مها بيطار :
الزواج المدني ليس هدفا بحد ذاته , وانما وسيلة لتحقيق أهداف أخرى , منها على سبيل المثال طريقة التعامل مع اشكالية تعدد الزوجات, فالزواج المدني يخضع في احكامه للقانون الوضعي الغير مقدس , وبذلك يتحرر القانون من سطوة المقدسات والنصوص والأحكام الدينية , ويسهل امكانية تطوير القوانين بما يتناسب مع ضرورات الحياة وحاجات الانسان,لايمثل تعدد الزوجات حاجة للنساء أو الرجال أو للأطفال في هذا العصر , ووجود تعدد الزوجات ثم اشكال الزواج الأخرى …مسيار …متعة , ليس الا انصياعا أعمى للنص الذي فقد صلاحيته منذ قرون , وحتى في أصله كان بربري .
القانون الوضعي الذي يحدد أحكام الزواج هو قانون للانسان من صنع الانسان المتفوق بدرجات على الآلهة والأنبياء , والمتحرر من الجمود والملتزم بالتطور , انه لخدمة الانسان , وذلك بعكس أحكام الشريعة التي ترى في الانسان خادما لها , حتى لو تضرر الانسان بسبب خدمتها , تأسست شرعنة تعدد الزوجات وما يسببه هذا التعدد من اشكاليات ومشاكل اجتماعية على فكرة ضرورة خدمة النص التبوي لاكتساب رضى الله ورسوله , الذي اراد قطيعا من النساء لاشباع وتهدئة شبقه الجنسي الغير مألوف , وليس على ضرورة خدمة الانسان , لذلك تقهقر الانسان الخادم في المجتمعات الاسلامية وازدهر النص , وهل من مصلحة الانسان خدمة النص واهمال ذاته ؟
لفهم اشكالية تعدد الزوجات في هذا العصر , لابد من الرجوع الى التاريخ القديم , حتى الى ماقبل الاسلام ,مارست مجتمعات ماقبل الاسلام التعدد المنفلت من أي تحديد , فالمجتمع كان ذكوريا ومؤكدا محورية دور الرجل في الحياة , كان الرجل جسديا أكثر قدرة من المرأة على ممارسة المهنة التي تؤمن متطلبات الحياة , أي الغزو والسلب والنهب , , انه بلغة ماركسية المتفوق اقتصاديا , لذلك كانت له امتيازية صياغة القيم والأخلاق والعادات والتقاليد , انطلاقا من قربه الزمني من حقبة الانسان -الحيوان تصرف حيال المرأة بحيوانية أكثر منها حضارية أو انسانية , هنا يجب رؤية الأمر في سياقه التاريخي , هناك سياقات أخرى , ففي حقبة الجمع والالتقاط كانت المرأة أكثر مقدرة اقتصادية من الرجل , لذلك مارست تعددية الرجال , تلك الحقبة كانت حقبة الأمومية , التي تحولت الى حقبة الذكورية بعد تغير اساليب وطرق الانتاج .
تعدد الزوجات كان ولا يزال نوعا من الرق, اذ كما كان يحق للرجل ان يمتلك ما يشاء من الأشياء , كان له في ذات الوقت ان يدخل تحت سلطانه وفي اطار ملكيته ما يشاء من النساء, وكان يعتق المرأة – الزوجة بنفس الطريقة التي يعتق بها عبده أو امته !!,ولما جاء الاسلام .. اقر هذه العادة الاجتماعية الذكورية مع مجموعة من العادات الذكورية الاخرى .. لكنه قيد حق التعدد بأربع نساء فقط , كما جعل العدل شرطا لإباحة التعدد ( فإن خفتم الا تعدلوا فواحدة ) أي ان الاسلام حافظ على محورية دور الذكر ومكتسبات رجولته تماما كما كان سائد ا في المجتمع الجاهلي .. وهذا امر طبيعي باعتبار الاسلام امتداد للعادات والتقاليد والافكار الجاهلية .
لم يبين الاسلام بشكل واضح الحكمة من تعدد الزوجات , فالمسيحية أقدم من الاسلام , وبالرغم من ذلك حرمت تعدد الزوجات ,لا يمكن فهم هذا التباين بشكل واضح ومؤكد , الا أنه من الممكن أن يكون للفرق الحضاري بين بدو الجزيرة العربية وبين الحضارة الرومانية تأثيرا كبيرا ,, فجذور الاسلام في الجزيرة العربية تختلف عن جذور المسيحية في فلسطين , الاسلام طور الجذور البدوية بطريقة ليست صدامية وحدد العدد بأربعة , وفي هذا التحديد اتجاه لايمكن القول الا أنه الاتجاه الصحيح , الا أنه بقي ذكوريا في جوهره , هذا الأمر قابل للتفهم قفي سياقه التاريخي , ولكن مايستعصي على التفهم هو مسلكية مابعد بن عبد الله من خلفاء وحتى هذا اليوم ,بعد المجتمع الأمومي (أمومة) أتى المجتمع الأبوي الذكوري , ونحن الآن في عصر مجتمع الانسان ذكرا وانثى , نحن في عصر المساواة بين الرجل والمرأة , لأن الرجل لم يعد المسيطر اقتصاديا , المرأة كالرجل انتاجيا ومقدرة وكفاءة , لابل متفوقة على الرجل في العديد من جوانب العمل والحياة .
لم يدرك الاسلاميون ذلك واستيعابهم لكل ذلك كان ضبابي ومشوش , ولم يفهم الاسلاميون الخطوة التطورية التي جاء بها الاسلام بتحديده العدد بأربعه , وبتصعيبه أمر تعدد الزوجات الى حد الاستحالة , لقد كان عليهم بدءا من الخلفاء الأوائل وفي المرحلة الأموية أو العباسية أو العثمانية أن يطوروا الأمر بالاتجاه الذي رسمه الاسلام في بدايته , لم يتزوج محمد على خديجة ولم يتزوج علي على فاطمة , لطالما كانت خديجة على قيد الحياة وكانت فاطمة على قيد الحياة … لم يفهم الاسلاميون دلالات كل ذلك , أنهم فهموا جيدا كيف يسبحون في مستنقع البربرية , وكيف يتمحورون حول النكاح الذي تحول الى جوهر حياتهم , زمن تعدد الأزواج انتهى , وزمن تعدد الزوجات انتهى , الآن نحن في زمن المساواة !, فلكل امرأة رجل ولكل رجل امرأة , , لقد مر التطور على البعض مرور الكرام , فلاهم تأثروا به ولا هو أثر عليهم … بالنتيجة حذفوا الزمن , الذي لم يستفيد منهم , ولا هم استفادوا منه !