عن الإسلام السياسي

March 9, 2018
By

راتب  شعبو: 

نتحدث عن الإسلام السياسي بوصفه التنظيمات أو الجماعات التي تزعم لنفسها معرفة قطعية بالمقاصد الإلهية، وتزعم القدرة على الحكم “بما أنزل الله”، وتريد فرض “معرفتها” وزعمها هذا على الناس. هذه الجماعات، والحال هذه، تنسب لنفسها، ببساطة، مقدرةً فوق بشرية، تتمثل في معرفة “الشريعة” المعرفة الصحيحة، أي المعرفة المطلقة. الانتقال من نسبية المعرفة البشرية إلى إطلاقية المعرفة هو ما يميز الإسلام السياسي الذي نتحدث عنه، بصرف النظر عن أسلوبه في العمل، سلماً أو عنفاً. ولنا أن نشير، بكل راحة ضمير، أن هذا الإيمان الذي تبديه مثل هذه الجماعات بمعرفة “خيرة الله” (أكان إيماناً حقيقياً أم مفتعلاً، أقصد أكانت الجماعة مقتنعة حقاً بأنها تعرف أو أنها توحي بذلك لكي تفرض ذاتها) ، هو طريق سالكة إلى عنف إلغائي أكيد، مهما بدا “دعوياً” ومسالماً، وربما ديموقراطياً، في بدايته. لأن صاحب القناعات المطلقة فيما يخص الشأن العام هو عنيف وإلغائي بحكم الضرورة، أما التنظيم الإسلامي الذي لا ينسب لنفسه هذه المعرفة فإنه يخرج من ذلك التعريف، ويدخل في إطار التنظيمات أو الجماعات ذات المرجعية الإسلامية، وهناك جماعات إسلامية سياسية راحت تدخل في هذا الباب، منها حركة النهضة التونسية على ما يبدو.
لنشاط الإسلام السياسي في المجتمع المتنوع دينياً ومذهبياً أثر مضاد للتحرّر. حين يبني الإسلام السياسي قوته على تفعيل الهوية الدينية المذهبية، فإنه يوجّه للمجتمع الذي ينشط فيه ضربة تتمثل في تفتيت القاعدة الشعبية وفق خطوط انقسام دينية ومذهبية، تشل خطوط الانقسام السياسية والاقتصادية، أي خطوط الانقسام بين من يحتكرون السلطة والثروة قسراً والمستَغَلين والمقموعين والمهمشين سياسياً واقتصادياً. تجميع الناس على أساس مذهبي لخوض معركة سياسية، يعرقل تجميعهم على أساس مصالحهم السياسية والاقتصادية والمعيشية. والواضح أن هذا التأثير التفتيتي يتضافر مع السعي الدائم للطغمة الحاكمة إلى تفتيت القاعدة الشعبية وفق خطوط الانقسام المتاحة، بما فيها الدينية والمذهبية، لضمان استقرار حكمها. الإسلام السياسي يفتت القاعدة الشعبية، لكي يبني قوة أساسها الهوية المذهبية، والطغمة الحاكمة تفتت لكي تسهل السيطرة على القاعدة الشعبية. العداء لوحدة القاعدة الشعبية مشترك بين الطرفين.

مهما احتدم الصراع بين الإسلام السياسي والطغمة الحاكمة، فإنه يبقى صراعاً عدمياً غير منتج سوى للدمار والتأخر، لأنه منزاح عن خطوط الصراع ذات المعنى السياسي والاقتصادي في المجتمع، ولا يتقدّم هذا الصراع إلا على حساب الصراعات السياسية المنتجة، والتي تنطوي على أفق تحرري ممكن.
لا يتوقف التأثير السلبي للإسلام السياسي على المجتمعات المتنوعة دينياً ومذهبياً، فهو يشلّ أيضاً فاعلية خطوط الانقسام السياسية المنتجة في المجتمعات المتجانسة دينياً ومذهبياً، كما في الجزائر أو ليبيا مثلاً، لأنه يصارع على أحقيته في قيادة الأمة، ليس بقوة برنامج أو مشروع سياسي متقدم يقترحه، بل باعتباره “الإسلام الحق” الذي يحيل غيره إلى باطل.
ينطلق الإسلام السياسي من كونه الممثل السياسي البديهي “للأمة”، المعرّفة بهوية مذهبية متجانسة تعلو فوق الانقسامات داخلها. وعليه، فإنه على قناعة بأن شرعيته مستمدة من وجود “الأمة” ذاته باستقلال عن أي برنامج سياسي. أو لنقل إنه يستمد تمثيله الأمة من كونه يمثل “الحق” الذي يضمحل أمامه كل معنى للفروق السياسية. ليس على الإسلام السياسي سوى أن يعلن عن نفسه ليكون صاحب الحق في ولاية الأمة. هذا الاختزال العجيب يعفيه تلقائياً من تقديم مشروع سياسي مدروس وعلمي، يحوز بواسطته مكانة سياسية في نظر الجمهور. وهذا الاختزال يضعه تلقائياً أيضاً في عداء تام مع أي تمثيل سياسي آخر، بما في ذلك مع ضروب الإسلام السياسي الأخرى.
هذا ما يفسّر أن الصراع بين أحزاب وفرق وتشكيلات الإسلام السياسي هو صراع وجود وليس صراع برامج أو مشاريع أو رؤى سياسية، دع جانباً صراعها مع التعبيرات السياسية غير الإسلامية. الأمة المتجانسة لا تحتمل أكثر من ممثل سياسي واحد. الحق واحد ويمثله تنظيم واحد. ومن طبيعة الأمور أن يسعى هذا الحق إلى تأكيد وحدانيته، بسحق الآخرين على أنهم وجوه “الباطل”. لذلك نجد أن نشاط الإسلام السياسي عنيف وإلغائي، أو سلمي ومتعايش، إلى أن يتمكّن من “إعداد ما استطاع من القوة” لكي يجهز على الباطل الذي هو كل ما عداه.
حين يعتقد تنظيم سياسي ما إنه يعرف ما يريد الله لنا، وإنه يستطيع أن يحكم “بما أنزل الله” فإن الواقع السياسي المنسجم مع تصوره هو فردانيته في تمثيل الأمة، في نسخ “دنيوي” للفردانية الإلهية التي لا تقبل الشرك. من الطبيعي أن تكون الشراكة السياسية، في نظر هذا التنظيم، شراً قد يضطر إليه، ولكن يجب أن يعمل على تحقيق الفردانية ما استطاع، والاستطاعة هنا تعبير عن قوة مادية عنفية فقط، ذلك أن جماعة الإسلام السياسي تؤمن أنها تحوز على المعرفة التامة، وعلى التفويض الإلهي، ولا ينقصها سوى القدرة (القوة) على التنفيذ.
وكما يتضافر نشاط الطغم الحاكمة مع نشاط الإسلام السياسي، في تفتيت القاعدة الشعبية، يتضافر نشاطها أيضاً مع نشاطه في تهميش فاعلية المشاريع والبرامج السياسية، من خلال اجتهاد هذه الطغم في منع نشوء تعبيرات سياسية مستقلة، وقمعها ومنع وصولها إلى الشارع.
تفتيت القاعدة الشعبية على أسس مذهبية، وتهميش دور المشروع والرؤية السياسية في حياة

الأحزاب، هو عمل مشترك يواظب عليه أرباب التفرد من الطغم الحاكمة أو من التنظيمات “الإلهية”. ويحيل هذا العمل الصراع السياسي في المجتمع من صراع بين مشاريع ورؤى سياسية إلى صراع هويات مدمر، بقدر ما هو عقيم. لذلك نرى في المثال السوري كيف أن الإسلام السياسي يهرب من التوصيف السياسي لنظام الأسد، ولا يجد له معنى، ويعتمد التوصيف الطائفي، ذلك أنه لا يحارب هذا النظام، لأنه مستبد أو فاسد أو فاشل ..إلخ، بل لأنه من “هوية” مغايرة، كما يرتسم في تصورات هذه الجماعات.
التفرّد قاسم مشترك بين الطغم الحاكمة وتنظيمات الإسلام السياسي، الطغمة الحاكمة تفرض استقرار المجتمع على تفرّدها بالحكم قسراً، والإسلام السياسي يريد تفجير هذا الاستقرار القسري ليس لأنه قسرياً، بل لأنه “كافر” أو “جاهلي”. لا يَعدُ الإسلام السياسي الناس بصيغة استقرار تقوم على التنوع والتبادل والمشاركة والخيار، لأنه في ذلك يضرب أساس تفرّده، باعتباره “الحق” الوحيد الذي ينبغي أن يبقى، في أفقه الأقصى، بلا شريك. لا يستطيع الإسلام السياسي أن ينتقد الإكراه أو القسر الذي يمارسه النظام السوري، لأنه هو أيضاً يعد باستقرار يقوم على القسر، لكنه، هذه المرة، قسر إسلامي، لا يجب فقط قبوله والرضوخ له، بل ويجب أيضاً احترامه وتقديره لأنه استقرار على تفرد الإسلام السياسي الحاكم، أي استقرار “الإسلام الحق” الذي يعكس على الأرض الاستقرار والتفرد السماويين.
التواني عن نقد الإسلام السياسي لا يخدمه بقدر ما يخدم الطغم الحاكمة، ذلك أن القيم العالمية المعاصرة سوف تميل إلى قبول هذه الطغم على قبول الإسلام السياسي. وعليه، فإن بروز المعركة السياسية على أنها بين الإسلام السياسي والطغمة الحاكمة يعادل تقديم خشبة خلاص لهذه الأخيرة.

Tags: , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured