المنتصر صلاح الدين والتباس الانتصار مع النجاح !

December 3, 2018
By

ممدوح  بيطار :

ليس   للتعرض   لصلاح  الدين  الأيوبي   علاقة  مباشرة  مع  شخصه ,   لأن  هجاء    أو مدح   الأيوبي   عديم  التأثير    عليه  في  قبره  .  التعرض   هنا هو   لثقافة   التكاذب   وتصديق الأكاذيب ثم  تجاهل  الفضائل  والاقتداء   بالرزائل  والاستسلام  للقيم  المعكوسة    , كل  ذلك  قاد  وبقود  الى  تشوه  كبير  في  نظرتنا   للحدث  تحليلا  وبالتالي  تقييم  الحدث  موضوعيا   والاستفادة  من  هذا  التقييم    ,  لدينا  صلاح  الدين  وقصصه  وأعماله  ولدينا   المخرج  السينمائي  يوسف  شاهين   ,  الذي  انتج  فلما   عن   القائد  العسكري صلاح  الدين  ,  ضخم  من   قوة  عسكريته   وقلل  من  توحشه   ووضعه  انسانيا   في  مصاف  الملائكة ,فماهو  تأثيرديباجة   فيلم  يوسف  شاهين المجانب  للحقيقة   علينا   ,  هل  ازددنا  قوة   بتضخيم  قوة  الأيوبي  ,  هل   تحولنا  الى  ملائكية   الأيوبي   ؟ ,   هل   يمكن  القول   بأن  فيلم  شاهين  الايجابي بالنسبة  للأيوبي  ليس  الا  عملية خداع  للذات  ,  تطعيم  الرؤوس بالمزور   بدلا  من  الصحيح , وأين  هي  الفائدة  من التزوير    عندما  عندما  يكون  حبله  قصير  ,   والحقيقة   ستظهر   حتما  عاجلا  أم  آجلا .

لايخضع  ادراك   الواقع (الحقيقة)  الى   الارادة  فقط ,  وانما   للمقدرة   على  الادراك  والفهم  ,وبالتالي  المقدرة على التقييم  الصحيح   , تكمن أكبر صعوبات التقييم  لشخصيات  وأحداث  عربية  في عدم مقدرة الشخصية العربية أو العقل العربي المصاب بعدم التوازن والميل الى التجاهل وعدم المقدرة على استيعاب الفرق الشاسع بين الانتصار والنجاح في   التمكن من   التعرف على  القيم الانسانية الأخلاقية  والتفاعل  معها  , ولو ارادت الشخصية العربية بشكل عام تقييم أمرا ما , فانها تقيمه من خلال منطق مستقطب , والاستقطاب الأهم هنا هو لقطب العنف والافتتان بالنصر الحربي والتوسع وقتل كل من يقف في وجه قطب الحرب , العقل المستقطب حربيا وانتصارا ونرجسيا لايرى الا الجيد في الانتصار , بغض النظر عن الخراب والقتل المرافق لهذا الانتصار,  انه  انتصار  على  الحياة    وبالتالي   الفشل , وهذا  هو  الفرق  بين  الانتصار والنجاح ,اننا  لانرى في  سيرة   صلاح  الدين الا انتصار  الحرب  والمحارب , وماذا  عن   البشر   الذين  انتصر  عليهم  صلاح  الدين ؟؟؟؟حساسيتنا     للشر  والرزيلة  حساسية  “أجلاف”, حساسية  معدومة !

يبدو وكأن القتل بحد ذاته قد تحول الى انتصار طبعا على الحياة , الانتصار هو المعيار الذي تقاس به القوة الذاتية , وكلما تضخمت هذه القوة ازداد الاستقطاب لها والتماهي معها , القوة  العسكرية   المتحيونة   أصبحت  هدف ووسيلة وضمانا للمقدرة الخلابة على تحقيق الانتصار في الحروب ,و لم يعكر   صفوى ضمير هذا العقل وأخلاقيته كون صلاح الدين الأيوبي قد تحول الى جراد بشري يفتك بكل شيئ اينما  وطأة  قدمه , حتى بأهل بلاد الشام , ناهيكم عن المصريين والسودانيين والكثير غيرهم , وما يخص صلاح الدين الأيوبي يخص زميله وشريكه نور الدين الزنكي الذي مارس مع صلاح الدين علاقة الزمالة -الخيانة , علاقة الخيانة المتبادلة(التآمر) ,هذه كانت سمة العديد من العلاقات في الماضي بين   االمحاربين   الساعين  للغنيمة  المادية  أو  المعنوية , هذه السمة وجدت طريقها الى الحاضر بشكل تمحور حول مفهوم المؤامرة أو الخيانة المسببة لكل مصيبة  , لاتقتصر قدوة مفهوم المؤامرة (الخيانة) على الزنكي وصلاح الدين انما تشمل معظم التراث الاسلامي الخلافي ..وما مقتل أكثر من ٧٠٪ من الخلفاء راشدين أو غير راشدين الاتأكيدا لهيمنة   مفهوم  الخيانة (المؤامرة)  على   مسلكياتنا  .

لايهتم العقل المريض بالنجاح في الحياة وانما  بالانتصار في الحروب , على سبيل المثال لا اعتبار أو أهمية ولا اهتمام في   قتل العلامة   السهروردي  تجويعا , لطالما انتصر صلاح الدين في معركة ولا أهمية لذبح مالك بن نويرة في تقييم اخلاقيات ابن الوليد ,لطالما انتصر خالد ابن الوليد في مئة معركة على الأقل ,لا يتمكن العقل المريض الضرير فاقد البصيرة من تصور حال الشعوب تحت وطأة   السيوف كسيف الله المسلول , الذي سمحت له أخلاقياته بممارسة الذبح من أجل اقتناص امرأة أو كعقوبة للمقصر في دفع الزكاة , كيف سيتعامل هذا الشخص مع حسناوات شعوب المستعمرات ومع الشعوب التي عليها دفع الجزية ؟؟؟؟ العقل القاصر لايتمكن من ممارسة التحليل والاستنتاج على أن سيف الله المسلول شديد التأهيل لممارسة   اغتصاب  الحسناوات وممارسة الذبح الجماعي استهتارا مرضيا بقيمة الحياة , لذلك يلجأ هذا العقل في تقييمه لشخص ابن الوليد الى الحذف (subtraction), السيف المسلول رضي الله عنه وأرضاه لايقوم بأعمال من هذا النوع , وكل مايقال عنه هو كذب وتدليس مصدره الحقد على الاسلام , لم يذبح خالد ابن الوليد مالك بن نويرة ولم يسطو على ليلى أم تميم والأخبار الأزهرية التي افتخرت بكونه ذبح مئات الألوف من العراقيين كانت تعبيرا عن حقد وتضليل , الصحابي الجليل معصوم  عن  الخطأ, وبالتالي قدوة  !

العقل المريض متمحور حول الدين الذي يمثل ثروته الوحيدة , ومتمحور حول الانتصار الذي يمثل الطريق الى ثروته كماهو  حال البدو في الحصول على غنائم الحرب , فعند الغياب الحقيقي للانتصار تتم فورا صناعة الانتصار الوهمي ,  المهم  هو الشعور    بالانتصار  ..وهمي  أو  حقيقي   لافرق ,  هل حقيقة هناك موازاة بين ماندعيه من انتصارات وبين ماتحقق فعليا من انتصارات ؟

بالعودة الى صلاح الدين الأيوبي والى تمكن العقل المريض من ممارسة الحذف  والتزوير  وتقبل الكوارث الخاصة بالفشل وعدم النجاح من أجل تخديم عصاب الانتصار أو عقدة الانتصار , هكذا لم يأبه هذا العقل المخمور المتحيون والمجرم بما فعله صلاح الدين مع الايزيديين في جبل سنجار ولا مع الحشاشين الاسماعيليين ولا مع أهل حمص ولا مع شركائه , العقل المريض المتمركز حول الانتصاروالمذهب  اي المقدرة على القتل وتشريعه  لم يأبه بنتائج تعصب صلاح الدين الى السنة , تعصب سمح للبعض اعتبار صلاح الدين بطلا لاشبيه له , ليس لأنه حارب الفرنجة وانما لأنه انقلب على الدولة الفاطمية الشيعية , لاقيمة لكل الجرائم مقارنة بقيمة الانقلاب على الشيعة !!

تكمن   أهمية  صلاح  الدين  وغيره  من  المحاربين  ليس  في  ذاتهم المحارب  القاتل  المحتل   الممارس  للخيانات  والمقالب   وتخريب    الحضارات ,  وانما  بكونهم  الجراثيم   التي   قتلت  الفضيلة  وعززت  مكانة  الجريمة ,  وفي  انتقال  مرض   التنكر للأخلاق   الى  العموم   , ثم  تعميم   التعامي   عن  الآثام  والرذائل  والمنكرات ,  صلاح  الدين  محارب قل  نظيره  ,  ولكن  هل  صلاح  الدين  انسانا  قل   نظيره  جودة ,  وهل   يصلح  صلاح  الدين ى  للحياة  أو    يصلح  للموت  والقضاء  على  الحياة  …  كلنا  صلاح  الدين   ومن  بيننا     صدام !!! ,   كيف   يمكن  تصور  الحياة  مع  شعب   مؤلف  من  صلاح  الدين  وصدام والزنكي  وأمثالهم ,  وهل  من  حياة  لنا   عندما  نتحول  جميعا  الى صدام   وصلاح  الدين  والزنكي ,  هذا  الزنكي  المقاتل   والمحتال  والممارس    لعلاقة   الصداقة -الخيانة   مؤهل  لأن  نقتدي  به ,  لقد   أحيى   الزنكيون  ذكرى  الزنكي  على   قارعة  الطريق  في  حلب  عندما  ذبحوا  طفلا فلسطينيا  مريضا  وعمره ١٢  سنة  على  قارعة  الطريق   مشهديا .

 لو  مات  الزنكي وصلاح  الدين والوليد   فعلا   لترحمنا  عليهم   ,  الا  أنهم    خالدون    فينا ,  نحن  الذي   لانزال  نمارس  كار   الذبح  والسحل   والصلب  والحرق   وبيع  النساء ,  طائفية  صلاح  الدين  مستمرة  في   طائفيتنا   وعنف  صلاح  الدين  مستمر  في  عنفنا , وبالمقارنة  حجما   لايمثل  صلاح  الدين   سوى  فأرا    مقارنة بالفيل  الذي  نمثله , وفعلة  صلاح  الدين   ليست  الا  نقطة  في  بحر   أفعالنا   , اننا  على  العهد  ياصلاح …  أقوياء   بحيث  تمكنا   من  قتل  مليون  وعدنا الى نقطة   البداية   ,  فالى  جولة  أخرى  ومليون  آخر!!

 

 

Tags: , , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • مقررات القمة العربية في بغداد يوم 29-3-2012

    اختتمت القمة العربية اعمالها في بغداد , وأطلقت قرارات عدة , منها الفقرة  14 والفقرة 15  بخصوص سوريا , حيث أكد البيان الختامي  دعم القمة  لقرارات الجامعة العربية  وقرارات المجلس […]

  • الثورة والثوار ..نظرة ياسين الحاج صالح !!

    كتب ياسين الحاج صالح مقالا في ملحق النهار حول الثورات , وأخصها الثورة السورية حيث قال :مثل غيرها من الثورات والتمردات الاجتماعية، لا تحظى الانتفاضة السورية بمشاركة أكثرية حاسمة من […]

  • العسكرة والعسكر وخيار الانتحار

    من له مصلحة في تحول الثورة السلمية الى  ثورة مسلحة ؟ والجواب  يعتمد على تعريف  كلمة -مصلحة-  , وكلمة مصلحة تعني هنا فقط  انتصار أو نجاح , أي ان المصلحة […]

  • عن الإسلام السياسي والديموقراطية في بلداننا

    صعد الإسلاميون إلى سدَّات الحكم التي سقط عنها الطغاة العرب، فتعالت أصوات اللادينيين، من علمانيين وليبراليين ويساريين، محذرة من الغول الإسلامي الذي ولدته الديموقراطية، ليبتلعهم بالقضاء على حريتهم تحديداً. لكن […]

  • التزوير مزدوجا

    الأزمة التي تمر بها سوريا، نبهتني لحالة جديدة ومُخزية لم تكن موجودة من قبل بهذه الحدة، وهي كم أن الكلام شاق، حين يتحول إلى ما يشبه المبارزة. لا يمكنني أن […]