تحطيم التاريخ السوري ..مستمر !

سوريا محطمة  , حتى لو توقفت الحرب  هذا اليوم ,  فعملية  الترميم واعادة البناء ستكون صعبة جدا  , والتكاليف المنتظرة  تفوق مئات المليارات, واعادة سوريا  اجتماعيا  الى مرحلة الخمسينات سيكون أيضا صعبا جدا ,والنجاح  هنا  يتطلب  جيلين  على  الأقل   , اننا أمام ورطة  لانظير لها  , اننا أما تخريب مستمر منذ  أربع  عشر  قرنا  .

لما  كان البناء أصعب بكثير من التخريب  , لذا يلزم  سوريا في أحسن  الأحوال مئة عام لاصلاح   تخريب    السنين  الخمسين  الأخيرة  , هذا اذا استطاعت سوريا الحصول على  مساعدات  شبيهة  بالمساعدات الأمريكية لألمانيا (مارشال ) بعد الحرب العالمية الثانية , انتصار الأسد سوف لن يشجع    الغرب  على  تقديم  المساعدات, كما أن انتصار  التيار الاسلامي سوف  يعيق   تقديم   المساعدات  من  قبل  الاتحاد  الأوروبي  أو  الغرب  بشكل  عام  , ومن روسيا  والصين  سوف لن تكون هناك مساعدة للبناء ,  ومن ايران المفلسة ماليا  سوف لن تكون هناك مساعدة  باستثناء القنابل العنقودية , اننا في مأزق رهيب !.

كيف حدث كل ذلك ؟تحطيم سوريا ليس قدر  , انه من صنع الانسان  , انه من صنع اللاعب السياسي  , فهناك اللاعب السياسي  المعادي لسوريا  , ومنطقه الذاتي يحلل له هذا التحطيم , والقاسم المشترك في العلاقات الدولية  , هو تحطيم العدو ونصرة الصديق , وما حدث في السنين  الخمسين الأخيرة  يمكن وصفه تجاوزا  بصناعة الأعداء , وصناعة الأعداء بلغت  ذروتها  في الأعوام 2011-2012 ,  ليس لسوريا الآن   من أصدقاء  سوى   الفقر والخراب , لم  يتم صنع الأعداء  لأسباب تتعلق برخاء وأمن  وتقدم سوريا , وانما للاتجار   بهذا العداء  وبالتالي الكسب السياسي داخليا  , والآلية واضحة ,  نجرم ونشيطن الغير , ثم ندعي العداء له , أي أن سوريا بالتحصيل  معارضة   للشيطان  ومقاومة له  وممانعة .. وهذه الطريقة ليست جديدة علىى السياسة الدولية … ..قديمة قدم السياسة ! .

ومن حولتهم السياسة السورية  الى اعداء ! , تصرفوا   كأعداء  , هدفهم النيل من سوريا , وهذا مافعلوه ,اذا كان منطق الأعداء الذاتي يحلل ويفرض  تحطيم سوريا  , فانه من المنطقي أن يكون للقيادة السورية الباع الأكبر  في تحطيم سوريا ,  وارتكاب الأخطاء  هي الطريق   الأسرع  للتحطيم   , الذي أصبح الآن شبه “كامل”  ,  القصد من  كلمة “كامل ” هو انه  سوف لن يكون بمقدور سوريا يوما ما أن تعاوض  الخسارة التي لحقت بها ..ماديا ..عمرانيا ..اجتماعيا..سياسيا ..الخ ,حتى أنه ليس من المؤكد أن تبقى سوريا دولة  بالمعنى السياسي والقانوني للكلمة , من المرجح اندثار الدولة , وليس من السهل التلفظ بكلمة “اندثار” بدون مرارة  قاتلة , الا أن الواقع كذلك  , ويجب تسميته بالاسم المناسب .

لم  يكن  هناك خطأ أو اثنين أو ثلاثة ألخ , لقد  احتكرت السلطة السورية ممارسة الأخطاء , ومن يشك بذلك  عليه النظر الى الواقع السوري , الذي من ألصعب أن يكون أسوء , ولاينفع هنا  العويل والصراخ وشتم الاستعمار ,  فالسلطة السورية مسؤولة  عن ماحدث   اضافة  الى  مسؤولية  الفصائل  , التي  لاتقل  عن  مسؤولية   السلطة  , لأنها كانت سلطة مطلقة , لم تشارك أحد في تحمل المسؤولية  , وحتى السلطة  “كجهاز” ليس مسؤولا  تماما , اذ لايوجد في سوريا  الا جهاز واحد هو “الرئيس” , والرئيس تبعا لذلك مسؤول أمام التاريخ , وقد  يكون مسؤولا أمام القاضي, ومسؤوليته أمام القاضي   لاتحتاج الى رحيله , هذا في الدول التي تمارس 1%من   الديموقراطية  واستقلالية   القضاء !.

أسباب  ارتكاب الأخطاء, هو التباين بين  مايريده الرئيس وبين مايريد الوطن ,فالوطن يريد الحرية ,والرئيس يريد العبودية , الوطن يريد الديموقراطية , والرئيس يريد الديكتاتورية , الوطن لايريد الفساد , والرئيس أمعن في الفساد , الوطن يريد  الرغد والازدهار  , والرئيس  نهب مع شلته  موارد الوطن  وحول الوطن الى مزرعة  , الوطن لايريد الطائفية  , والرئيس  مسخ السياسة لصالح الطائفية  , الوطن اراد جمهورية , والرئيس حولها الى مملكة , الوطن  يريد الانفتاح على العالم , والرئيس عزل الوطن عن العالم , الوطن يريد جيشا قوميا , والرئيس حول الجيش الى كتائب خاصة  , الوطن يريد  جيشا مهنيا  , والرئيس حوله الى جيش عقائدي  , ويا ليته “عقائدي ” سياسي  , انه عقائدي مذهبي طائفي .. ولا يوجد مجال في الحياة السورية , الا وكان هناك تعاكس بين ارادة  السيد الرئيس وارادة الوطن الحقيقية , هنا اتحدث عن  الناحية العملية الواقعية , وليس عن الكلام  والخطب والبياناات .

سأسمح لنفسي بشيئ من التفصيل , أهم عامل  قاد الى تحطيم سوريا  كان الفشل الذريع بعد عام 2000  , هنا أنسى أو اتناسى  عمدا  فترة مابين 1970 وسنة 2000  , لقد كان بمقدور  الوريث  عام 2000  الانخراط تحت لواء  الربيع الدمشقي  أوالربيع البيروتي , الا أن مافعله كان  العكس تماما , لقد حطم  ربيع دمشق  وحطم ربيع بيروت , وزج  بالربيعيين في السجون ,ولم يحسب أي حساب للربيع العربي  , لقد   قال في عام  ٢٠١١ , على  أنه  لاموجب للربيع العربي في سوريا , وقد برر الأسد ماقاله عن  عدم ضرورة الربيع العربي في سوريا  ,  بالقول ان سوريا دولة مقاومة وممانعة , وكأن المقاومة والممانعة هي كل شيئ في حياة  الانسان  السوري, نسي الرئيس موضوع  الحريات والديموقراطية والعدالة الاجتماعية  والفساد , وخاصة ترتيب سوريا  في قائمة الشفافية(العاشرة من الوراء), ليس لأنه اراد الكذب ,وانما  لأن كل هذا “الهراء” لايهمه (وهو الذي  اطلق كلمة ” الهراء “على  الاصلاحات  , كم ورد في رسالة لزوجته  قبل  سنين )

اعتقال الربيع السوري  في السنوات الأولى  لحكمه , أو ولايته  , قاد الى امتلاء السجون , والى تفريغ البلاد من السياسة  , وهذا يعني على أنه قدم البلاد  لقمة سائغة  للتيارات الدينية  , التي بدأ بالتملق لها  , اذ يقال على أن الأسد بنى ورمم  8000  مسجد  و 500  كنيسة  , ثم اسس مدارس  لتحفيظ القرآن , وتخرج من هذه المدارس  60000 من  مبتوري العقل  من الدرجة الأولى , ولم يكن الأسد يوما ما علماني  , وانما أصولي ,  بشكل يختلف بعض الشيئ عن الأصوليات الأخرى  , الا أنه  كان ولا يزال من  اسوئها ,  لقد  اعطى  السلطة صبغة علوية كاذبة , وهذا ماقاد ألى  تطور المعارضة باتجاه سني ,   حقيقة الأمر  هو  أنه  ينتمي الى “طائفة ” الأسدية , وهي  طائفة  مختلفة  عن  الطائفة  العلوية , الصبغة العلوية للسلطة  لم تكن  الا وسيلة  لتجنيد أكبر عدد ممكن من الطائفة العلوية في خدمته , وبالتالي أوقع الطائفة العلوية في مطب العداء التاريخي مع الطوائف الأخرى , أخذ   الصراع  في  سوريا  بسبب  ذلك  منحىا طائفيا قذرا ,  دمر  البلاد   نهائيا أوشرذمتها  الى دويلات مذهبية  غير  قابلة  للاصلاح  .

لم تبق الأمور على ماكانت عليه قبل عام 2000, انما ازدادت سوءا , بالرغم من سوئها  الغير قابل للتصور  , فطائفية ومحسوبية  وفساد السلطة  انفلتت بشكل كارثي ,وتحول رجال الفساد من مأمورين في زمن الأب الى آمرين في زمن الابن ,  لقد وضعهم الأب تحت تصرفه  وكان بامكانه  أحيانا  تصفية أحدهم , أما الابن فقد وضع نفسه تحت تصرفهم ,  لقد   أمر  الابن  على سبيل المثال بوضع رياض سيف في السجن لسنوات  لأنه  , وهو العضو المنتخب  في مجلس الشعب , سأل عن  بعض التفاصيل بما يخص   ثروة رامي مخلوف , ثم انه وضع  ميشيل كيلو لسنوات في السجن  وذلك لحمايته  من  القتل !!! , ولم يكن باستطاعته وضع من أراد قتل ميشيل كيلو في السجن ,  ومن أراد قتله كان آصف شوكت, لذلك يسجن المجني عليه , ويبقى الجاني حرا طليقا .

بعد عام 2000 تزايد العنف  والقتل  وازدادت سطوة رجال الأمن  وتعطل القضاء نهائيا  وتحولت البلاد الى مزرعة رسمية لآل الأسد ,انحطاط نظام القائد الخالد  ازداد عمقا  في ولاية  القائد للأبد    , كل ذلك ,اضافة اليه الفقر والافقار الذي الم بالانسان السوري ولعدة أسباب , منها  الانفجار السكاني  الفظيع  والذي لم تعالجه القيادة الحكيمة  بأي شكل من الأشكال , فلا تشجيع   على  تحديد  الانجاب  , ولا توسيع لموارد الرزق والعمل , اكثر من 40% من الميزانية  كان للجيش  الخصوصي , الذي نال الاسم الذي يستحقه  , كتائب الأسد ,  اضافة الى ذلك سنين  القحف والجفاف  مابين عام 2006 و 2010 , اضافة الى  عشرات الألوف من أنصاف المتعلمين  , الذين لم يجدوا عملا  في سوريا , وان وجدوا عملا  فهي الوظيفة  التي تدر ما لايسد الرمق , وبالتالي تحول الموظف الى محتال  لكي يعيش , ثم   عدم  اهتمام السلطة  بما يسمى  العمق  التشغيلي للمواطن السوري , فعشرات الألوف من المواطنين السوريين  اعتاشوا من العمل في الخليج , والقيادة الحكيمة  لم تفكر بهؤلاء  , لقد اغلقت في وجههم  العمق المعيشي  عن طريق  اصطناعها  للأزمات مع الخليج  انطلاقا من  النظرية التي تقول , من يعارض الرجعية هو تقدمي  , ومن يعارض الخونة هو وطني ,  بالمقابل  فتحت القيادة الحكيمة الباب على مصراعيه للتوغل  الايراني  , الذي  اهتم بالعمق الاستراتيجي وليس بالعمق  المعيشي  للسوريين , لا أعرف سوريا يعمل في ايران , ويرسل الأموال الى أهله وأقربائه .

لقد ناصبت القيادة الحكيمة العداء   لكل العالم تقريبا من أجل  محورها  الشيعي مع ايران وحزب الله , وحتى لبنان لم يبق مصدر رزق لألوف العائلات  الداخلية والساحلية , اذ  انفلتت نقمة اللبنانيين على السوريين  العاملين في لبنان بعد رحيل الجيش السوري , هذه النقمة التي تجلت بأعمال العنف ضدهم ,  والنقمة الشعبية اللبنانة لها أسبابها , التي هي  احتلال لبنان وسرقته  ونهبه , والاستمرار في  العمل لتخريب لبنان عن طريق مساعدة حزب الله ليقيم دولة ضمن دولة.

ما يحدث الآن من  تخريب وتهديم وقتل   ليس مفاجأة , وانما هو نتيجة حتمية لسياسة   قاصرة , ولو يقتصر الأمر على خسارة خمسين سنة من عمر سوريا  لهان الأمر بعض الشيئ , الوطن السوري خسر من حياته  مئة سنة على الأقل ..هذا في أحسن الأحوال !!

سمير  صادق  :syriano.net
رابط  المقبال :: https://syriano.net/2020/05

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *