لماذا نجحت القوميات الغربية الأوروبية, وفشلت القومية الشرقية العربية ؟

May 30, 2018
By

نيسرين  عبود:

هناك  فروق  كبيرة    وكثيرة  قادت  الى   النجاح  الاوروبي   والى  الفشل  العربي  ,  منها  التفاوت  الزمني   , حيث  بدأ  الفكر  القومي  العربي  مع  نهاية  الفكر  القومي  الأوروبي ,  ويمكن  تقريبا  القول  بأن  االثورة   الشيوعية  كانت    علامة  من  علامات  نهاية  الفكر  القومي  الأوروبي وبداية  للفكر الأممي  النقيض  للفكر  القومي  ,  فبداية  الفكر  القومي  العربي   ارتبطت  تاريخا    مع  نهاية الفكر  القومي  الأوربي   ,   لقد    أخذ  العرب  الكثير  من  المفاهيم   من  الفكر  القومي  الأوروبي ,  الا   أن   امداد   الفكر القومي  العربي بمفاهيم  قومية   أوروبية  جديدة    توقف  تقريبا مع   توقف   نمو  الفكر  القومي  الأوروبي  وبداية  مرحلة   أممية   في   أوروبا ,

كانت البلاد  العربية مستعمرة   عثمانية   ,  وكان  هناك  تقبل  من  قبل  الاسلاميين   للوضع  العثماني   , لأن   الخلافة  العثمانية  حسب   رأيهم  لم  تكن  احتلالا  وانما  امتداد   للخلافة  العباسية  والأموية ,   لم  يتجرأ   العرب  من  المجاهرة   بفكرهم  القومي   الا  بعد    الاستفزاز  الذي  مارسته   حركة  الاتحاد  والترقي  التي   عزلت  عمليا  الخليفة  العثماني  وباشرت   بتتريك  المستعمرات ,  مما  قاد,  خاصة  بعد  أن  أصيبت  الخلافة  بالوهن , البعض   خاصة من  ذوي  الأصل  اللبناني   لممارسة   التفكير  المعاكس  والمعارض(نجيب  عازوري  وبعده   أنطون  سعادة )  لاعتبار  الخلافة  استمرار  وليس  احتلالا.

نشوء  الفكر  القومي  العربي   لم  يكن   نتيجة  لصراع  مع   الفكر  الديني  كما كان  الحال  في   أوروبا  وانما  نتيجة  للصراع  مع    العثمانيين ,  في   أوروبا  انتصر  الفكر  العلماني   وبالنتيجة   تشكلت    سلطات    قومية  علمانية    ديموقراطية   ,  عكس  ذلك  حدث  في  الشرق   , فالسلطات   التي  حكمت  البلدان  العربية   خاصة  في  الشام  بعد  سايكس  بيكو  كانت  قومية   وبعد  عام  ١٩٢٨   ارتشحت  هذه     السلطات   القومية   بالفكر  الاسلامي  السياسي,  ثم  قيل  بأن  العروبة  اسلام  والاسلام  عروبة  ….  هذه  السلطات   القومية  -الاسلامية  لم  تكن  علمانية  ولم  تكن  ديموقراطية ,  هناك   في  أوروبا  تم   الفصل  بين  الدين  والدولة  ,  وهنا  تم  دمج  الدين  بالدولة  ,  وهل  من     الغريب  فشل   الديكتاتوريات  ونجاح  الديموقراطيات ؟؟  لذلك  نجح  الفكر  القومي  الأوروبي  وفشل  العربي .

لم  يكن  من  الممكن   أن تصل  الأوضاع  العربية   الى   حالة  البؤس  التي  نلمسها  ونراها   لو  لم  يرتكب  الفكر  القومي  العربي -الاسلامي   أخطاء  قاتلة   لم يرتكبها  الفكر  القومي  الأوروبي ,  الذي  كان  ثورة   بمنتهى   الايجابية  والابداع ,  خاصة  في  مجال    اشكالية  الحرية ,  حرية  المواطن    وحرية  الوطن   وتحرير  الدين  من  الخرافة  وتحرير  المرأة   والتحرر  من  الجهل ,  أما  الذي  حصل  عندنا  فقد  كان  نوعا  من    العصاب  القسري  الطائش  , لقد  ركز  الفكر  القومي   العربي  كل  اهتمامه  على  موضوع   تجاوز   التبعية  للغرب  والتحرر  من  الاستعمار  الغربي  , بعد  أن  حرر  الغرب   هذه  الشعوب  من  الاستعمار  العثماني ,  هنا  لايمكن  لوم  هذا  الفكر  على   ممارسة  السعي  الحثيث   للتخلص  من   الاستعمار  الخارجي   ,  الا  أنه  في  هذا  الخصوص   بقي ولعقود    عديدة  يراوح  في  مكانه  ,  ذهب  الاستعمار   مباشرة  بعد  نهاية  الحرب  العالمية  الثانية   ,  وانتهت   الاشكالية   ,  الا   أن    الجهاد  ضد  الاستعمار   بقي  وكأن  الاستعمار  لايزال  موجودا , تلذذ   الفكر  القومي   العربي    بالمراوحة  في  المكان  ,  لتمكنه  من  توظيف  هذه  المراوحة   في  تكريس  بقائه   أو  بالأحرى  بقاء   العسكراتاريا   التي  تبنته,   ترافق  العمل  من   أجل  التحرر   من  استبداد  مستعمر  لم  يعد  له  وجود   مع  العمل  الحثيث  لتكريس   مستعمر  استبدادي  داخلي, بكلمة   أخرى  ترافق  السعي   الوهمي   لتحرير  الوطن مع   صناعة ديكتاتوريات   استعبدت    المواطن  وسلبته  حريته ….ظاهرة  تحرير  الوطن واستعباد   المواطن  !!!  ,  لم  تفهم  الديكتاتوريا  القومية  العربية  -الاسلامية   على   أن  تحرير  الوطن   لايتم  الا  عن  طريق   تحرير  المواطن   , وبأنه   لايمكن  جمع  ضدية  تحرير  الوطن  مع   استعباد  المواطن  وبناء     المزيد  من  السجون   للمزيد  من  المواطنين ,  وعلى  هذا  المنوال   تم تحرير  الوطن  من  الفقر   بافقار  المواطن   ,  ومن  الجهل   بتجهيل  المواطن   وتخريب   مؤسسات  التعليم  وانشاء   مركز  تحفيظ  القرآن ,  تنمية  المجتمع  المدني  عن  طريق  الدولة  الأمنية  التي   قتلت  المجتمع  المدني  ,  مكافحة  الأصولية  عن  طريق  خلق  الظروف   التي  تمكنها  من  النمو  والتعاظم   الذي  فاجأ    الكثير  من  الناس  بعد  انفجارات  الربيع  العربي ,  كل  ماذكر  من  أخطاء  , ولو  اتسع  المجال  لذكرت   أكثر  منها  , لم  تجد  ممارسة   في  ظل   القوميات  الأوروبية   ,   لقد  كان  هناك  العكس  مما ذكر   لذك   كان  هناك   النجاح  وهنا  العكس  منه   أي  الفشل .

نشا  الفكر  القومي  الأوروبي   في  دول  مستقلة ,  بينما  لم  تكن   الدول  العربية  التي  نشأ  بها  الفكر  القومي  العربي  مستقلة   ,  والتحديات   الخارجية  التي  تعرضت  لها   الدول  العربية  تختلف  جذريا  عن  التحديات  التي   تعرضت  لها   الدول  الغربية   التي   امتلكت الاستقلالية  وامكانية  اتخاذ  القرار,   هناك  ولد  التنوير    وتمكن    من  التأثير  على  الأوروبيين  , الذين  تواجدوا  في  مجتمعات  علمية  صناعية   علمانية   ,لم  يكن  للتنوير  المنقول  من    أوروبا    الى  الشرق  ذلك  التأثير  الكبير   , مفاهيم  التنوير  لم  تجد  في  الشرق العشائري  المتخلف   ثقافيا    تفاعلا  ايجابيا  كافيا ,  اضافة  الى  ذلك   مناصبة   العداء  للغرب  ورفض  الغرب  الذي   لازال  قائما    والمؤسس   على  عدة  عوامل  منها  مسيحية  الغرب  ومنها  الحسد  الذي  يتحول  عادة  الى  حقد  ورفض   ,  ثم   اشكاليات    أخرى تتعلق بمهمات  الدين  وعلاقة  الدين  بالسياسة   التي  انعدمت  في  الغرب   وراجت  في  الشرق  خاصة  بعد   ولادة  الاخوان  عام  ١٩٢٨  .,  هناك   أمور  تتعلق  بحقوق  المرأة   وحقوق  الانسان   التي  طورها  الغرب  الى الأمام  بينما  طورها  الشرق  الى  الوراء..الخ , لم  تختلف   مسببات   الرفض  والعداء للغرب  قبل  قرن  من  الزمن   عنها  في  هذا  العصر   ولم  يتغير    بهذا  الخصوص   أي  شيئ .

نجاح  مفهوم  لايتعلق  فقط  بجودته  المجردة    ,انما بشكل   تطبيقاته  ,  وشكل  التطبيقات  متعلقة   بالجهة  التي  عليها   التطبيق  ,   تطبيقات  الفكر  القومي  الأوروبي  كانت  بيد  شعوب   أكثر  تطورا  من  شعوب  المشرق  ,  اضافة  الى  ذلك  كان  الفكر  القومي  الأوروبي  فكرا  شعبيا   بينما  كان  في  المشرق  فكرا  نخبويا   ,  وفي   أوروبا    لم  تكن  هناك    أي  امكانية   للتشويش  من  قبل   المفاهيم  الدينية   ,  بينما  كان  التشويش  في  الشرق   ولحد  الآن  بأقصى  قوته   .

حقيقة   لايمكن  القول بأن  وفاة  الفكر  القومي  العربي  كانت  مبكرة ,  فلكل  فكر   دورا  يلعبه   ثم  يأتي  فكرا  آخر   ليحل  محله   ,  هذه   الآلية  غير  متجذرة  في    جو  المقدسات   العربي  ,  المقدسات   لاتحب  الجديد   من  الأوضاع   وحتى  الجديد  من  الأشخاص   ,  الصورة  التي  قدمها  ويقدمها   الرؤساء   والزعماء  العرب  معبرة  جدا   عن   الوضع   الفكري  والمسلكي  العربي ,  فلطالما لايزال  الزعيم   او  الرئيس   على  قيد  الحياة   لالزوم   لرئيس   أو  زعيم  جديد   ,  وحتى  الموت  السريري   للرئيس    لايعفيه  من  مهمات   خدمة  الوطن   الحبيب  ,  وبعض  الرؤساء   لايزالون  يمارسون  مهماتهم في  خدمة   الوطن  العزيز حتى  من  قبورهم  .

Tags: , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • البناء الفوقي للقمع !

    بقلم:راتب شعبو: حين تقرأ عبارة “سوريا الشيشكلي” أو “سوريا القوتلي”، تفهم أن المقصود هو سوريا في زمن حكم الشيشكلي أو القوتلي. أما حين تقرأ عبارة “سوريا الأسد” فلا بد أن […]

  • الاديان وخدمة الانسان

    هشام أحمد وجدت الأديان على مر التاريخ لهدف سامي , وهي نقل الإنسان من حالة التشرزم والتقاتل ضمن المجتمع البشري الوحد إلى نظام يسوده بدرجات متفاوته شيء من الانضباط , […]

  • نظرة فنية للواقع السوري ..جمال سليمان !

    في الشريط المسجل  عن الفنان جمال سليمان   نجد  تحليلا جميلا  وصادقا عن وضع الوطن , وعن التطورات التي حدثت مع الرئيس بشار الأسد , ولا يوجد نقطة , الا وأتفق […]

  • مقابلة مع بسام الاحمد الناطق الاعلامي لـ (مركز توثيق الانتهاكات في سوريا)

     بقلم :كلنا شركاء  أجرى المقابلة: كمال شيخو- دمشق مركز توثيق الانتهاكات في سوريا يقدم نفسه على أنه “منظمة مدنية مستقلة؛ غير حكومية وغير ربحية”. بدأ عمله في مجال رصد وتوثيق […]

  • المهزلة التي لاتنتهي

    اما آن الأوان لوضع نهاية الى مهزلة محاكمة الفنانات والفنانين , الذين تظاهروا في الميدان , , حيث تأجلت المحاكمة للمرة الثالثة على التوالي الى يوم 21-11-2011 , والتهمة هي […]