العجزواللجوء الى الوهم

December 5, 2017
By

نيسرين عبود

هناك ضدية بين المعرفة ومفهوم المؤامرة ,فكلما ازدادت المعرفة تناقصت فرص ظهور المؤامرة كمفسر للنكبات والكوارث , الا أنه لمفهوم المؤامرة جذور أخرى على قدر كبير من الأهمية , فمعظم مانراه ونلمسه ونعيشه ذو أساس أو خلفية دينية ,والمؤامرة ليست استثناء, أكاد أرجح وجود جذور عميقة للمؤامرة في التفكير الديني (سورة عمران والبقرة..الخ)

لقد كان هناك في القرن السابع نوعا من الارتياب من مؤامرات اليهود والنصارى , والأمر لم يتغير كثيرا في القرن الحادي والعشرين ,وذلك بفضل ثقافة “النقل” المتجذرة في النفوس …كما كان الماضي كذلك هو الحاضر , والمفردات المعبرة عن ذلك أكثر من أن تعد …هجمة صليبية عدوان صليبي مباركة مسيحية للغزو الروسي لسوريا …الخ , فاليهود والنصارى مستمرون في التآمر, انهم بلاء هذه الأمة التي لم تفعل مايكفي لتجنبه , الأمة وقعت فريسة المؤامرة في الفتنة الكبرى والمؤامرة خلقت الانشقاق وخلقت الفصيل الشيعي , ولو اعترفت حقا بوجود المؤامرة فاني لا أستطيع استيعاب كون هذه المؤامرة هي المسبب لكافة التعثرات العربية -الاسلامية , اذا لاوجود لأي تعثر كبر أم صغر الا وكانت المؤامرة ورائه ومسببة له

تعميم السبب المؤامراتي على كل الأحداث حول هذا المفهوم , نظرا لابتعاده عن النظرية وولادته من رحم الفرضية , الى أسطورة أو حكاية تطلب الاعتقاد بها بدون تحليل أو تفسير أوماشابه, تولد الأساطير من رحم الأفتراضات,وكثرة الافتراضات هي دلالة على خلل وأزمة فكرية, فالانسان يقف في حالات عدة حائرا أمام تطورات وتغيرات لايقتدر على تفسيرها وفهمها ,وليس للانسان في هذه الحالة الا الاعتماد على مخيلته وتصوراته في افتراض المسبب , هنا لايجد الا شرحا يتلائم مع فكره الغيبي المشحون بالجن والشياطين والقوى الشريرية التي تعمل ليلا نهارا على استهداف الأمة واستهداف مقومها الأوحد أي الاسلام, كلهم يريدون القضاء على الدين الذي هو ركيزة ومصدر حياة المسلم

الاتهامات تتطور لولبيا وكلما كبرت المصيبة تلولبت الاتهامات لتشكل بعد دلك خليطا بعيدا جدا عن الموضوعية والواقعية …دوامة من تصورات غيبية تصل الى درجة الهذيانات التي لايربطها بالواقع أي رابط , انها انتاج لأزمة التأقلم مع الواقع وفهمه والتفاعل معه ايجابيا. تعود أزمة التأقلم مع الواقع وفهمه الى الفكر ووسائل ممارسته , فالواقع متغير وغريب عن الأزمنة القديمة ,ووسائل التفكير ثم أسسه أيضا قديمة عتيقة , وبهذه الوسائل القديمة لايتمكن الفكر من التعامل مع ظواهر الحاضر المختلفة تماما عن ظواهر الماضي, هنا يقع الانسان في حالة العجز, حيث لايجد سبيلا الى الخروج من العجز الا عن طريق الوهم أي التصور والخيال , لذلك فاللجوء الى التصور ليس أمرا طوعيا وانما قسري وهو أولا وأخيرا جزء لايتجزأ من العجز

Tags: , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • حور العين أو عذاب القبر وجهنم !!

    سمير صادق: لايتساوى كل الذين ينقلون نقلتهم الأخيرة الى الآخرة مع بعضهم البعض , فهناك من له مع الجنة حسابات خاصة , هؤلاء تقدموا ,بفضل طغيان القتل على الموت, قافلة […]

  • الشخصية  الفلهوية مابين  النكبة والنكسة!

    جورج بنا: لقد كان صادق جلال العظم  من   أشهر من مارس  النقد  الذاتي   بعد  هزيمة  1967  , وقبله  كان  قسطنطين زريق  من   أول  من مارس  النقد  الذاتي  بعد  هزيمة  1948 […]

  • المسيرة !!سيري فعين الله ترعاك !!

    قبل فترة من الزمن قال السيد وزيرالخارجية  في مؤتمر صحفي  …ما ينتظر المواطن السوري هي  ديموقراطية غير مسبوقة  في هذا الشرق  , حيث  ستكون  هذه الديموقراطية قدوة  لمن  يقتدي غربا […]

  • ولادة الذات السورية وموت الوهم العربي

    لايزال هناك من يتوهم , وفي جريدة الثورة السورية هناك من يتوهم , اذ تعرفت هنا على مقال  لكاتب الثورة تحت  عنوان  “ولادة الذات العربية” في قسم “معا على الطريق”, […]

  • مخاض ولادة الجمهورية السورية الثانية

      أصبح من الواضح أن النظام السياسي في سورية لن يعود كما كان قبل الأحداث الأخيرة، وأنه هناك مجموعة من الاستحقاقات التي سنواجهها قريباً، والتي سترسم  مستقبل سورية لسنوات قادمة. في […]