النقد ….من الخروج من المأزق أو الموت في المأزق!

ممدوح  بيطار :

تتعلق  مشاكل   شعوب  هذه  المنطقة  بشكل  رئيسي  بقلة  النقد  وكثرة الانصياع   الأعمى  ,ثم خاصة  الجمود والانغلاق, والصراع  بين المنهج  الديني  المؤسس على  الغيبية  والمنهج  العلمي  العلماني  المؤسس  على الموضوعية والعقلانية ,الثوابت  الجامدة   هي  جوهر  الغيبية المعطل  للتطور.

يتقبل   المتعصبون   الافتراضات  الدينية   تقبلا   أعمى ,  ثم  يباشرون  بالتكاذب  على  أنفسهم   بوسيلة  التفاخر   خاصة  عندما  يتبين  لهم  ضلال  هذه  الافتراضات ,   الفخر   لتغطية   الفشل ,  هذه  هي  عقلية   بدوية  قبلية ,  فالافتخار   والاعتزاز    الفارغ   ليس  الا   محاكاة  ذاتية  معظمها  نرجسي   وهدفها  الاستعلاء  وبناء  الجدران   التي  تفصل   الانسان  الأعلى  عن  الانسان  الأدنى ,  فمن يتبجح   فخرا   أمام  الغير ,  يريد  القول   للآخر   اني  عملاق   وانت  لاشيئ ,    تتضخم  الأنا  عند  الانسان  الاعلى  افتراضا   وتتورم  الى  حد  التسرطن ,  ليس  الاستعلاء   هو  المسبب  الوحيد  لتضخم وتورم  “الأنا” , وانما   أيضا  تدجين   ظاهرة    كره  الآخر  ورفضه   عن  طريق  خداع  النفس  وعن  طريق   الجهل  بالهوية   ….من  هم نحن    ومن  هو  الآخر  ؟ …شدة  التفاخر  هي  كشدة   التعصب  الديني,  فالتفاخر   يلغي الحاجة   للحجة     ,  فمن  يعملق  نفسه   مفتخرا   لايتقبل  النقد  اطلاقا   انه  في  حالة  موازية   للمقدس .

يتعرض  النقد   الى  العديد  من  المحاولات  لاجهاضه  واغتياله ,  تارة   توضع  للنقد  حدود   تتعلق  بالمقدس  ,  هذه  الحدود  مطاطة   وهلامية   ويمكن  مطها  حتى   تتمكن  من  ابتلاع   أي  نقد ,  فالمقدس  يقف  للنقد  في  المرصاد  ويريد  اغتياله  وقد  ينجح ,  وعادة يفشل   ,وذلك  بعد  معايشة   أحداث    قد  تكون  دامية   كما  حدث بعد    رسومات كاريكاتورية  خاصة  بالنبي  محمد ,   هنك  وسيلة   أخرى  لوأد  النقد   الذي  يطلقون  عليه    اسم مواز  تقريبا   هو  جلد  الذات ,  الذي   يمثل  حقيقة   الشعور  السلبي  الذي  يتنامى   في   أوقات  النكبات , والبعض  يفرقه  عن  نقد  الذات  , الذي  هو   الشعور الايجابي   الذي  يطمح  الى  التعرف   الموضوعي   على  الوضع  بشكل  عام   بدون    مبالغة تشاؤمية     أو  تفاؤلية,  لايمثل  نقد  الذات هروبا , وانما  استعدادا للمواجهة ,ومهمة نقد الذات   هي  الخروج من المأزق  , بعكس   جلد الذات   الذي  يوفر  الخلفية النفسية للموت في المأزق , وفي  حالات عديدة يلتبس  نقد الذات مع  جلد الذات , الاشارة الى مواطن الضعف وتوصيفها  وتحليلها  ليس جلدا وانما  نقدا ,  على  سبيل  المثال  من يشير الى  هزيمة التراث العربي  أمام الحضارة الغربية  , ثم ينصح بالذوبان  في الحضارة الغربية  ليس جلادا وانما ناقدا .

من  يريد  للحياة   أن  تتطور عليه  بمواجهة  الثوابت   بحجج  وتحليلات ,  قد   لايمكنها   أن  تكون  متغيرة عندما   لايتغير  المنقود ,   أي   انها   أيضا” ثابتة “, وهذا   هو  الرحم  الذي  يولد  منه  التكرار والاجترار , وعدم  المقدرة  على   صياغة  الجديد من  النقد ,  لعدم  وجود جديد   في  المنقود , النتيجة  هي   تحول النقد  الى  دين   قائم  بحد  ذاته , هذه  هي  الآلية   التي  تقود  الى  تآكل  النقد  وفقدانه   للفاعلية  والتأثير ,  أي ارغامه  على  البقاء   في   مرحلة   الطفولة  الفكرية (ماركس  والالحاد  الطفولي ), للغيبية  الدينية  مصلحة  في  البقاء في  المرحلة  الفطرية  ,  ولها  مصلحة   في  تجنب  الطور السياسي  الديناميكي   لكونه  يشكل  خطرا  عليها , وضع  النقد   في  سجن  الاجترار  وسجن   الفطرية  الطفولية   هو    أحد  مضادات   النقد   ,  التي  قد  ترديه  قتيلا .

تتناسب  مدة   الفطرية   مع  مدة  عدم  التمايز  الجنسي   أي السنين  الخمسة  أو  الستة  من  حياة الطفلة  أو  الطفل ,   بعد  هذا   العمر  يجب  أن  تبدأ   ماتسمى  المرحلة    “السياسية” ,  الدين المولود   مع  الطفلة   أو  الطفل   يمثل     المرحلة  الفطرية , التي قد  تستمر   الى  مرحلة  الشباب   وحتى  الى  الكهولة عند  افتقاء   البناء  السياسي ,    التعامل   الارتكاسي  الفطري   النزق  العنيف  واللاسياسي  مع  رسومات  وكاراكاتوريات   مايسمى    “الرموز  المقدسة ”  هو  تعبير  عن  استمرار  المرحلة  الغريزية  الطفولية , وعن  غياب   المرحلة السياسية   الواعية      الناقدة  والمتقبلة  للنقد ,  اننا  بهذا  الخصوص   لانزال  أطفالا   مقارنة    مع  الشعوب  الأخرى   التي  بلغت  ورشدت  ونضجت ,   شعوبنا  لاتزال    في  مرحلة  الطفولة الساذجة   الانفعالية , والغير  فاعلة .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *