادي القتلة ولا حدود لها ولا وصف لها ولا نهاية لها.

نعزي بعضنا في فاطمة عبدالله موسى 26 سنة شهيدة الغدر الذكوري في تشاد، التي قتلت وحرقت أمام منزلها يوم 19 يونيو 2022 بالعاصمة أنجمينا، على يد قوات جيش النظام، فاطمة تم استخدامها كوسيلة انتقام من والدها المعارض عبدالله موسى، ضمن جرائم متواصلة تقودها القوات الانقلابية المدعومة من فرنسا ضد الشعب التشادي، وضد النساء التشاديات بشكل خاص.

فاطمة استهدفت من القوات الانقلابية وفق منطق ذكوري يعتبر النساء أشياء تابعة لرجال العائلة يبتزون من خلالها وينتقم منهم ويذلون ويقهرون.

انتقم النظام تشادي من خصمه عبر احدى نساء عائلته، ليرسل لبقية التشاديات أنهن سيعشن الرعب والانتقام بناءً على جندرهن وانتمائتهن العائلية والطبقية، وسيستهدفهن في جميع الأحوال لأن النظام يعتبر أجسادهن وحيواتهن مسارح للعقاب والانتقام ونشر الرعب والاخضاع.

نعزي بعضنا في نيرة أشرف شهيدة جامعة المنصورة، التي فتحنا أعيننا على مشاهد ذبحها العلني يوم 20 يونيو 2022 خارج ابواب جامعتها بمصر، أجبرنا على مشاهدة أختنا تغتال غدراً بطريقة بشعة، ولا جمال في الاغتيال ولا يوجد فيه طرق أقل ألماً أو حزناً أو بشاعة.

ذكرنا القاتل والمجتمع والدولة أن حيواتنا لا قيمة لها ولا شيء يحفظها، اغتالها في الشارع ووقف عدد كبير من الناس يصور ويشاهد، وكأن هذا المشهد يجدد لنا ما صوره النظام الأبوي كنبوءة محتومة، حيواتنا في الشوارع والبيوت والمدارس والجامعات والمؤسسات في الخاص والعام لا نمتلكها وستنتزع منا بأي طريقة.

كان لنيرة حياة سعت لها وقاتلت، ولها إرادة أيضاً، إرادة دفعت عمرها لأجلها، وهي إرادة أن تقول لا وتقرر مصيرها، وربما أو بالتأكيد لم تختر أن تدفع ثمنها ، لم تختر نيرة ولا أي منا أن تكون ردة الفعل على لا هي الاغتيال. قالت نيرة لا لرجل في نظام ذكوري فبدأت سيرورة العنف والتهديد والوعيد، لجأت لمؤسسات الدولة بعدد من البلاغات لأنها أحست بالخطر بعنف عدم تقبل الرفض، ولكنها تركت وحيدة لتواجه الحلقة الأخيرة من العنف، خذلت من الأنظمة التي تدعي الحماية لأن الدولة فوضت لقاتلها العنف وشجعته وحققت من خلاله غايتها في الاستمرار، خذلت نيرة وتركت وحيدة لتذبح مراراً وتكراراً من المهللين لموتها وموت غيرها، والمتعاطفين مع قاتلها، والمبشرين بما هو أسوأ لكل من خرجت عن قواعد المجتمع الذكوري.

نعزي بعضنا في سعاد بن زاوي 40 سنة، شهيدة للغدر الذكوري في الجزائر، ذبحها زوجها وطعنها حتى فارقت الحياة يوم 19 يونيو 2022 في مدينة سطيف، وطعن ابنتها التي تبلغ من العمر سنوات ولاتزال بين الحياة والموت لحدود اللحظة.

اغتيال سعاد يضاف إلى سلسة من جرائم قتل النساء من الشريك أو العائلة في الجزائر مايقارب 24 امرأة اغتيلت منذ مطلع 2022، رعب ليس بالجديد على الجزائريات لكنه يزداد كل يوم مع دولة متواطئة ومفوضة للعنف، ومجتمع يبرر ويدافع عن حق الرجال في القتل والتعنيف مادام أنهم رجال.

نعزي بعضنا في ايمان مؤيد رشيد، شهيدة الغدر الذكوري في الأردن، طالبة في السنة الأولى في كلية التمريض، اغتيلت يوم 23 يونيو 2022 على يد زميلها في وسط الحرم الجامعي، خمس رصاصات اخترقت جسدها لتفارق الحياة في نفس اللحظة.

قتلها في وسط مكان يفترض أن ندخله ونحن آمنات ونحن نبحث عن المستقبل ونبنيه ونطمح له ونفرح أننا سنمتلك ولو القليل منه، ماحدث لايمان وقبلها نيرة هو تهديد واضح لتواجدنا في أي مكان نقرر من خلاله مصيرنا أو نحلم فيه بالمستقبل. الجامعات أصبحت مقابر للنساء.

نعزي بعضنا في ايمان مؤيد رشيد، شهيدة الغدر الذكوري في الأردن، طالبة في السنة الأولى في كلية التمريض، اغتيلت يوم 23 يونيو 2022 على يد زميلها في وسط الحرم الجامعي، خمس رصاصات اخترقت جسدها لتفارق الحياة في نفس اللحظة.

قتلها في وسط مكان يفترض أن ندخله ونحن آمنات ونحن نبحث عن المستقبل ونبنيه ونطمح له ونفرح أننا سنمتلك ولو القليل منه، ماحدث لايمان وقبلها نيرة هو تهديد واضح لتواجدنا في أي مكان نقرر من خلاله مصيرنا أو نحلم فيه بالمستقبل. الجامعات أصبحت مقابر للنساء.

أن نتوشح الحداد والعزاء، ونعلن الغضب ونسمي شهيداتنا ونذكر أسمائهن، هو تذكير للعالم الذي يتوعدنا بالموت ونعيش فيه العنف والرعب أننا لن نترك احدانا في الخلف، لن نسمح بأن نكون مجرد أرقام ينهشون فيها ويسفهون حقها في الحياة، لن تكون شهيداتنا أرقامًا لا اليوم أو غداً، وربما يستمر مسلسل الاغتيال ولن نستطيع وقفه قريبًا وليس فيدنا سوى الحفاظ على ذكراهن، لكننا نقاتل برفع أسمائهن وازعاج القتلة بهن، وتذكير هذا النظام الأبوي أننا كثيرات ولن نسمح بأن يكون القتل والعنف والاضطهاد وسرقة حيواتنا غداً أمام محاولتهم لجعلها قدرنا.

نذكر ليس فقط بلحظاتهن الأخيرة برغم بشاعتها لكن نذكر بالمستقبل الذي حلمن به وحرمن منه.

لأرواحكن السلام،

ولنا المقاومة حتى اسقاط النظام الأبوي.

عن   نسوية

Leave a Reply

Your email address will not be published.