بين الاختلاف والخلاف …

نبيهة حنا  :

   يطالب البعض,  وأظنهم   كثيرون في  هذه  البلاد   بالوحدة  الوطنية,    وتوحيد   الجهود  من  أجل    تجاوز  الأزمة  والنهوض  بالوطن  الجريح   أو    الميت    من  كثرة  الجروح  والتجريح  ,هناك  تباين  شلسع  بين مايريده   معظم   المطالبون  بالوحدة   الوطنية  وبين ما   حققوه ؟ حقيقة  لانرى   في  هذا   الوطن   سوى  الوهن  والتردي  والتأخر  والفشل ,

أولا  يجب  التأكيد  على   أنه لما  تسمى  للوحدة  الوطنية  مستويات  مختلفة   ,  والمستوى    الذي   يمكن له  أن  يكون  قاسما  مشتركا   بين  الجميع  هو   ارادة   الخير  والتقدم  للبلاد ,     الوحدة  الوطنية  تعني  وحدة  الانتماء  للوطن  , فلا  وحدة  وطنية  مع روافد  جيش  محمد  التركي -العثماني من  السوريين    انتحالا  وشكلا   ,  الوحدة  الوطنية   هي  وحدة  اجتماعية   ,  اذ  لايمكن  للمرأة  أن  تتحد  مع  من  يعتبرها  ناقصة  عقل  ودين    …الوحدة  الوطنية  تعني   المساواة  بين  فئات   الشعب  مهما  كبرت  الفئة أو  صغرت   ,  يجب  أن  يكون  رئيس  الدولة  سوري !!!    وهل   ضرورة  كونه  مسلم  أيضا  من  مستلزمات  الوحدة  الوطنية   ؟؟ ,   هل   الدولة  مشيخة  أو  دار  افتاء….؟؟؟ .

لاوحدة  وطنية بخصوص الرؤية , ولا  وحدة  وطنية   بخصوص   الموقف , ولا   ادراك   المشاكل, ولا  حتى  علاجها!,هذه  المستويات   هي  مستويات   الاختلاف  الخلاق   ,  والمحافظة  على فوائد  وايجابيات  الاختلاف  على  هذا المستويات    هوضرورة  حياتية  ,    ,  ذلك  لأن  الفكر  الموحد  عقيم,  والموقف   الموحد   هو  بحد  ذاته  ديكتاتورية ,  أو  أنه   يسمح  للديكتاتورية  بركوبه , أعجب  هنا   من خلفية  الدعوات  اليتيمة   لتوحيد   الصفوف   ونبذ  الخلافات    والتهديد  بالفتنة ,  اذ  لاوجود    لشبيه  لها    في   المجتمعات   التي  تقدمت  وحلت  مشاكلها  وأزماتها   بنفسها  ,التقدم  هو  أيضا   ترجمة  لتجاوز  المحن  والأزمات   وحلها   ,  والمجتمعات  المتقدمة    تستطيع من  حل  مشاكلها  خاصة   وحصرا  بوجود  الاختلاف  الخلاق والمقتدر  على ابتكار   أفضل   الحلول  لأسوء  المشاكل ….عدم  مقدرتنا  على   الحوار   والتفاعل  المنتج    مع   الاختلاف  ,  هو   المحفز    للمطالبة  بالغاء  الاختلاف   لتحقيق   الوحدة   الوطنية   المنشودة  ,   الاختلاف  هو   من  طبيعة   الانسان  ,  وتحول   الاختلاف  الى  خلاف,   يعود  الى    القصور   في  التعامل  والتفاعل (الحوار  والنقاش) مع  الغير  , القصور   هو  في   الحوار  والنقاش   الموضوعي  العلمي , والمشكلة   لاتعود   الى  الاختلاف    وتعدد  وجهات  النظر  ,   لايمت  مفهوم  الوحدة  الوطنية  الى    التجانس   بأي  صلة   ,  والوحدة  الوطنية لاتقوم  على  مايجمع  الناس  فحسب , انما   على  مايميزهم  عن  بعضهم  البعض  ,تمايز   الناس  اي   اختلافهم  عن  بعضهم  البعض  هو  وحدة  في  الاختلاف ,   وليس    مصدرا   للخلاف  , يتحول  الاختلاف   الى  خلاف   في  غياب  ثقافة  الحوار  والتفاعل  ,  الغاء  الاختلاف   لتحقيق  الوحدة  الوطنية   ليس   سوى  ترجمة   لالغاء    الآخر   من   البشر    ,  وهل  هناك    من  فائدة  في  الغاء   بشر  الوطن ؟؟ ..  عندما   نتعلم    اساليب    الحوار   الصحيحة  والتعامل  المنتج  مع  الغير    في  اطار  الاختلاف   ,نكون   قد  حققنا  الوحدة  الوطنية   ,  الجهل  هو   عدو  الوحدة  الوطنية  الرئيسي  .

تحول   مفهوم   الوحدة  الوطنية   الطوباوي   الى بازار  للاستغلال  والاحتيال   والتقزيم  والتشويه  والتكاذب ,  ثم    الانتحال  والمزايدة   والنفاق  ,   ومصدرا  أساسيا  لممارسة الالغاء  والاقصاء,  فمن  أجل وهم   الوحدة  الوطنية   الضبابية   كانت  هناك  ممارسات   لاعلاقة  لها  بخير  البلاد   , لقد  تم  عن  طريق   هذه  الدعوة التأسيس   الى   حالة  القطيع ,  قطيع موحد   ومتحد  شكلا   , لاشبيه  له  سوى   بالحالة  الديكتاتورية  وبالحالة  الشمولية   وبنفاق نتائج  رائعة   لاستفتاء   أو  انتخاب  من  نوع  ٩٩,٩٩٪  لصالح    المخلوق   المروع   ,  اعلان  نتائج  من  هذا  النوع المنحط ,   هو  بمثابة اعلان  عن  وجود  حالة  وطنية  منحطة ….  استهزاء  ….!هل    يمكن   للوحدة  الوطنية  أن  تكون   أوضح  وأقوى   وأثبت   من  وحدة   ٩٩,٩٩٪   لصالح    الرئيس  الذي  هو  الوطن    ,  بالرغم  من  تلك  الوحدة  الوطنية  الرائعة   بنسبة ٩٩,٩٩٪  من  الشعب     العظيم ,   أصبحنا   معيارا للتشتت  والغربة  ولممارسة  اقصاء والغاء   الآخر   , وحدة    مطلقة  تتمظهر   بتشتت  مطلق   وبحروب مطلقة   بين  فئات  الشعب  والسلطة ,  وبين  الشعب  والشعب …. كل  يحارب   الجميع !!!,  الا  يجدر  بنا    التساؤل عن  السر  في   تمكن   الدول  الراقيىة     المتقدمة   من  حل   مشاكلها    بنجاح   وبوجود   ثنائية   الحكومة -المعارضة  ,  الذي   تمثل    تبعا   لمعايير    الوحدة  الوطنية   المروج  لها  , حالة   انعدام  الوحدة  الوطنية,  بمفهومها   المحلي   الغيبي   المؤسس   على   خلفية   “التوحيد ”  الدينية  وعلى  العصبية ,  لقد  تحول   البعض, من  حيث   لايدري ,  الى   بوق   للدعوة   للتوحيد   المشتق  من  الثقافة  الديتية ,  التي  فقدت  صلاحيتها ,

الداعية  الوطنية   الفذة  , والمنظرة   لعبقرية  اكتشاف  دواء   توحيد    الصفوف , وشحذ   الهمم  , لأجل  انقاذ   الوطن   , والمطمئن    لفاعلية    تقليعة   الدعوة   للوحدة    الوطنية   الباهتة   التلفيقية   , والى  توحيد  الصفوف والجهود   من  أجل   انقاذ  البلاد   ,    هو  الانسان  الببغائي   الذي    يعطي   نصائح   ليست  من  أجل  ترقية  الوطن  , انما  من  أجل   الترقية  الذاتية  الى  مصاف    فضلاء   الوطن   ,   النقد  الذي  يضمن  رأيا  آخر  هو  ممارسة  للوحدة  الوطنية  ,    فحسب  ما   أعرف  يقود  النقد   الى  الترقي  والتقدم   ,  وهل  الترقي والتقدم   مضادا   للوحدة  الوطنية, التي  تعني  أن   يشبع   الجميع  خبزا  أيضا  .,  جوع  البعض   هو  من  مضادات   الوحدة  الوطنية   ,  لذلك   أعتبر  النقد   الذي  يدحر   الجوع  , من  أهم  معالم  الوحدة  الوطنية .

أول   نتيجة    لهذه  الدعوة   كانت  الغاء  أو  تقزيم  مفهوم   المعارضة  السياسية  ,  التي   سقطت   لكونها  تعارض  ,  ولم  تشترك   مع   أبواق    المنشدين   للوحدة  الوطنية   ..  وحدة وطنية  باقامة  الأحزمة   حول  الأكراد  ,  وحدة  وطنية   مع   الغلبة  الغالبة  ومع  تعدد   الزوجات  ونصفية  شهادة المرأة ,  ثم    اعتبارها  ناقصة  عقل   ودين . ؟؟,  فالعرب   من  أكثر   شعوب  الدنيا   حديثا  عن  الوحدة   , ومن   أكثر  شعوب   الدنيا  شقاقا  ونفاقا   …  من   أكثر  شعوب  العالم    حديثا  وتفاخرا  بالوطنية  والشعب  العظيم   والبدوية  التي  لم  تتوقف   عن  انارة     طريق  البشرية  طوال    أربع  عشر  قرنا .أو  نقاش   أو  نقد

لا  تتطلب وحدة  الموقف   ووحدة   الرأي     المطلوبة     أي  تفاعل  أو  نقاش  أو  نقد  ,   هنا يتم   فرض   الرأي  ,عادة    في  اطار   القسر  وهيمنة   جهة   على  جهة   أخرى  وعلى  الجميع  ,  حالة مفرزة    للتأزم  وبالتالي  الخلاف الذي  قد  يتطور   الى   الحرب ,    يطالب  الاسلاميون  بوحدة   الرأي  والموقف  , ويقصدون عمليا   تموضع   الجميع    تحت  مظلتهم   الفكرية   ,   وبذلك  تتحقق   شروط   الوحدة   الوطنية   اخونجيا ,  لسنا  بعيدون  عن  قندهار  !

نبيهة  حنا :syriano.net

رابط  المقال  :https://syriano.net/2020/03

1 comment for “بين الاختلاف والخلاف …

  1. March 15, 2020 at 12:12 am

    كلام في غاية الأهمية ، لأنه وباسم الوطنية والممانعة الكاذبة تداولت الأنظمة التي حكمت سورية هذا المفهوم في طمسها للوجود القومي والأثني المتعدد ضمن الوطن السوري ، وخاصة بالنسبة للكرد الذي حاولت تلك الأنظمة تعريبه بالقوة ، ومارست تجاه الشعب الكردي سياسة عنصرية حيث اصدرت قواني بهذا الخصوص ومنها الاحصاء الاستثنائي عام 1962 الذي جرد بموجبه 120 الف كردي من الجنسية السورية واعتبرتهم اجانب بالرغم من ان الكثير منهم كان قد خدم الخدمة العسكرية ، بل وأن قسم منهم جرد اخ من الجنسية السورية وابقت الجنسية على اخوه الثاني ، وقد وصل العدد بعد تلك السنوات إلى حوالي المليون ، ثم وفي عام 1966 صدر مرسوم تشريعي باسم الحزام العربي الذي يقضي بتهجير الكرد السوريين من اراضيهم واسكان عرب الغمر بدى عنهم ، تماما كما حدث للنوبيين في مصر الذين هجرهم عبد الناصر الى الداخل في اسوان ، وفي عام 1974 قام حافظ اسد ببناء اربعين قرية نموذجية للسكان الجدد مجهزة بالماء والكهرباء ، مع تسليح السكان الجدد لافتعال حرب اهلية بينهم وبين السكان الأصليين ، ثم وفي عام 1992 صدر مرسوم آخر يقضي بتعريب اسماء القرى والمدن الكردية ، كمدينة تهربه سبي ، عربها للقبور البيض ، يعني نفس الاسم بالكردي حوله للعربي ، وتل كوجر اسماها اليعربية ، ومدينة عفرين اطلق عليها اسم عروبة ..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *