هل ماتت العروبة???

ميرا  بيطار  :

  هل ماتت العروبة ?? , نسأل العروبة أن تسمح لنا بنظرة تأملية ,نظرة نقد وجرد؟؟ ,دون ان نتعرض للجلد او نؤول الى سجون الموت او نعلق على حبال المشانق ,نظرة تأملية حسنة النية ….وجود الشعب كممثل للتاريخ ضروري عند القيام بعملية الجرد والنقد وذلك لكي يحلل ويحاكم ثم يحكم ,العروبة!! مالها وما عليها!.
  حتى ولو ان العروبة اندثرت ,او انها من الاندثار قاب قوسين او ادنى ,وحتى انه لايجوز على الفقيد الا الرحمة,احب القول ان هذا الاندثار لم يكن مفاجئا كاندثار ميسينا,وانما كان بطيئا مؤلما وباوجاع كموت الجياع,واذا كان لكل داء دواء ,فالعروبة اعيت من يداويها.. المرحومة كانت نقمة اكثر من كونها نعمة.
  العروبة بأشكالها المختلفة ..ان كان سياسي او ثقافي او اقتصادي لاتستطيع ان تشكو من سوء استقبال الشعوب لها ,او من سلبية هذه الشعوب بالتعامل معها ,الشعوب التي انتظرت من العروبة الفرج استقبلتها بالهزيج والمرج ,واعطتها فرصا لاحصر لها ,الشعوب كانت صبورة وغيورة….   أما  لماذا تحولت العروبة من نعمة الى نقمة؟ هنا يجب تحليل معطيات الماضي ومقارنتها مع متطلبات الحاضر والمستقبل,   الماضي يظهر لنا وبسهولة,ان العروبة اتت من الجزيرة العربية ,حيث تطغو القبيلة والقبلية ..حيث النظم الخاصة بالقبيلة ,وحيث نجاح هذه النظم في تسيير امور القبيلة, والعروبة المزودة بالحضارة القبلية لم تستطع ان تطور هذا النظام الى نظام مدني ,يمارس الحضارة الحديثة ..يحترم استقلالية الفرد وسلطة المجتمع على الفرد ثم التعددية,حركات عديدة بدأت بالمنطق السليم وبالنوايا الحسنة ,وانتهت بالممارسة العوجاء والعرجاء,…  الحزب السياسي  أصبح  دين او عشيرة او طائفة, المجتمع  خضع  للفرد الذي مارس الولاية حتى الموت ,فترات حكم مذهلة تقاس بالعقود وليس بالسنين ..وكأن نساء بلاد النيل او صحراء ليبيا او تونس الخضراء قد اصيبوا بالعقم بعد ان انجبوا المبارك او القذافي او زين العابدين  وغيرهم ,ولو اطال الله عمر هؤلاء لأكثر من مئة عام لكان علينا قياس فترة ولايتهم المجيدة بالقرون..شيء لايصدق ..الرؤساء تحولوا الى ملوك وزعماء قبائل ,وهم ..هم ذاتهم من روج لسانيا للتقدم والنهضة ,عمليا تقلص عمر الوطن ليساوي عمر الحاكم مضافا اليه لربما عمر اولاده ,بعدزوال عشيرة الحاكم   سيأتي  الخراب ,هذه كانت الرسالة لتي وجهها تقريبا كل رئيس وملك عربي حمل لواء العروبة .
  ليس من الغريب ان تخطئ العروبة ,ولكن من العجيب ان لاتتعلم  من اخطائها ومن خبراتها الفاشلة,هاهي العروبة السياسية تطبل وتزمر من اجل الوحدة السياسية والاقتصادية والانسانية العربية,العروبة مارست ذلك يشكل يؤسف عليه ..اعتباطي غوغائي محكوم عليه بالموت قبل ولادته ..والامثلة على ذلك كثيرة ..ان كان اندماج اليمن السعيد مع مصر او مشروع وحدة العراق مع الاردن او الاندماجات التي بشر بها القذافي ..وحتى الوحدة بين سوريا ومصر التي دامت عددا قليلا من السنين, لاشيئ يستطيع تبرئة العروبة من تهمة التهور والاعتباطية التي قادت الى الفشل,الذي قضى وبشكل جذري على الكثير من الاحلام والآمال..كل ذلك والشعب الصبور لم يكف لحظة عن اعطاء العروبة الفرصة تلو الاخرى ..شجعها ..دفعها الى الامام كفر من كفر بها ..قاوم من اراد مقاومتها ..والعروبة المسكينة لم تفلح الا في شيئ واحد ,وهو زيادة الانشقاق والتشرذم والتشتت والضعف .
كيف حدث ذلك ؟  الجواب  معقد  بعض  الشسيئ !,وقد تستطيع بعض الافكار من ازالة الحجاب عن الاسرار,والسر هو ان العروبة التي اتت من الجزيرة العربية بحلة القبلية ,لم تتمكن  من  خلع هذه الحلة ,وارتداء لباسا مدنيا ..اتت بالسروال والعباءة وبقيت كذلك ,وهذه هي المشكلة التي لاحل لها ,  تتطلب الوحدة او الاتحاد  حلة مدنية متوجهة الى آفاق   تقدمية سياسية وعلمية ضرورية لبناء الدولة الحديثة ,المنهجية القبلية تستطيع تنظيم امور القبيلة ,ولكنها لاتستطيع تنظيم امور دولة كبيرة ومعقدة ومتواجدة في طور  التأسيس ,تباين الوسيلة مع الهدف هو سبب الفشل ,ومن يريد بناء قلعة الصمود والتحدي والتقدم ,لايقوم بذلك بالمعول والرفش ..الامر يستلزم آليات ثقيلة .. خطة وفكرة ومفكرين وبنائين  وخبرات  ونيات   سليمة .
الامر لايتم بمظاهرات التأييد والمسيرات..كل ذلك اختصره عبد الناصر والقذافي بساعات عمل قليلة ..بين ليلة وضحاها اعلنت الوحدة ! كيف ولماذا ومتى والى اين ؟ اسئلة سامة من المتآمرين والخونة اعداء الشعب!! ..ماقاله الريس هو الصواب ,وما على الشعب الا ان يرقص ويطبل ويزمر لتصرفات سياسية ارتكاسية ضبابية..
  العروبة الخاوية والخالية من المضمون الحضاري الجدي استعملت وسائل ثعلبية في تبرير فشلها المزمن والمتكرر,لقد مارست وبشكل ادماني القاء اللوم على الآخرين ..انها الموآمرات والمخططات المنكرة التي حاكها الاستعمار الغاشم ..الخونة والمندسين والعملاء والصهيونية الشرسة التي هي سبب الداء والبلاء ..انها الرأسملية الجشعة او الاشتركية المادية او الشيوعية الكافرة ..انها العلمانية او الحرية الانفلاتية ..او الحرية التي لاتستحقها الشعوب المسحوقة..هذه العروبة لم تسمح يوما ما ولو للحظة بوقفة تأملية ووجدانية يطرح بها السؤال التالي :هل الضعف الذاتي هو سبب الفشل؟؟..من لايسأل وبالتالي لايعرف موطن الداء ,لايستطيع تقديم الدواء!!
  العروبة الخاوية حضاريا والمصابة بالعنانة الفكرية حاولت ايجاد ركيزة للاتكاء عليها ,وفجأة تحولت الى المواربة الدينية   مقلدة من اعتمر العمامة حاملا بيد سيفا وباليد الاخرى الرسالة ,ناشرا الدين بالعنف والفتوحات البدائية , التي كانت بالرغم من بدائيتها ناجحة في الوصول الى اهدافها  في نشر الاسلام,رسالة هؤلاء كانت دينية وقد كتب لها النجاح ,ولم تكن قومية ,لذا فان تقليدها لتحقيق اهداف قومية مصيره الفشل,اذ ان الوسائل لنشر الدين هي غير الوسائل الضرورية لاقامة  الدولة القومية, ممارسة التقليد ادت الى خلط الدين مع السياسة , وهذا الخليط افرز مايسمى الاسلام السياسي ,الذي لايعرف بوضوح ماذا يريد ,ولم يستطع ولو جزئيا التوصل الى مااراد .
  التفكير الديني الذي تقمص جزئيا في العروبة ,جلب معه اشكالا عدة من الحضارات , من اهمها الخلافات والاقتتالات على الخلافة ,هذه العقلية التي لم تهدف الى اكثر من الحيازة على السلطة ,والتي مثلت حقيقة حياة الخلفاء ومطالبهم ,طغت على الفكر العروبي.
  بعد جهد ملحوظ ,بدأت العروبة بالبحث عن وسادة اخرى للاتكاء عليها , وجدت الاشتراكية التي مزقتها واستهلكتها بلمحة بصر, العروبة خلطت الاشتراكية بالدين ,وهذا الخليط افرز الكثير من النفايات ,التي منها الناصرية والقذافية والصدامية ,اذ ان صدام الاشتراكي احتضن بين ليلة وضحاها القرآن وغير العلم الجمهوري الذي بشر بأن الله هو الاكبر ,داعيا المسلمين الى مؤتمر عاجل قبل الغزو الامريكي وذلك لانقاذ القوم العراقي وثورته الاشتراكية المجيدة,اشتراكية الله الغريبة والعجيبة ..خليط عبيط ..كيف له ان يقود الحياة والشعب الى شاطئ الأمان والرخاء والتقدم.
  للعروبة السياسية التي ادمنت على  القاء اللوم على الآخرين ,والتي فشلت في انتاج خليط مثمر منتج بين الدين مع السياسة ومع الاشتراكية(البعض اطلق عليها اسم الاشتراكية العربية) ,رديف آخر هو العروبة الثقافية ,والتي كان لها حظا اوفر للنجاح,اذ ان وسادة الثقافة لم تكن ضحلة ,لقد كان هناك العديد من الفطاحل..ان كان المتنبي او ابو العلاء المعري او ابن خلدون او الكواكبي او ابن رشد وغيرهم ,الا ان العروبة الثقافية اصيبت بمرض الهلع والفزع من كل صوت نقدي للتاريخ وسبل وسائل الحياة ,العروبة نقلت وحدانية وقدسية الدين الى الثقافة ,الله واحد والثقافة واحدة متمركزة في رأس الحاكم الظالم ,وكل تحريف او محاولة تطوير او تغير كان مصيره التفشيل ومصير مروجه جهنم الدنيا ,لقد انقرضت الثقافة وبترت ,وما بقي منها تافه وناقص , ولم يعط الشعوب على مدى القرون الاخيرة العدد الكافي من الافكار والمفكرين من امثال ابن رشد ,ومعظم ماولد من افكار ومفكرين اعتمد على النقل من ثقافات اخرى,واذا كان ناقل الكفر ليس كافر ,فان ناقل العلم ايضا ليس عالم  .
كان   مرض العروبة كامننا في خواها وفراغها من المضامين الضرورية للحياة ,لم تنجح سياسيا, ولم تنجح ثقافيا ,وما نراه اليوم من تأخر لم يأت من العدم ..انها العروبة رحمها الله!!!!(منقول)
ميرا  بيطار :syriano.net
رابط  المقال  :https://syriano.net/2020/10

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *