هل خير أمة في مقدمة الأمم ؟

July 7, 2018
By

 ممدوح  بيطار:

التأخر  هو  مايميزنا  عن  غيرنا  المتقدم  , واشكالية   “الثوابت “هي   أحد هذه الميزات  التي   لاتجد تداولا مكثفا   الا في الخطابات  السياسية والدينية  والاجتماعية الاسلامية  العربية , بالرغم  من  قدم   مفهوم  الثوابت  على  الأقل  كقدم  الاسلام   , الا  أن  استخدام  هذه المفردة حديث  حداثة  الاخوان وحسن البنا.

لاوجود  لهذه المفردة في التداول السياسي   أو الفكري الغربي الا في مجال العلوم , وانتشار  ظاهرة  مفهوم الثوابت   في  الشرق  العربي  الاسلامي , يوحي  بأنه لهذا المفهوم عمقا    كبيرا في   الحضارة  العربية -الاسلامية   … “يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء”.

لقد اعتبر  حسن البنا  وتلاميذه  الثوابت والمتغيرات منهجا  للاخوان,فالمتغيرات التي   كانت  قليلة  جدا هي الأمور  التي يمكن لها   أن تتبدل حسب الظروف ,  أما الثوابت  التي  كانت كثيرة  جدا فلا تتغير   أو تتبدل  أو تتطور ,وهي صالحة  لكل زمان ومكان , الفكر  الاسلامي  العربي كان  بالنتيجة   فكر  ثوابت  أكثر منه  فكر   متغيرات  ومتحولات   ,  والثوابت   هي  التي  ضبطت   بشكل  رئيسي   مسلكية   البشر   في  المجتمعات   العربية  الاسلامية  .

نظرا   لضدية  الثابت  مع  المتحول   و  لكون  ظروف  الحياة   متحولة  بشكل  رئيسي ,  وجدت   الدعوة صعوبات في   مصالحة الثوابت مع ظروف الحياة الواقعية  المتغيرة   المتحولة,  فالثوابت ترفض  الواقع  وترفض التغير الاجتماعي والسياسي  الذي هو  أساس  وجود البشرية , لذا  ولكي  تتم المصالحة بين  الواقع  المتغير  والثوابت  يجب تغيير الواقع  لكي ينسجم مع  الثوابت  , وهذا  ماعبر عنه   سيد قطب    باتهامه   بعض    تقدم المجتمعات الاسلامية العربية بأنه  عودة  الى  الجاهلية ,  لذا  يجب   أسلمة    هذه  المجتمعات  من  جديد  ,

الثوابت هي   بالممارسة نظام لمعارضة الواقع  , نظام لفرض مفاهيم  اسلامية   منسجمة   مع   الثوابت  الاسلامية   بالرغم  من   غربتها  عن  الواقع  ,وكلما تغير الواقع   باتجاه   مستقبلي  على  ثوابت الاسلام  اعادته الى  الاتجاه   الماضوي  ,  بكلمة   أخرى لامناص من جملدة  الواقع   ليتحول  الى  ثابت    كالمفاهيم الثابتة  , والسؤال  الحرج هو   في   أي  مرحلة   أو   حالة   تريد    ثوابت  المفاهيم   تثبيت  واقع  الحياة   ,   الأرجح  بأن    تثبيت  واقع  الحياة ,  حسب   النظرة   الاخوانية ,  سيكون   في    حالة   بلغت  من  العمر  1400  سنة ,  وبعد   ألف  سنة  من  الآن     سنعيش   في  واقع  عمره  2400   سنة ,   يا لها  من  نظرة  مبشرة  بالخير والتقدم  !!

من  الواضح   على  أنه في  الحالة  التي  يريدها  الاخوان  لهذه  الشعوب   الكثير  من   “القصور”   أو  بتعبير   آخر   انها  حالة  القصور   المطلق ,  التي  من  رحمها  ولد   الاعجاز  العلمي في  القرآن ,  الذي  يريد  نفي  وجود  التأخر  ,   الاعجاز    يتوهم   بأنه  شطر  الذرة   دون    أن  نرى  ذرة  مشطورة  في   هذه  المجتمعات   ,  الاعجاز    اخترع  مركبات  الفضاء   دون    أن  يصعد   الاخوان    الى   القمر …   الخ ,  من  المؤسف   في  هذه    الحالة   رؤية   من  استكان  لهذا  الوهم    الذي  قضى  على  فاعلية ,    ولماذا  الفعل  والفاعلية  عندما  تكون  خير   أمة   في  مقدمة   الأمم ؟

استعراض عابر  لما حدث في اوروبا في  القرون الخمسة الأخيرة  يظهر المسيرة الأوروبية المتعاكسة  مع  منظومة الثوابت, فقبل  خمسة قرون بدأت أوروبا  بالخروجمن الدين  دون المساس  بوجود الدين , ثم   أتت الثورة الفرنسية  لتفصل الدين عن الدولة  وتلغي الامتيازات الكنسية وتؤكد  الاعلان عن حقوق الانسان  في الضمير والمساواة , ثم  الغاء  تهمة الكفر  وازدراء الأديان ,  فازدراء الأديان  لم يعد  تهمة , كما هو حالنا اليوم  حيث  يعتبر   أي نقد لممارسة   أو فكرة دينية  بمثابة  ازدراء  للدين  .

لم  يتمكن  الاسلاميون  من ادراك   جوهرية  الثوابت  في   القضاء  على    أي  تقدم , ولم   تكن هناك  ارادة  في  دراسة   وتحليل  عوامل  التقدم  الغربية ,  بدلا  من  ذلك   امتلكهم  الشعور  الوسواسي   بأن  منزلة  الدين  في  خطر محدق   والكارثة  ستحدث   ان  لم  يحصنوا  االدين  ضد  االتلوث ,  والتحصين   اتخذ   شكل  التشدد   بالثوابت   الضامنة  لعدم  التلوث   بالشوائب   اليهودية  الغاشمة   والماسونية  الملحدة  الهدامة   واالصليبية  الحاقدة  والعلمانية  المارقة  …  كل  هؤلاء  الأعداء   مارسوا  هجمة  شرثة    يجب  مقاومتها   بالمزيد  من  الصلاة  والتعبد  والاصرار  على   طرح  مشروع  الشريعة   الصالحة  لكل زمان  ومكان”فالقرآن  هداية   لعامة  البشر  ورحمة    للعالمين   وجامع     لسنن   الاجتماع   وموافق  لمصالح  الناس   ودرء     المفاسد  (رشيد  رضا),  الاسلام   دولة  ووطن ,  حكومة  وأمة   ,  خلق وقوة  ,  رحمة وعدالة ,  ثقافة وقانون     ,  علم  وقضاء ,  كسب  وغنى ,  جهاد  ودعوة ,  جيش  وفكرة ,    عقيدة   صادقة   وعبادة  صحيحة    سواء  بسواء ….

هذا  كان  جواب   الاسلاميين  على    حملة  التنوير   التي  ترافقت  مع  الترقي   الغربي   المحسوس  الملموس ,   جواب   خلق  الأوهام  بدلا  من  السير  الى  الأمام !

Tags: , , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • منجزات الحل الأمني

    لو أردنا تعداد منجزات الحل الأمني، الذي خص النظام السوري به شعبه ووطنه، لوجدناها متجسدة بوضوح ما بعده وضوح في المآثر التالية: وضع السلطة في مواجهة عسكرية مع مجتمع يفترض […]

  • الملحمة السورية

    كائنةً ما كانت تسمية الحدث السوري الكبير، «انتفاضة» أم «ثورة» أم «حرباً أهلية» أم «أزمة»، وهو خليط من هذا كله، فإن ما يميزه عن أقرانه درجةُ العدوان الذي يُمارَس على […]

  • التدخل الخارجي ..واقع ..رغبة ..أو ضرورة

    علي وعلى اعدائي يارب من يراقب الأحداث والأخبار   يصل الى قناعات معينة  لاتتفق مع الكثير من التصريحات والاعلانات الرسمية , فهناك على سبيل المثال  موضوع التدخل الخارجي  , حيث  يصنف  […]

  • عين على “الإخبارية”.. وعين على حوار الأسد

    استضافت “الإخبارية” في لقاء وسمته بـ”الحصري” د.بشار الأسد عبر وجهيها ربى الحجلي والعراقي حسين الفياض، “الإخبارية” هذه حسب ما يروج عنها تتمتع باستقلال تحريري، لكن على ما ظهر ويظهر فاستقلالها […]

  • الطائفية المزمنة

    البعض يعجب من قرب الشعب السوري حاليا من الممارسات الطائفية , معتبرا ان الطائفية أمر حديث , متجاهلا تاريخ الطائفية الممتد حوالي 1400 سنة الى الوراء,الطائفية المزمنة لاتزال تنهش جسد […]