الدولة المعكوسة, واختيار السلطان لشعبه !

 

سأختار شعبي

سأختار أفراد شعبى

سأختاركم واحدا واحدا من سلالة

أمى ومن مذهبى

سأختاركم كى تكونوا جديرين بى………محمود درويش

هل يتنظر عاقل من التطور الديموقراطي العربي أن لايتعثر ؟ وهل توجد معطيات تؤكد حتى نجاح القدر الأدنى المتواضع منه ؟ وهل عمل العرب , يوما ما  جديا  من  أجل  الديموقراطية ؟  , ومن هم أولئك الجادين في التطوير ديموقراطي ؟ ثم هل توجد ارادة “شعبية”مستقلة ؟, , هل توجد أصلا “شعوب ” عربية بمعنى “شعب ودولة ” لهذه الكلمة ؟ وهل تصلح الديموقراطية لجماعات تسيطر عليها الصفة البدوية والعشائرية والعائلية ؟؟.. هناك المئات من الأسئلة حول هذا الموضوع , وبالمقارنة مع الشعوب الأخرى يمكن القول على أن العرب من أكثر شعوب الأرض حديثا عن الديموقراطية , وأقل شعوب الأرض ممارسة  لها .
العرب هم أكثر من يتحدث عن الديموقراطية , وأقل من يمارسها ,وبالتالي يعيش العربي في مفارقة مؤلمة , فالعربي هو انسان كغيره يطمح لما هو أفضل , لذا يتحدث عن الأفضل, والحديث عن الأفضل لايخضع لقيود موضوعية , بينما    ممارسة  الديموقراطية   تفترض  وجودها  بعد  تحقيقها ,والتحقيق يخضع لعوامل موضوعية قد تكون تاريخية أو آنية أو خارجية أو داخلية ..الخ …
تشابك الأمور وتضاد أو تعاضد المعطيات التاريخية , ثم تداخل المصالح وتباينها ..كل ذلك يؤكد حقيقة , ألا وهي ان “التعثر” في التطور الديموقراطي هو الثابت الوحيد , الذي يجب توقعه بالرغم من رفضه وعدم تمنيه , الا أنه أيضا العنصر الذي اعتمدت عليه الديكتاتوريات لتبرير وجودها واستمرار هذا الوجود ,أطلقت الديكتاتوريات على هذا العنصر أسماء مختلفة ,مبارك سماه “الفوضى” وقال اما أنا أو الفوضى , وبشار سماه نهاية وجود سوريا ..التقسيم والتشرذم ثم نهاية المقاومة وتمدد اسرائيل من الفرات الى النيل .. أي الهلاك النهائي, والفرق بين تقديرات مبارك وتقديرات الأسد هو التالي , فمبارك حذر من عواقب تلقائية , أما الأسد فقد تحدث عن عواقب تلقائية اضافة الى “العقاب ” الذي سينزله بحق الدواب السوري , اذا تجرأت الدابة السورية على رفضه وطالبت برحيله أو ترحيله , لذا فان المغامرة السورية من أجل حياة ديموقراطية أفضل خطرة جدا , ففي حال الفشل , سيبقى الداء الأسدي موجودا , وقبل النجاح سيحرق الاسد البلاد , ومن يصدق مضمون هذه المعادلة لايثور ويفضل البقاء “كدابة ” مع الأسد الى الأبد .

  يمكن القول على أن التاريخ العربي الحديث والقديم أيضا , لايعرف فعلا جادا من أجل الديموقراطية , واذا اقتصرنا في تقييمنا للتطور على فترة مابعد الاستقلالات العربية , سنجد بكل وضوح على أن العمل الجاد كان في اتجاه تدعيم الديكتاتوريات , أي في العمل على ” الوقاية ” من الديموقراطية , الديموقراطية لاتسقط  من المريخ , ولا   تأتي من الوحي عن طريق الملاك جبريل ؟؟؟ لم نزرع لنحصد ,لنزرع أولا ثم نحصد ثانيا.
يقف النظام والدولة في بلادنا على طرفي نقيض,الدولة تتبع النظام في حين يجب على النظام أن يتبع الدولة ويأتمر بأمرها , واذا كان الديموقراطية هي حكم الشعب معجميا ,فانها قانونيا تعني تقدم الدولة المجردة على أي نظام وعلى أي سلطة شخصية أو عائلية أو حزبية أو طائفية ,تقدم النظام على الدولة أي على سلطة الشعب يعني منطقيا   أختيار النظام للشعب وليس اختيار الشعب للنظام , أي أن الآلية معكوسة والديموقراطية معكوسة , وفي اطار هذا الانعكاس يصبح استتباب أمر الديموقراطية بمفهومها اليوناني أمرا مستحيلا , والأمر بشكل مشابه ينطبق على الدين وعلاقته بالدولة وبشكل أكثر كارثية , فمصدر السلطة في الدولة التابعة للطائفة هو الله كنظير لعسكر الديكتاتورية, والدستور هو الشرع كنظير للدساتير المفصلة على مقاس الديكتاتور ….الله  يختار  شعبه  والديكتاتور   ايضا  ,  وليس   للشعب  ما  يختار  سوى  الذل والمهانة.
عوامل تعثر الديموقراطية في بلادنا مزدوجة , من جهة   هناك   الدين  , ومن جهة أخرى  هناك  الديكتاتورية العسكرية ,  ومن جهة ثالثة تقاطع مصالح ديكتاتور السماء مع ديكتاتور الأرض , لاتعارض في المصالح الا عندما يخل طرف من الأطراف في عملية تقاطع المصالح , عندها تبدأ الحرب العدمية التي نحن بصددها  في سوريا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *