تخلف بشار اللغوي وتخلفنا معه…..

   كان من الدلائل الإيجابية لو لم يستدرج بشار الأسد، في خطاب نصره الانتخابي قبل أسبوع، ردود أفعال معارضين له انساقت وراء المستوى المتخلف الذي تميز به الخطاب. ولا يُقصد بهذه الملاحظة أن يدّعي المعارضون ترفعاً كاذباً عن الرد، أو ترفعاً كاذباً عن الشتيمة بما أن الخطاب حفل بالشتائم، لكن يُقصد بها نوعية الرد ونوعية الشتائم والبنية اللغوية لهما، البنية التي كان يُفترض “أو يُستحسن في أدنى الأحوال” ألا تأتي متخلفة وألا تستخدم أدوات الخطاب نفسه.

في مستهل الثورة بدأ بشار بتشبيه الثائرين بالمندسين، ثم بالجراثيم. حينها شاعت على وسائل التواصل الاجتماعي عبارات من نوع “أنا مندس” أو “أنا جرثومة”، وكانت محمولة على روح التحدي، التحدي الذي يحمله مؤمنون بالثورة آنذاك، والتحدي المتأتي من وجود نسبة كبيرة من مستخدمي تلك العبارات في سوريا. اليوم لا معنى لقول البعض “انا ثور” أو وضع صورة ثور على البروفايل، رداً على تشبيه بشار الثوار بالثيران، فالذين فعلوا ذلك يعيشون خارج مناطق سيطرة بشار، في سوريا أو غيرها من البلدان، أي أن التحدي المعلن على هذا النحو هو أجوف فوق أنه يستنسخ كليشيه تعود إلى زمن “غابر”.

من جهته، كانت مفهومةً الأسباب التي دفعت بشار إلى شتم الثائرين وكأن الثورة حدث طازج، فهو ضمن إنكاره الواقع لم يستوعب قيام سوريين بالثورة عليه، ويريد في كل مناسبة التأكيد على عمالتهم وارتزاقهم وعلى أنهم سوريون بجوازات سفرهم لا بانتمائهم. أيضاَ من مصلحة بشار التصويب على دريئة الثورة “التي اهترأت أصلاً من كثرة المصوِّبين عليها”، فهو بذلك يؤكد على أن المعركة “كما في بدئها” بينه وبين “خونة ومرتزقة وثيران.. إلخ”، ويغطي على الميليشيات وقوى الاحتلال التي استجلبها وعلى تقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ ليس هو ولا خصومه من السوريين من يقرر مصيرها. من هذه الزاوية الضيقة، يلاقي بشار بعضاً من الخصوم يصرّ بدوره على أن الثورة باقية، ولا سند له سوى مثابرته على تأكيد مقولته!

لا داعي للخوض مجدداً في تهافت المستوى اللغوي الأسدي، إلا بقدر ما يصيب التهافت أولئك الذين يطرحون أنفسهم وقيَمهم في الجانب المقابل، وبقدر ما يوحي بأنه سمة مشتركة آتية من تربية واحدة لم تمح آثارها بعد. من ذلك ألا يكون بشار متفرداً مع جماعته بارتكابات لغوية يعتقد أنها ذات معنى، أو ذات جاذبية، أو ذات عمق، أو مثيرة للضحك كطرفة أو نكتة مبتكرة. لقد استخدم بشار القرابة اللغوية “الظاهرية والقسرية” بين الثورة والثيران، ليستخدم بعدها القرابة بين الثور والعلف، وهو تصوير متخلف لغوياً، ومن مستوى لا يتجاوز سن المراهقة، من دون الدخول في كونه لا يليق بمنصب رئاسة بما أن الحديث عن السيادة شكلي بحكم الاحتلالات الموجودة في البلد.

المصيبة أن لبعض المعارضين أسبقية على بشار باستخدام مخزون لغوي متخلف للنيل من بشار، أو لنقد المعارضة نفسها. مثلاً، تبدو كلمة “العلف” التي استخدمها مأخوذة من خصوم للائتلاف واظبوا على تسميته بـ”الاعتلاف”، أو آخرين واظبوا على تحريف كلمة “ناشط” إلى “ناشت”! هنا أيضاً نعثر على ما يظنه أصحابه لعباً لغوياً ماهراً، بل باباً من أبواب السخرية التي يفترضون أنها تثير قهقهات المتلقي مثلما تثير غيظ مَن يوجّه إليهم الهجاء. تنضوي في الإطار ذاته تلك المواظبة على السخرية من عيب في النطق لدى بشار، فإذا حدث الأمر لمرة على سبيل النكتة فإن النكتة تفقد قدرتها على الإضحاك لدى عموم المتلقين، وخاصة لدى من يعاني منهم من مشاكل في النطق. المصيبة أن ترويج نوع سطحي مبتذل من السخرية يكون على حساب استكشاف مواضع أخرى لها لا يبخل بها الخصم في حالتنا، والبقاء على ما هو سطحي وسمج ومكرر سيكون من طينة التخلف اللغوي للخصم.

في مثال آخر، كان خطاب بشار المعدّ والمكتوب مضحكاً عندما يقول: هو الفرق بين ثائر يتشرب الشرف وثور يُعلف بالعلف.. بين ثائر نهجه عز وفخار وثور يهوى الذل والعار.. بين ثائر يركع لخالقه وثور يخر ساجداً أمام الدولار! المقارنة الأخيرة، لو قالها الجولاني أو البغدادي، لكان لها نصيب من المعنى. لكن بخلاف تفاهة المعنى أو غيابه، المضحك “لوهلة فحسب” هو استخدام السجع المتخلف الذي نفترض جميعاً أنه أصبح من ماضي اللغة أو طفولتها، لكننا ما إن نتذكر سماجات لغوية مشابهة في مقلب المعارضة حتى تفقد اللحظة فرادتها لصالحِ مشتركٍ لا يثير بتخلفه الضحك بل يخلّف المرارة والتأسّي على رسوخ المشترك أو بقاء شيء من مفاعيله حتى الآن.

نجح بشار “على الأرجح من دون قصد” في استجرار ردود من المستوى نفسه وبمفرداته هو، ولئن كان تخلف المستوى اللغوي وتهافته دليلاً على خواء تركيبة لا مشروع لها سوى الاحتفاظ بالسلطة فإن استخدام المعيار ذاته غير مبشر في المقلب المقابل. اللغة لا تقوم فقط بمعناها أو بدلالاتها المباشرة، هي أيضاً دلالة على مستخدميها، وهي قد تكون نظاماً متماسكاً متيناً أو بنية متردية متخلفة، وقد تكون ثورة من منطلق القطع مع ما سبق. ليس المطلوب من الثائرين على بشار التعفف التقليدي “المزعوم عادة” عن البذاءة “بمفهومها التقليدي”، المأمول هو تعفف عن الرداءة.

من المفهوم أن ينجح بشار، بشتائمه التي استهلكت تقريباً نصف كلمته الأخيرة وحيزاً معتبراً من خطاباته السابقة، في استفزاز المعارضين والثائرين عليه للرد. من المفهوم أيضاً أن يضعهم أمام معضلة، فمن أباد وتسبب بمقتل ما لا يقل عن نصف مليون سوري، إلى آخر قائمة الجرائم المعروفة، يستعصي على الشتيمة بمعناها التقليدي، من دون أن ننسب إليه عدم الاكتراث بتلقي الشتائم كحال السياسيين عموماً. العبرة هي في المقدرة على الامتناع عن الأدوات الأسدية، وفي استذكار نقدي للّغة التي كانت مفروضة على الجميع، في المدارس والجامعات والتلفزيونات والمسلسلات..، أي الخلاصة اللغوية التي تُوِّجت بـ”خطاب النصر”، والتخلص من تلك السماجة والسطحية دفعة واحدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *