لا دين لمن لا عقل له…..

ريتا  فرح  :

  يقول محمد حسين يعقوب: «إذا ركبت حمارًا لتصل بيت العمدة، فبمجرد وصولك تتركه في الخارج وتدخل بدونه، كذلك العقل يوصلك للدين ويتوقف عمله!»([i])

أُبتلينا بقوم حين نحاورهم بالعقل يقولون: الدين لا يُؤخذ بالعقل، وعلاقتنا بالله قوامها التسليم، الذي يلزمه اتباعه حتى لو لم تقتنع. فقل لي: ما الحكمة في أن الظهر أربع ركعات؟ ومشهور قول الإمام علي: «لو كان الدين يُؤخذ بالعقل لمسحنا أسفل الخف وليس أعلاه»، ولو أعملنا عقولنا في الدين، فأي عقل سنتبع؟!

ومن غير المسلمين يقول تشارلز دوكنز: «الإيمان يجعل الإنسان يصدِّق أفكارًا ويقوم بتصرفات هو نفسه غير مقتنع بها!«.

هي مسألة مفجعة أن نجد شخصًا يردد ما لا يفهمه، ويؤمن بما لا يقتنع به، ويفعل ما يراه عقله خطأ، هو مسخ فقد أهليته للتفكير!

ولفض اللبس يجب تحليل فروع الدين، ومواجهة النقل بالعقل في كل فرع لتحديد العلاقة بينهما.

يقول د. محمد المدني: الشريعة الإسلامية لها ميادين ثلاثة في حياة الناس تصول وتجول، ولها في كل ميدان أسلوب([ii]):

1- العقائد

يُلزِمنا الدين بالإيمانه بالله، وملائكته، والشياطين، والجنة، والنار… إلخ.

أما العقل فله ثلاثة اختيارات للوجود: واجب الوجود، جائز، مستحيل. فيشهد بوجوب وجود الله، حيث يستحيل وجود الكون بدون خالق له، أما باقي الغيبيات، فلا يجد العقل ضرورة تجعلها واجبة الوجود أو مستحيلة، بل هي جائزة، فلا مانع عقلي من وجود ملائكة وشياطين … إلخ. ولأنها تغيب عن عالمنا ومدركاتنا، فلا يملك العقل أن يثبت أو ينفي وجودها، مثلما يرشدنا أحد بأن طريقًا ما يوجد به قاطع طريق وطريق آخر به حدائق، فالعقل لا يملك تقديم انتقاد لأنه لم يطلع على الطريقين، فيلزم التصديق إن وثق في صدق المخبِر. وهذا دور الدين هنا (المخبر الواصف). وبذلك فهي أمور تغيب عن العقل وليست ضد العقل.

يقول محمد رشيد رضا: «ليس في عقائد الإسلام شيء يحكم العقل باستحالته، وإنما فيه أخبار عن عالم الغيب لا يستقل العقل بمعرفتها لعدم الاطلاع على ذلك العالم، ولكنها كلها من الممكنات أخبر بها الوحي فصدقناه. فالإسلام لا يكلف أحدًا أن يأخذ بالمحال».([iii])

2- العبادات

قد يُظهِر الله العلة من العبادة؛ فعلة الصيام التقوى، وعلة الزكاة مساعدة الفقراء، لكن قد لا نعرف العلة، كما نهى الله آدم وحواء عن شجرة معينة، فلا نعلم ميزة لهذه الشجرة عن غيرها، وكهيئة الصلاة، وقد حرَّم سبحانه مأكولات كانت حلالًا، (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ)، وذلك يثبت أن علة العبادة: الامتثال لله؛ فنحن نصلي الظهر أربع ركعات امتثالًا لأمر الخالق. وهذا الباب يحكمه قاعدة: لا يُعبَد الله إلا بما شرع. فتدخل الدين هنا باعتباره (المنشِئ المحدد)؛ فالأصل في العبادات أنها ممنوعة حتى يرد من الشارع ما يدل على طلبها ويبين لنا هيئتها.

وهذا الباب لا يعارض العقل؛ لأن مدار بحث العقل: اكتشاف الصواب والخطأ. أما مدار العبادات: أفعال، منها المفيد للعبد مباشرة، ومنها طاعة لصاحب الفضل الأعظم: الخالق الرازق، فهو موقف أخلاقي تفرضه الفطرة على العبد تجاه خالقه.

يقول عبد الجبار: «العقل يدل على وجوب شكر المنعِم وعبادته، لكنه لا يدل على أعيان الأفعال التي بها يعبد، ولا على شروطها، وأوقاتها وأماكنها«([iv])

3- المعاملات

يُقصد بالمعاملات هو التعامل مع النفس والناس والكون، والشريعة لم تنشئ للناس صور التعامل والتعاون، ولكنها جاءت فوجدت صورًا يُتعامل بها، وهي لا تتدخل في هذا الميدان مفصلًا كالعبادة، بل ترسم حدودًا عامة لحماية الأخلاقيات والمباديء، من عدل ورحمة ومحبة، وهو أسلوب (النقد المهذب).

ولم تنزل الشريعة إلا لمصلحة العباد، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)، (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ).

طالما غاية الشريعة: مصلحة العباد، فالسؤال للعقل: هل يستطيع العقل تحديد المصلحة؟

يرى المعتزلة والماتريدية وابن تيمية أن الحسن والقبح ذاتيان في الأفعال، فالأمانة حسنة لذاتها، وقتل الطفل قبيح لذاته، والعقل يستطيع تمييز الحسن والقبح، فكلنا يعرف أن قتل الطفل قبيح قبل نزول الوحي. وهنا يثور سؤال: إن كان العقل قادرًا على معرفة الحسن والقبح، فلماذا أنزل الله شريعته؟

يستطيع العقل إدراك حسن وقبح بعض الأفعال على الجملة، فالظلم قبيح، لكن بعض الأفعال قد تكون مركبة بحيث يختلف إدراك العقول في حسنها أو قبحها، ولذلك نزل الوحي ليكشف عنها، وبذلك فالدين كاشف لما يجمله العقل.([v])

طالما العقل والنقل باحثان عن الحسن والقبح، هنا يثور السؤال الحاسم: ماذا لو تعارض النقل مع العقل؟

حين نذكر العقل نقصد الاعتقادات اليقينية/الضرورية، وليس مجرد ظنون أو اجتهادات فردية نسبية/مذهبية، أما عن النص فيجب تقسيمه لقطعي الدلالة وظني الدلالة.

1- العقل اليقيني والنص القطعي

جدير بالذكر أن الإنسان يصل للدين بالعقل، وأي رسالة تدَّعي أنها من عند الله يجب أن تخضع للعقل ليحكم عليها، إذن فالإيمان بالدين يحتكم للعقل، وهو أحد نتائج العقل، وبالتالي فالعقل أول الأدلة. أما الذين لا يثقون بالعقل يقدحون في الدين نفسه لأنه نتاج عقل فاسد (في نظرهم)! وكيف يحتكم الدين إلى أسس العقل ثم يناقضها؟! وكيف يأمر باستخدام العقل ثم يبطل نتائجه؟! ولماذا خلق الله لنا عقلًا متسائلًا؟!

لذلك يجب المصارحة بأن أي دين يتعارض مع العقل اليقيني هو دين فاسد، يقول الغزالي: «لو قال لي قائل أن الثلاثة أكبر من العشرة بدليل أني أقلب العصا ثعبانًا، وقلبها، وشاهدت ذلك منه، لم أشك بسببه في معرفتي، ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه»([vi])، ومن بعده محمد الغزالي يقول: «إن كل تدين يجافي العلم ويخاصم الفكر، ويرفض عقد صُلح شريف مع الحياة .. هو تدين فقد كل صلاحيته للبقاء».

أما عن الإسلام، فقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ)، يقول الغزالي: الميزان: هو العقل.([vii]) اقتضت حكمته تعالى أن يخلق للبشر عقولًا يزنون بها الحق والباطل، يدركون بها الحسن والقبح، ومن ثم لم يسق لنا أوامره قهرًا، وإنما أقنعنا بها، واحتكم إلى مبادئ العقل المنطقية لنهتدي إليه، (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا)، (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ)، وبالعقل عرفنا أن الله موجود، وأنه واحد، وبالعقل عرفنا أن محمدًا رسوله، وبالعقل عرفنا أن القرآن كلامه، وبالعقل فهمناه. وقد وجَّه الله خطابه لأولي الألباب، وهو الذي دعانا لإعمال العقل، (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ).

يقول محمد عبده: «من رُبّي على التسليم بغير عقل، والعمل ولو صالحًا بغير فقه، فهو غير مؤمن. فليس القصد من الإيمان أن يذلل الإنسان للخير كالحيوان، بل القصد منه أن يرتقي عقله ونفسه بالعلم، فيعمل الخير لأنه يفقه أنه نافع مرضي لله، ويترك الشر لأنه يفهم سوء عاقبته».([viii])

ويقول د. أحمد صبحي: «يكاد ينعقد إجماع أئمة الفقه وعلماء الكلام على عدم جواز الإيمان تقليدًا، إذ أن من اعتمد الحق دون دليل يعتبر عاصيًا بتركه النظر والاستدلال المؤديين إلى معرفة أدلة قواعد الدين، فقد ذهب إلى ذلك الأئمة الأربعة، وأهل الحديث، والمعتزلة، وأهل الظاهر، والأشاعرة. وننوه بسمة من أهم سمات الفكر الإسلامي: وهي الاعتداد بالعقل وإيجاب الإيمان بعد نظر واستدلال».([ix])

ويقول الغزالي: «مثال العقل: البصر السليم، ومثال القرآن: الشمس المضيء، فإذا استغنى المرء بأحدهما عن الآخر كان في غمار الأغبياء؛ فالمعرض عن العقل مكتفيًا بنور القرآن مثل المتعرض لنور الشمس مغمضًا للأجفان، فلا فرق بينه وبين العميان. فالعقل مع الشرع نور على نور».([x])

وبهذه العقلية يرى الإسلام وجوب البحث لفهم كتاب الله المنظور (الكون)، والتدبر لفهم كتابه المستور (القرآن) لنجد الاتفاق والتكامل بينهما، ويستحيل أن يعارض النص القطعي العقل اليقيني، وهو مما أجمع عليه كل علماء الإسلام.

2- العقل اليقيني والنص الظني

النص الظني هو القابل للتأويل (أي صرف النص عن ظاهره)، هنا وجدنا حفنة من الجهلاء أنكروا التأويل، وقالوا أن النص يُؤخذ على ظاهره مهما كان دون أي التفات للعقل. وهو ما جعلهم يقبلون متناقضات، ويؤمنون بما يخالف العقل. والواقع يشهد أنهم اضطروا لتأويل بعض النصوص! فكيف فهموا «إن الله يقول: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني»، هل مرض الله على الحقيقة أم انساب مرض العبد لله تشريفًا للعبد؟! و(وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا)، هل يسود وجهه فعلًا أم كناية عن الحزن؟! و(وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)، هل نسأل أرض القرية ومبانيها أم كناية عن أهلها؟!

أما جل العلماء فأدركوا أن النص القابل للتأويل لغويًا يحتمل معنيين: ظاهر النص وتأويله. وطالما المعنى الظاهري يعارض العقل فيجب رده وقبول التأويل، ذلك لا يعني تقديم العقل على النقل كأنهم يثقون في العقل ولا يصدقون الله ورسوله! بل هو تقديم فهم على فهم، وكلاهما يحتمله النص.

يقول الرازي: «إذا تعارضت الظواهر النقلية والقواطع العقلية، فإما أن يُجمع بينهما، وهو محال لأنه جمع بين النقيضين، وإما أن يُردا جميعًا، وإما أن يقدم السمع وهو محال لأن العقل أصل النقل، فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحًا في العقل الذي هو أصل النقل، والقدح في أصل الشيء قدح فيه، فكان تقديم النقل قدحًا في النقل والعقل جميعًا، فوجب تقديم العقل، ثم النقل إما أن يتأول، وإما أن يُفوض».

ويقول الغزالي: «كل ما ورد السمع به يُنظر، فإن كان العقل مجوِّزًا له وجب التصديق به، وأما ما قضى العقل باستحالته فيجب تأويل ما ورد السمع به».([xi])

ويقول ابن رشد: «نحن نقطع قطعًا أن كل ما أدّى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي. وهذه القضية لا يشك فيها مسلم، ولا يرتاب بها مؤمن. وما أعظم ازدياد اليقين بها عند من زاول هذا المعنى وجرَّبه، وقصد هذا المقصد من الجمع بين المعقول والمنقول».([xii])

ويقول ابن القيم: «إذا تعارض دليلان سمعيان أو عقليان، أو سمعي وعقلي، فإما أن يكونا قطعيين، وإما أن يكونا ظنيين، وإما أن يكون أحدهما قطعيًا والآخر ظنيًا، فأما القطعيان فلا يمكن تعارضهما في الأقسام الثلاثة، لأن الدليل القطعي هو الذي يستلزم مدلوله قطعيًا، ولو تعارضا لزم الجمع بين النقيضين، وهذا لا يشك فيه أحد من العقلاء، وإن كان أحدهما قطعيًا والآخر ظنيًا تعين تقديم القطعي، سواء كان عقليًا أو سمعيًا، وإن كانا ظنيين صرنا إلى الترجيح ووجب تقديم الراجح منهما، وهذا تقسيم راجح متفق على مضمونه بين العقلاء».([xiii])

ويقول جمال الدين الأفغاني: «القرآن يجب أن يجل عن مخالفتة للعلم الحقيقي، خصوصًا في الكليات. فإذا لم نر في القرآن ما يوافق صريح العلم والكليات، اكتفينا بما جاء فيه من الإشارة، ورجعنا إلى التأويل».([xiv])

ويقول محمد عبده: «لقد اتفق أهل الملة الإسلامية، إلا قليلًا مما لا يُنظر إليه، على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل، وبقي في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول، مع الاعتراف بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى الله في علمه. والطريق الثانية: تأويل النقل، مع المحافظة على قوانين اللغة، حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل».([xv])

وبذلك يتبين أن هذا الدين لم يأت لإلغاء العقل وإنما هو نفسه قام على العقل، واحتكم إلى العقل، وفهمناه بالعقل. وهؤلاء الذين يزايدون لنسلِّم للنص لاغين عقولنا ليسوا ورعين، بل هو إيمان المغفلين الذين يغمضون أجفانهم ليسيروا على طريق الله عميانًا، فخرجوا عن الطريق دون أن يروا، فلا احترموا عقلهم، ولا عبدوا ربهم.

أما الطريق إلى الله فقد وصفه سبحانه: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ)

ريتا  فرح  :syriano.net

رابط  المقال :https://syriano.net/2020/07

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *