في السماء, ليس كما هو على الأرض…

ممدوح بيطار:

   تمثل النصوص الدينية لدين الأكثرية في سوريا , بجمودها وقطعيتها ورجعيتها وعدم علميتها وانعدام مقدرتها علىى مواكبة ضرورات وحاجات انسان العصر , نوعا استبداديا من الاسترقاق السياسي -الاجتماعي , لذا فان التحرر منها هو تحرر من الاستبداد المقدس , انها كارثة لأنها استبداد ولأنها اضافة الى ذلك مقدسة , ومن أخبث اشكال الاستبداد المتفوقة على الاستبداد السياسي بدرجات , شكل مركب ممثل لثنائية التجريم السياسي والتحريم الديني .
تجثم النصوص بتوحشها وبدائيتها على صدور الناس , لاغية الحضور الانساني للبشر في التقرير وتحديد المصير , وفي الانسجام مع حركة التاريخ , الى حد المغامرة بالخروج من التاريخ , المهم بالنسبة لعبدة وثن النصوص بشكلها المجرد كرمز للمستعبد , المحافظة على حياة النصوص أكثر من المحافظة على حياة الناس , الهذا وجدت النصوص ؟ لنخدمها أو لتخدمنا !!.
ما هو مصير العقل تحت هيمنة النصوص؟؟؟, لاحاجة للمؤمن بالعقل , عندما يتحول النص الى عقل يحدد تصرفات ومسلكيات هذا المؤمن , في المنافسة بين العقل والنص يجب منطقيا توقع تمكن العقل من السيطرة على النص , هنا يفترض بأن المؤمن المعني بالأمر يملك عقلا ليتمكن من السيطرة على النص , وماذا عندما يفتقد المؤمن الى العقل ؟؟؟ وماذا عندما يسمح النص الدجال لنفسه ممارسة الترغيب المزيف بالجنان والنسوان , ويسمح لنفسه بالترهيب بجهنم وسوء المصير , عندها يصطف المبتلي بالجهل الى جانب النص , ويحول النص الى عقل يسيره ويستبد به ويهيمن عليه ,
بما أن الجهل مستشري , وهذا يعني غياب العقل , لذلك تحددت سبل انتاج المعرفة والوعي بالنصوص الموروثة والمنقولة , التي احيطت بسور من القدسية , التي تهدد من يمس بها بأعظم العقوبات , والنصوص تتوالد وتنجب مخلوقات على شاكلتها , فالكتاب “المنزل ” هو النص المركزي الأول , ومن رحمه ولد النص السني الشافعي وغيره من النصوص , ومن عائلات النصوص اي السني الشافعي والنص المركزي مثلا , ولد نص الاجماع , وذلك بقصد تحديد نسل وتكاثر النصوص …كل ذلك بدون اكتشاف اي جديد حقيقي في النصوص الوليدة , لذلك بقيت الأمور سجينة التنميط في التفكير وفي التداولات والتفاعلات والعلاقات الاجتماعية , وفي بناء الوعي , الذي بقي نصي جامد خارج دائرة الاجتهاد , وذلك بمساعدة التلقين القسري , ثم التخويف والترغيب والترهيب والتحريم والتكفير والتخوين واجترار الفردوس المفقود , الذي لم يكن فردوسا , انما انحطاطا دمويا حربيا وعنيفا.
في هذا الفردوس المفقود هيمنت ثقافة الرؤوس المتطايرة , التي تطير في بلدان تحولت الى مقابر بحجم البلاد , فماذا كان على سبيل المثال مصير محمد ابن الخليفة الأول ابو بكر الصديق ؟ , لقد وضع جسد القتيل البائس محمد , بعد بتر رأسه , في جوف حمار , اضرمت به النار , والرأس ارسل كهدية الى معاوية في دمشق , وكيف طار رأس الحسين وهو حفيد أشرف خلق الله , الم يبتر ! , وتم التمثيل بجثته ثم علق في الكوفة , وبعدها ارسل الى يزيد بن معاوية , ألم يطوف عبيد الله بن زياد برأس الحسين في الكوفة , وماذا حل برأس عبيد الله بن زياد؟ ألم يوضع بين يدي المختار , وماذا حل برأس المختار ؟؟, الم يطير مبتورا ليغط بين يدي مصعب ابن الزبير , وماذا حل برأس مصعب ابن الزبير ؟, لقد طار وغط بين يدي عبد الملك , اضافة الى كل ذلك بلغ عدد الرؤوس التي طارت على يد خالد ابن الوليد , بدءا برأس مالك بن نويرة, وغيره مئات الألوف , أستنتج من حكاية ابن الوليد , بأن كان مستعجلا جدا , ولم يمهله شبقه الجنسي طويلا , ففي نفس ليلة القدر بالنسبة لمالك بن نويرة ورفاقة , دخل ابن الوليد رضي الله عنه وأرضاه على ليلى ام تميم واغتصبها .
بالرغم من ذلك وصف النص هذا الشخص بأنه سيف الله المسلول , ثم لفت انتباه المؤمنين الى وضع هذا الشخص بالنسبة للخالق , الذي عليه ان يرضى عنه ويرضيه , وحتى بعد بتره لرؤوس عشرات الآلاف من أهل بلاد الشام والعراق لم تتغير نظرة الله الى الصحابي الجليل ابن الوليد , وأحد العشرة الموعودين بالجنة , ثم ماذا عن رأس أبي جهل الذي بتر رأسه في يوم بدر , ثم وضع بين يدي أشرف خلق الله …ثم رأس كعب ابن الأشرف ورأس الأسود العنسي وجسد عثمان المتعفن على المزبلة , ومئات الرؤوس الأخرى التي طارت في الجزيرة ولا تزال تطير في ديارنا حتى هذه اللحظة ,
لقد قدمت بعض الأمثلة من مصنف الاغتيالات وبتر الرؤوس والتوحش , فمن حيث الممارسة المستعصية على النقض وحتى على النقد , لاوجود لفروق بين انحطاطية بتر الرؤوس وبين انحطاطية تعدد الزوجات او انحطاطية تعليق شرف المرأة على غشائها , أو انحطاطية تحريم التبني , أو اعتبار شهادة المرأة مساوية لنصف شهادة الرجل , أو التأكيد على فشل اي قوم يولي أمره الى امرأة ….أو …الخ .
العبرة هي التالية , لم تقو النصوص على ممارسة التصحيح الذاتي والابتعاد عن شكلها السلفي الأولي, الذي وجدت به, وذلك لأنها مقدسة , ومستسلمة للمقدس وأسيرة لديه , النصوص التي لم تكن أصلا صالحة في زمانها , لن تصبح صالحة لهذا العصر , لابل بالعكس , فقد تحولت الى كارثة هذا العصر .
النصوص , حتى بمراعاة السياق التاريخي , فاسدة, ولا يمكن للصق صفة القدسية عليها وسربلتها بسروال الدين او جلابيته او عمامته , تبريرها او تحويلها الى جيدة , انها حقيقة صيغا لغوية خاضعة لأحكام الزمان والمكان التاريخي الاجتماعي, يستمد النص ما تسمى حقائقه من واقع بشري , أو أصبح بشري بعد تموضعه في يد البشر , هاجس النص هو السلطة السياسية وهدفه تأبيد سطوته عن طريق تحجره واضفاء صفة المقدس عليه .
انتساب النصوص الى السماء قد يجعلها صالحة للسماء , والأرجح انها ليست صالحة حتى للسماء , ولطالما كانت هنك فروق بين السماء والأرض , لذلك فقدت هذه النصوص صلاحيتها حتى على للأرض , التي تتطور باتجاه معاكس لاتجاه النصوص المنسوبة للسماء ومن أجل السماء , فالبشري أرضي ومسؤول عن الأرض , ومن واجباته الدفاع عن الأرض , حتى لو كان المعتدي سماوي, والسماوي يعتدي ويريد تحويل البشر الى عبيد يعبدوه , الى مسيرين وليسوا مخيرين , الى تابعين وليسوا متبوعين, وفي سياق هذا الدفاع , ومن خلال رؤية تحررية تحترم الذات , تتم ممارسة النقد ومحاولة النقض , انه دفاعا وليس تهجما او ازدراء أو اعتداء , ولطالما شعر الأرضي باكتفائه ومقدرته على ادارة حياته بيده , فلا حاجة له بالسماوي , الذي يعتمد في فرض نفسه على الاكراه والقهر وهدر كرامة الانسان , الذي لايتقبل سلطة نصوص سيدت نفسها قسرا وقهرا .
جوهر الأمر ليس قهر الدين , فالدين ونصوصه , التي تنزوي في المعابد لاتهم مبدئيا الكثير من البشر , تكمن أهمية الدين ونصوصه في محاولة النصوص خلق مستنقعا للطائفية والمذهبية والجور والحروب على الأرض , هنا سوف لن تكون هناك سوى المواجهة مع هذا الدين وتلك النصوص وهؤلاء المؤمنين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *