الفساد والبدوية الرعوية !

December 4, 2018
By

ممدوح  بيطار:

لايولد  الفساد  فجأة خاصة  على  يد  فرد   أو  افراد ,  فللفساد  علاقة  مع  القيم    الاجتماعية    وتعريفها   ومضامينها ,  ولا  يمكن   بناء  على  ذلك    الا  أن  تكون  مجتعاتنا  فاسدة ,  والشخص    الذي   نتهمه  بأنه  رعى  الفساد وأنتجه ,   انما  هو  حقيقة   بوجوده   ومسلكيته   من  منتجات    الفساد,  انه   نتيجة   وليس  سببا .

مجتمعاتنا   بدوية   الحضارة    , والبدوية الرعوية  سادت   وارتشحت وانتشرت بكامل خصائصها  ومعالمها    حتى في   الحضر  , الذي   تحول  بعكس  ماينتظر  بشكل    منطقي  وطبيعي  الى   البداوة  , وللبداوة   العديد  من   الخصائص  , منها  ومن   أهمها  مسألة    العيش   أي  المسألة   الاقتصادية  , التي  ابتكرت لها  البداوة  حلا   يتمثل   بالحصول   على   الرزقة  عن  طريق   السطو  والقنص    أي   غنائم الحرب   ,  التي   اعتاش  البدو  وقبائلهم   منها   , والتي  كانت   الموجه   والمشجع   الرئيسي   للعديد  من   تطورات   الخلافة   الاسلامية , فغزوة  اسيانيا   بدأت  بتجربة  الأمازيغي  طريف   الناجحة  في   الحصول  على   الغنائم  خاصة   السبايا   وبناء  على  غزوة  طريف    ولدت  غزوة   طارق  بن  زياد   وبناء  على  غزوة  طارق  بن  زياد  ولدت  عزوة  موسى  بن  نصير ,  الذي  جاء  بأكبر  قدر   عرفته    الخلافة  في  دمشق  من   المنهوبات  والسبايا ,وعلى  غزوة  اسبانيا  يمكن  قياس     الغزوات   الأخرى  , التي   نظمت   من   قبل    الخلافة   بشكل  مشجع  لانخراط البدوية في   الغزو   ,لقد  ابتكرت    الخلافة     طريقة   لتقاسم   الغنائم    بينها كرب  عمل    وبين  المجاهدين   البدو   ,  للفريق  الأول الخمس , وللفريق  الثاني أربعة    أخماس ,  بذلك   يعتبر  اكتفاء    كيان   الخلافة   الشمولي   بالخمس  تنازلا  وسخاء  كبيرا ,    الا  أن   الخلافة  كانت  على  قدر  كبير  من  الادراك  والمعرفة    بطبيعة    البدوي  ,  الذي   لايحرك  ساكنا  دون   نصيب   مغري    من   الغنائم  .

فلسفة   الغنائم وفلسفة  مفهوم  الحق   البدوي هي   المؤسس   الرئيسي   للفساد   أو  على  الأقل   للقابلية   على  ممارسة  الفساد  ,  فالبدوية ترى   بأن   الغنائم   هي    حق  طبيعي  للبدوي   الذي  دفع      أصلا  ثمنها  “فكلوا  مما  غنمتم  حلالا  طيبا” ,  والثمن  هو   الجهد   المبذول  في    الحصول  على  الغنيمة نهبا   أو   سطوا   أو ابتزازا!! , وهكذا   لاترى  البدوية  في   الغنيمة  سرقة   أو  ماشابه   ,  الغنيمة   حلال  زلال  على البدوي  ,   ولا  تزال عقلية   الغنائم   وفلسفة   الحق   البدوي  مهيمنة  حتى  هذه  اللحظة   ,  ومستمرة ممارسة   تحت   الاسم  العصري    “تعفيش”   ,    تزويد   البيوت    بالعفش   ظاهرة  عصرية ,   ففي  تلك  الأزمة القديمة  لم  يملك   البدوي    بيتا  ولم  يملك  عفشا  .

لايفسح     الفساد   أو  عقلية الحق  بغنائم  الحرب   المجال   الا  لتغيير  باتجاه   فساد   أعظم      بجلابية    أخرى  قد  تكون  بيضاء ,  حيث  يتراءى  للبعض   بأن   الفساد  في  طريقه  الى   الزوال ,   هنا   يظهر  الفرق  بين   الناظر  والفاحص   ,  الناظر  يري  بياض  الجلابية   والفاحص  يكتشف  ماتحت  الجلابية   ,  الفاحص   يقول   بأن   عقلية  المجتمعات   البدوية  الرعوية   لاتنهي  الفساد  بقدر   ما  تمكنه  وتأصله  ,   ولايمكن  لأي  اصلاح    أن  يحل  محل  الفساد الا  أذا  توجه  الى  العقلية والى ظروف  الانتاج  كمصدر للرزق , لأن   الفاسد رجل   غنائم  الحرب  سابقا  ورجل  التعفيش  أو  الفساد  الاداري  لاحقا   لاينتحر  طوعا , ولا  يقبل     كبديل  عن   الفساد  الا   فسادا  أعظم يتناسب  مع  ارتفاع   تكاليف  معيشته .

الفساد  ثقافة  متعضية   في  جسد البدوية   الرعوية  المهيمنة   على  عقلنا  ووجداننا   حتى   اليوم  ,   هذه   الثقافة  تمكن    بدوي   الحضر   الرعوي  من  اختراق     أي  قانون  والالتفاف  عليه ,   وحتى  انه  ليس  بامكان  اي  قانون  ضبطه   مهما   ارتفع  مستوى  العقوبة ,لايمكن  ازالة   الفساد  المالي  والاداري  الا   بتربية  جديدة مترافقة  مع  ظروف معيشية تؤمن   شكلا اقتصاديا   مقبولا   للكسب , والتجارب   في   المجتمعات  العربية   الاسلامية   خير  دليل  على  ذلك , حيث   أثبتت   الفرمانات  والمراسيم  والقرارات عدم  فاعليتها لأنها  لم  تترافق   مع  معالجة   الفساد  الثقافي  وفساد  المفاهيم ثم  مع  تأمين  ظروف  معيشية  مناسبة ,     لاعلاج  لثقافة  الفساد   الا   عن  طريق    حرية  الراي التي  تضمن النقد والمراجعة  وبديهية الانصياع    للقانون ,  ولايصلح  الفساد  الاجتماعي  الثقافي الا  زرع  توازن   بين   الحقوق  والواجبات أي ضمان  العدالة  الاجتماعية  , جوهره  تقدم  ممارسة  الواجبات    على   اكتساب    الحقوق ,  ثم تأمين ظروف  تمكن    الانسان  من  تأمين  حاجته  المادية   عن  طريق  العمل   المنتج ,  وليس  عن   طريق  النهب   المبارك   والذي    يسمى   حلالا  زلالا   للتنعم  به .

هناك  ضدية بين   العقلية البدوية  الرعوية  وبين   مغامرات  الجديد والتجديد , فالعقلية  البدوية   لاتعرف   الا مضغ  ثقافتها  واجترارها  واعادة  انتاجها   بنفس  القالب والقلب ,  عقلية  محصنة   ضد  استنهاض  رشد  جديد وثقافة  جديدة  وقيم  جديدة ,تسيطر  على  ازدهار  الفساد   أحكام   التغذية  المتبادلة , العقلية   تنشط   الفساد  والفساد  ينشط   العقلية ,  ومن  الصعب فصم   هذه   العلاقة  المتبادلة  بين    ريع  الفساد وانحطاط  العقلية ,    المهمة  صعبة   الا   أنه  لامناص من   النجاح  بها ,   الفشل  لايعني    أقل من    الاندثار  والموت .

Tags: , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • الشبيح لافروف مخلوف !

    بعد لقائه مع وزير الخارجية الفرنسية  قال وزير الخارجية الروسية “إذا أصر شركاؤنا على طلب رحيل هذا القائد (الأسد) الذي لا يحبونه، فإن حمام الدم في سوريا “سيستمر». وعبارة  لافروف […]

  • عن الإسلام السياسي

      راتب  شعبو:  نتحدث عن الإسلام السياسي بوصفه التنظيمات أو الجماعات التي تزعم لنفسها معرفة قطعية بالمقاصد الإلهية، وتزعم القدرة على الحكم “بما أنزل الله”، وتريد فرض “معرفتها” وزعمها هذا […]

  • الممانعة المانعة للنصر ؟

    حنان عبدو: *منذ عشرات السنين ونحن نسمع كامات  وتعابير  لايمكن فهمها بسهولة , ومن هذه الكلمالت كلمة”الممانعة” وحتى اللجوء الى المغالين  في استعمال هذه التعبير طلبا للشرح وتوضيح مدلولات  هذه […]

  • البعث والأسد للأبد..أزمتنا أكبر من جنيف2

    بقلم:علام أحمد لست في معرض مناقشة مبادئ وأهداف حزب البعث، الآمر الناهي في سورية حتى اليوم رغم قرابة أعوام ثلاثة من (المؤامرة- الثورة)، لكن نستطيع القول أن عمر تلك المبادئ […]

  • مدرسة العنف

    قبل أيام قتل على قارعة الطريق  على الأقل ثلاثة أشخاص , وبودي لو استطعت ذكر من قتل أيضا , انهم كثر  , الا أن الاعلام أتى بشكل خاص على ذكر […]