نيسرين عبود :
يرتكز العجز الحضاري على العديد من الزوايا, ولو أخذنا مربعات خالد العبود فيكون عندنا أربعة زوايا , الزاوية الأولى هي زاوية التوحيد , التي تنتج التعصب والتفاخر والاعجاب بالذات والرأي والنرجسية , هذا التوحيد أو الوحدانية لصقت مبدئيا بالخالق , الا أنها تحولت الى منهج لتطبيقه في الحياة اليومية وعلى المخلوق , وذلك بالرغم من تعارض الوحدانية مع طبيعة المخلوق البشري, البشرية لاتعرف سوى التعديية التي تمثل التربة الخصبة والطبيعية للابداع والتطور والاثراء الانساني , وحتى ضمن الطائفة هناك تعددية وضمن الحزب وضمن العائلة أيضا ,والقضاء على التعددية غير ممكن عمليا , الا أنه ممكن تمويها وتلفيقا , كما هو الحال مع الأب القائد الملهم الذي يتبنى أفكاره وميوله ونزواته وعقليته حوالي ١٣٠٪ من بناته وأـبنائه الذين يشكلون قطيع الشعب المطيع , مطيع تحت السوط والساطور وليس عن قناعة وادراك وفهم .
القضاء على التعددية بالقسر هو بمثابة قضاء على جزء من الشعب على الأقل , بالتالي القضاء على الوطن الجامع للمختلف والمتباين , والذي يريد الأب القائد تعليبه في علب على شكل معلبات متشابهة لايميزها عن بعضها البعض الا تاريخ انتاجها , لاوجود لتجانس الا التجانس القسري الادعائي الكاذب , ولا يتمكن من تجاوز هذه المعجزة تزويرا وتزليفا الا الديكتاتورية السياسية أو الدينية أو شراكة الدينية مع السياسية وهو الأمر المألوف عندنا حقيقة.
الزاوية الثانية من المربع , هي زاوية الماضوية , الماضوية تعني الانجذاب الى الماضي وأسسه ثم استحضار هذا الماضي لكي يدير الحاضر والمستقبل أيضا , الماضوية قوة جذب وذات دلالات عديدة , من أهمها الاعتراف الغير مباشر بالعجز عن صناعة حاضر ومستقبل أفضل , وللتستر على هذ العجز يجب تعظيم الماضي تبريرا للانجذاب اليه , وتضخيم الماضي بشكل يبرر عدم الضرورة للاضافة اليه , لاحاجة للجديد فالماضي جيد وجديد باستمرار , أي أننا نعيش التجديد من خلال القديم , والذي قد يبلغ من العمر يوما ما 5000 سنة وسيظل جديدا ماضويا وورائيا بالنسبة للحاضر , هذه هي فلسفة الجنون التي تبحث عن الجديد في الماضي .
الزاوية الثالثة والقاتلة من زوايا المربع هي زاوية المجتمع الأبوي والذكورية , مجتمع ببنية وكينونة معروفة في تمثيلها للقبيلة و حرصها على اقامة الهرمية المبنية على التسلط والخضوع الادماني المتعارض , ليس مع الحداثة فقط , وانما مع طبيعة الاسان التواقة الى المساواة .
أصلا ليس للقبيلة أن تمثل أكثر من مرحلة في حياة بعض الشعوب , الا أن جمودنا قد الصقنا على مرحلة لانجد السبيل الى التحرر منها , فجذور القبلية تمتد الى الماضي السحيق حيث فرضت البيئة على جماعة القبيلة تطبعا متناسبا مع ظروف الصحراء , التي لاتسمح بممارسة أي مهنة سوى مهنة الفزو والقتال والحصول على الغنائم التي تعتاش القبيلة منها , الذكر هم الأنسب للغزوة لذلك تربع الذكر على كرسي القيادة , بانتقال منظومة الأسرة الأبوية الى الشعب أو بالأحرى الى الدولة ,جاء الأب الديكتاتور الممثل حقا للأب في الأسرة ولزعيم القبيلة مع وجود فوارق مهمة , فكلما ابتعد الأب الاعتباري عن عضوية الأسرة ضعف بنفس النسبة اهتمامه بها كأب الاسرة , وزادت بنفس النسبة غربته عنها وميله الى استغلال رمزيتها كما هو حال الديكتاتور , الذي يزعم زورا بأنه أب الجميع اي أنه المستغل للجميع والمستبد بالجميع , كالذكر رب الأسرة المستبد بالجميع والمستغل للجميع خاصة الزوجة , الفرق بين ديكتاتور الدولة وديكتاتور البيت هو كون الأول ظاهرة جماعية أما الثاني فهو ظاهرة فردية.
لقد ابتكر الاسلام مفهوم “الأمة” كبديل عن مفهوم القبيلة , فالاسلام تشكل تباعا من عدة قبائل وبالرغم من استثنائية الحسب والنسب في قريش , لم يكن بالمستطاع تنسيب الاسلام الى قريش حصرا , لذلك كان هناك بديلا هو “الأمة” الغازية بدلا من القبيلة الغازية, وفي هذه الأمة ارتشحت القيم البدوية , التي تضاربت مع مركزية السلطة , وأحد تمظهرات التضارب كانت الردة وحروب الردة التي لها من الأسباب أكثر من سبب رفض المركزية السلطوية.
لقد تم القضاء عسكريا على الردة , ولم تتم ابادة المرتدين كما ابيدت قبيلة بني قريظة عن بكرة ابيها , لقد تم توحيد القبائل مجددا تحت راية الغزو الريعي, وتم تقسيم الغنائم بنسبة خمس الى أربعة أخماس , وتم فتح آفاق جديدة للحصول على غنائم الحرب في مصر وبلاد الشام وغيرهم من البلدان المفتوحة , والله الحريص على رعيته ..سبحانه !!! لم ينس أمر شرعنة السرقات التي سميت غنائم حرب , فجأة نزلت الآية الكريمة التي تضمنت الاقرار بأن مايأخذه المسلمون من أموال وأسلحة وأمتعة وعقارات ونحوها هي في الجملة للمسلمين ” فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ” وماذا تريد قبائل الغزو جمعا أكثر من ذلك الحلال الطيب للجميع ؟؟
زاوية المربع الرابعة والتي تذكرني بنظرية المربعات التي يخجل اللسان عن النقض باسم مبتكرها , هي زاوية المجتمع الرعوي أو العقل الرعوي الرديف تقريبا للعقل القبلي البدوي , فالعقل الرعوي هو عبارة عن منظومة قيمية أرتبطت بشروط تاريخية معينة , والعبرة في العقل الرعوي هي سهولة تسربه الى مفاصل الدولة الحديثة , وسهولة التسرب أكبر بكثير من سهولة تسرب العقل البدوي , والدليل على ذلك ضغيان تسربات العقل الرعوي على تسربات العقل البدوي فيي كينونة الانسان العربي المعاصر الذي يجمع حقيقة بين العقل البدوي والعقل الرعوي بآن واحد .
العقل البدوي محلي ومختص أصلا في مرحلة ماقبل الحداثة , أما العقل الرعوي فليس محليا ولا يرتبط بالصحراء , الا أنه يتشارك مع العقل البدوي في عرقلته لقيم الحداثة , يرتبط العقل الرعوي بثنائية الأنسنة – التوحش , ثنائية النظام- الفوضى , ثنائية الأخلاق – الجلافة … الخ , اضافة لما تقدمه الشعوب العربية-الاسلامية من مظاهر رعويتها وثنائيتها , يمكن القول بأن العديد من النظم العالمية التي ولدت في عصر الحداثة كالنازية والفاشية هم عمليا حالات رعوية , كما هي حالة الجمهوريات والمملكات العربية , الصناعة تخلق مجتمعا علميا ولا تخلق مجتمعا علمانيا , والصناعة لاتنفي وجود المجتمع الرعوي , البترول لايغير , بالرغم من ناطحات السحاب , من طبيعة المشيخة الرعوية التي لاتستسيغ النظام وتميل الى الفوضى والى الجلافة الأخلاقية .
سوف أكتفي بخصوص العقل الرعوي بما قدمته بشكل شديد الاختصار , فبحث خصائص العقل الرعوي يتطلب تفصيلات تجعل من طول المقالة أمرا غير مستحب , ستكون هناك تتمة تشرح تفصسليا الزوايا الاربعة التي تم ذكرها , خاصة الزاوية الرابعة ….
