فتوحات….ازالة العقبات ,أو صناعة العقبات !

جورج  بنا :

الاسم  الجديد  للفتوحات  العربية  الاسلامية   هو  فتوحات   ازالة  العقبات , والمبتكر  لهذا  الاسم  هو   السيد   جمال  سوريا ,  الا   أن  فتوحات ازالة  العقبات برهنت بالنتيجة  عن كونها كغيرها من الحروب الاستعمارية والحروب المقدسة..حروب استعمارية استغلالية ,جوهريا لافرق بين كل اشكال هذه الحروب , ومن ناحية التبرير لا وجود لحرب احتلال دون تبرير ملفق , الا أن التبريرات الاسلامية تختلف بعض الشيئ عن التبريرات التقليدية الأخرى  بالرغم  من كون  الجوهر  واحد .
يكمن  الفارق  الأساسي  بمفهوم الجهاد الذي يروج لنبل وقداسة هذه الفتوحات وازالة  العقبات , ثم التكليف الالهي لنشر الدين الاسلامي في ظل الاعتراف بأنه لا اكراه في الدين … لكم دينكم ولي ديني , هنا يصطدم استخدام السيف في عملية التبشير ونشر الاسلام مع الاعتراف بأنه لا اكراه في الدين ؟, وهل يستقيم التبشير بالدين الجديد مع ممارسة السبي والجزية وتصدير المصريات ونساء الأمازيغ وغيرهم من البلدان المفتوحة للعمل كجاريات في قصور الخلافة ؟؟
لم يتضمن التكليف الالهي ممارسة كل هذه التجاوزات , لذا يمكن ويجب اعتبار الفتوحات عملية سلب ونهب وامتداد لما مارسته القبائل العربية في الجزيرة العربية قبل الاسلام , حيث اعتاشت هذه القبائل من الغزو ومن غنائم الحرب , أتى الاسلام ووحد هذه القبائل سياسيا وعسكريا ووحد ايضا نفسية ” الغزو ” عند هذه القبائل , ثم زود هذه القبائل المدمنة على الغزو بمبررات اضافية كمبرر قدسية وضرورة نشر الاسلام اضافة الى التشجيع على الافراط في الحهاد حتى الموت , فالموت هو مقدمة لحياة أخرى , هو انتقال من الحياة الفانية الى الحياة الأبدية حيث الحوريات بأعداد وأشكال تفوق كل تصور , وحتى عذرية الحوريات كانت من الثواب المضمون لكل مجاهد في سبيل الاسلام أي في سبيل الله.
ما يميز الغزوة عن الاحتلال النفعي الاستعماري هو عامل الفرض الديني لاستكمال تكوين المسلم ( يسمى ذلك هذه الأيام بالمسلم الأعلى), الفرض أخبث من الحاجة المادية الاستعمارية الخسيسة , فانكلترا بحاجة لقناة السويس للوصول الى المستعمرة الهندية ,لذلك فان الحاجة النفعية عند الاستعمار التقليدي محدودة وليست شاملة , أما الفرض الديني فلا يهتم الا بالانسان الذي عليه أن يتأسلم , والانسان موجود في كل مكان , لذلك فانه من واجب المسلم وضع كل مكان يسكنه انسان تحت السيطرة الخلافية , فكل انسان بحاجة للاسلام لضمان الحياة الدنيا وخاصة الخلاص الى الدنيا الأخرى.
حاجة المسلم الى الغزوة والاحتلال هي حاجة مستمرة ,ولا يقف في طريقها الا عامل عدم المقدرة على تنفيذها ,لذلك توقفت الفتوحات ولم يبق من ثقافتها الا التباكي عليها , العالم بعكس ذلك فرح جدا لانعدام المقدرة على القيام بالفتوحات , تصوروا امتلاك 300 مليون عربي مسلم لامكانيات 300 مليون أمريكي عسكريا واقتصاديا وسياسيا , فكيف سيصبح حال العالم عندئذ ؟؟
  بالرغم من ذلك من الواجب  النظر الى أمر الفتوحات كواقع تاريخي يتأرجح بين الوحي من جهة والواقع من جهة أخرى , وعلى البشر واجتهادهم اللجوء الى الوحي تارة أو الى الواقع تارة أخرى أو الى الاثنين معا حسب الحاجة وحسب الظروف , فاللجوء الى الوحي ينفي الحاجة لمبررات اضافية , فكلام الله هو بحد ذاته المبرر لنفسه ولاحاجة لكلام الله أم يكون منطقيا حسب معاييرنا النيوية ,لأن كلام الله هو أصلا معيار لكل شيئ,
علاقة الواقع مع الوحي هي علاقة تكافل وتضامن ,الواقع يتضامن مع الوحي , والوحي يدعم الواقع حسب الضرورة والظروف , فواقع التهديد الافتراضي البيزنطي والفارسي للخلافة كان له تأثير ليس بالقليل على غزوة سوريا ولبنان , وقد اقترن هذا الواقع التبريري مع الوحي الآمر بنشر الاسلام في المنطقة السورية,كما أن الواقع عمل يدا بيد مع الوحي في تحديد ضرورة التأسلم   وخلق   الظروف   الموجبة  للتأسلم ,لذلك كان  على المسيحي أن يؤسلم  اتقاء للجزية  والمضايقات الأخرى المتثلة بكونه مواطن من الدرجة الثانية , ولكي يستطيع السير على الطريق مع المسلمين دون أن “يطورق”  أو  “يشمل ”  أي  أن  يسير     شمال   المسلمين  الفاتحين !!
  أتى الاسلام بمنظومة الخلافة التي هي دين ودولة , وبذلك لم تعد هناك  ثنائية  التحكم  ,انما احتكارية التحكم وديكتاتوريته من  قبل  شخص الخليفة ,  وبذلك   تحول الفتح  ظاهريا الى “واجب”, بدلا من تمظهره عمليا “كحاجة “استعمارية , الفتح كان قناعا لنشاط استعماري أشد خبثا من النشاط الاستعماري التقليدي الذي يخضع الى أحكام الحاجة أكثر من خضوعه الى أحكام الواجب ,  الفتح كان  بمثابة    احتلالا  تملكيا  واستوطانيا  دائما , كاحتلال  الصهاينة  لفلسطين ,  في  الفتح  كان  من  الضروري   احتلال  العقول …أسلمة …لغة ..الخ   الى  جانب  المعاقل , لقد  اكتفى   الاحتلال  الفارس  أو   الروماني  باحتلال المعاقل , والروماني    ساوى   بين  المواطنين  الرومان   وغيرهم من  شعوب  المستعمرات  بحيث  كان من  اأشخاص    من  حمص  واليمن وليبيا    أن  يصبحوا  قياصرة ,  بالرغم  من كون  الاحتلال  في  كل الحالات  بغيض,  الا  أن  الفتح  العربي -الاسلامي  كان من   من   أشد   أنواع  الاستعمار  بغضا  ووحشية ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *