في مديح النبش والتفكيك ..

ممدوح  بيطار:

   من الصعب جدا عزل الماضي عن الحاضر ومن الضار جدا قطع الصلة بالماضي , لأن الماضي يؤثر في الحاضر أما تحكما به أي استسلاما له أو تنكرا له بقضه وقضيضه ,وبالتالي الاستغناء المجاني عن خبرات ودروس قد تكون مفيدة , ولنقل لانريد القطيعة مع الماضي ونريد استخدام خبرات الماضي في صناعة المستقبل والحاضر , فمن لايريد القطيعة ويريد الاستفادة ,عليه التعرف على هذا الماضي بشكله الحقيقي وليس بشكله المزيف أو الكاذب , التعرف يفترض التفكيك , وهذا مايسميه الفكر الشعبوي المبسط “نبش القبور” ومقاربة التفكيك مع ممارسة نبش القبور هو محاولة لوصم التفكيك بوصمة خبيثة استنكارية استهجانية , هي بمثابة رفض مسبق وغير مباشر للتفكيك الذي هو عملية فكرية فلسفية تاريخية راقية جدا وضرورية أكثر , هدف التفكيك أوالنبش ليس التشنيع وانما التعرف على الشنيع لتجنبه والتعرف   على   الجيد   للاقتداء  به  أو  البناء  عليه .

 لا يتضرر الماضي من تجريده من الشائبة والشنيع , التجريد هو تنقية للماضي للتمكن من الاستفادة من وجوهه النيرة المفيدة …للخطئ وجهان , الوجه الأول هو نقل الماضي الى الحاضر كتلة واحدة , والثاني هو رفض الماضي كتلة واحدة …ولامناص من التفكيك أو نبش القبور للمساهمة   في صناعة  حاضر مشرق ومتقدم . 

 علاقة الماضي مع الحاضر هي علاقة “تحرير” متبادلة , تحرير الماضي من الحاضر وتحرير الحاضر من الماضي , والتفكيك لكل من الماضي والحاضر هو السبيل الوحيد لمصالحة الماضي مع الحاضر , ولا ضرر من اكتشاف بؤس الماضي لتجنبه , كما أنه لاضرر من تفهم الماضي باستخدام وسيلة السياق التاريخي الذي يسمح بتقييم الأمور نسبيا ,على الماضي , الذي يريد البقاء تراثا محترما , التخلص من مفهوم “منافسة ” الحاضر , اذ لامصالحة مع المنافسة , منافسة الماضي للحاضر تحمل في طياتها صيغة ”  البديل ” فالبديل  شيئ مختلف تماما عن المعارضة ,   يقود  مشروع  البديل  الى  الضدية  وبالتالي التأسيس  لممشاعر الكراهية والرفض والاقصاء للآخر  ومن  أجل  ذلك تستخدم ارادةالقهر  ووسيلة  العنف  والعدوانية , لاتنتج  الضدية الغبية   سوى  التخلف والانحطاط .

محورية الفكر الديني التكفيري المنغلق على ذاته ومدعي القداسة هو أساس ثقافة ”  الضدية ” التي تمحور المخلوق البشري حول محور جامد عاجز عن التفاعل الخلاق مع ظروف الحياة المتجددة باستمرار …محور الماضوية وحذف 1400 سنة من التغيير والتطوير ثم محاولة نقل الماضي الى الحاضر بدون نبش أو تمحص أو تفكيك   أو  تنقية (تنقية  الوعي   الجمعيي)هو المؤسس   للضدية  …انهم ضد كل جديد مهما كان, لأن القديم قبل 1400 أثبت جدارته , لذلك يمكنه اثبات هذه الجدارة بعد 1400 سنة , وكأن الدنيا وضعت في الثلاجة 1400 سنة , من الممكن استمرار الخلافة بشكل الجمهورية السورية ,وكأن شيئا لم يحدث في هذا الزمن ..انه الغاء الزمن الذي لايتقبله العقل البشري ولا التاريخ .

لايمثل النبش أوالتفكيك ممارسة لما يسميه الاسلاميون اثارة الفتنة والشقاق , فالنفاق هو أساس الشقاق ,ولا أعرف مسببا لذلك الخوف والهلع من النبش الا القناعة بأن النبش سيظهر العفن والشنيع والسيئ , لماذا ترفضون النبش اذا كان ذلك الماضي كما تدعون بأنه قدوة للحاضر وخال من أي شائبة ؟ أيخاتل الاسلاميون ؟؟

ممدوح  بيطار:syriano.net

رابط  المقال :https://syriano.net/2020/02

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *