بين المجرم والارهابي!

December 24, 2018
By

ممدوح  بيطار:

كل  ارهاب جريمة , ولكن ليست كل جريمة ارهاب , للارهاب معالم تختلف عن معالم الجريمة العادية , ومن معالم الاختلاف أذكر الخلفية الخاصة بالارهاب , فهذه الخلفية ليست شخصية ,وانما في معظم الحالات فكرية عقائدية , خلفية المجرم العادي شخصية وعادة يوجد بينه وبين ضحيته علاقة ومعرفة , في العمل الارهابي لاوجود لتلك المعرفة والعلاقة بين الفاعل وبين الضحية , كما أن العمل الارهابي يهدف الى الاقتصاص من الغير وليس من الضحية , المجرم يقتص مباشرة من الضحية ..هدفه الضحية وليس من هو خارج هذه الضحية .

وعن المسؤولية ,هناك فرق شاسع بين الارهابي والمجرم , فالمجرم مسؤول عن فعلته حصرا , بينما الارهابي غير مسؤول عن فعلته حصرا , معظم المسؤولية في حالة الارهاب تقع على عاتق الخلفية العقئدية والفكرية وعلى الجماعة ,التي تدفع الفرد لتنفيذ العمل الارهابي , العمل الارهابي هو من صنع الخلفية ..انها الفاعل الحقيقي , بينما الفرد هو المنفذ للعملية االارهابية فقط , بالمجمل يسمى ذلك “الفعل الجماعي”

يحاول البعض التمويه على الخلفية الفكرية وتبرئتها من الفعلة الارهابية , من هذه الطرق التماس الدوافع بجهل الفرد وعدم اسلامه وكونه سكير عربيد وحشاش وفاشل اجتماعيا ومحكوم عليه … الخ , هذه الخصائص بالذات هي الخصائص المطلوبة من شخص يراد منه تنفيذ عمل ارهابي , فهذا الشخص يرغب باعادة تأهيله لنوع جديد من الحياة التي تشعره بأن ليس منبوذ وهو ذو قيمة ومكانة اجتماعية .

من المدارس التي تستطيع تأهيل الفاشل لخدمة أهدافها , تتبؤ مدرسة الاسلاميين الجهادية مركزا مهما في هذا العصر, هذه المدرسة تذيب هؤلاء في المجموعة الجهادية ,وعملية التذويب سهلة , لأن الحشاش أو السكير فاقد لمعالم الشخصية , الجماعة تتحول الى بديل له عن شخصيته ,والجماعة تقدم له وتشجعه بالمكافأة تلو الأخرى ..لقب مؤمن ..لقب مجاهد .. لقب من خير أمة ,وكل ذلك يتتوج بلقب المسلم الأعلى وبامتيازاته في السماء والجنة , خاصة عندما يقوم بتلبية فروض الجهاد وخاصة عندما يموت في سياق الجهاد في سبيل الله وليس في سبيل شخص أومجموعة يراها ويتعامل معها وجها لوجه ..انه فاعل لوجه الله وليس لوجه ابو بكر البغدادي , الذي يتساوى معه في الايمان ويساويه في القيمة من حيث كلهم يجاهدون وكلهم سواسية في الجهاد ومآلهم جميعا الجنة والحوريات وغير ذلك من الامتيازات اتي تخص المؤمنين فقط وليس غيرهم ,انه بذلك حقيقة المسلم الأعلى بدون منافس !الا أنه في استقلاليته الشخصية وفي ادراكه وتوجهاته وأنسنته ليس الا الانسان الأدنى أيضا بدون منافس !

لايمكن لمدرسة الجهاد أن تفلح في تكوين المسلم الأعلى الذي هو في نفس الوقت المخلوق البشري الأدنى بدون مدارس موازية ولنسميها مدارس حاضنة تجاوزا , مهمة هذه المدارس الحاضنة هي تأمين جو التفهم لموضوع الجهاد بشكل عام ولموضوع الدمية الصنيعة بشكل خاص , هذه المدارس ترحب بالارهاب عمليا وتتنكر له نظريا ,وهذه المدارس تمارس خيانة الدمية الصنيعة باعلانها اان فعلته شخصية ولا علاقة لها بالاسلام الحقيقي بشيئ ,وبذلك تقف الدمية مجددا وحيدة معزولة تقبع اما في السجن أو في الجنة , ثم تعادة الكرة مع غيره مرة أخرى , يؤهلوه للقيام بما يريدون ثم يتركوه وحيدا لمصيره ,وبذلك يحققون شروط الدجل الجماعي والخداع الذاتي الذي يدمر الذات قبل تدميره للغير , المسلم الأعلى هو صورة عن المخلوق البشري الأدنى ,وما ينطبق على الفرد ينطبق على المجتمع !

Tags: , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • العاشر من تمّوز

    بقلم: ياسين السويحة: كان ذاك اليوم القاتم خاتمة مسير غير قصير في الزمن للإتيان ببشار الأسد رئيساً. سيرورة بدأت منذ وفاة باسل، شقيقه الأكبر، في حادث سير بداية عام ١٩٩٤، […]

  • بقالية فلسطين والاتجار

    انهمك الكثير من القادة العرب في الصراخ من أجل فلسطين  وفي الادعاء بأن القضية هي أم القضايا  وهي من ثوابت سياسة هذا القائد أو ذاك , وقد ذاب الثلج وبان […]

  • ماذا لو انتصر , وماذا لو لم ينتصر ؟

    بقلم :مروان أديب يوما ما  ستكون هناك نهاية  لهذه الحرب الشيطانية في سوريا , ولطالما  أعلن الأسد  رسميا افلاسه  السياسي , وعزمه على حل المشكلة عسكريا  , ثم اعلن صراحة […]

  • داعش والأسد واحد”…لا سلام مع الأسد والقاعدة

    بقلم:كريستين هيلبرغ ما هذا الذي نقرأه عن سوريا هذه الأيام؟! “إسلاميون” يقاتلون “إسلاميين” والأسد تحول إلى “أخفّ الضررين” والأولوية باتت “محاربة الإرهاب” – إرهاب تنظيم القاعدة بالطبع وليس إرهاب بشار […]

  • لعبة البديل “التكتيكي “

    بقلم: نضال المارد يقول مؤيد سلطوي  في تعليق على مقالة  فيصل القاسم  بخصوص التلاعب    بالأقليات  لترسيخ  وتنفيذ  والوصول الى هدف  لاعلاقة له بسعادة وأمان  هذه الأقليات  , بل  على […]