فتنة الرأي الآخر !

March 4, 2017
By

 فاتح بيطار:

توا

Image result for ‫حرب الفتنة كاريكاتير‬‎

رى مفهوم “الفتنة” عن الأنظارلمدة ليست بالقصيرة ليعود في العقود الخمسة الأخيرة بقوة من خلال واقع عربي يتمثل بالاقتتال الذي يجري به توظيف الدين في الصراعات السياسية المغلفة بغلاف الفتنة , لقد عادت المفردات والأفكار والمصطلحات القديمة لتصبح وسيلة لتوصيف مايحدث الآن من صراعات تخص بشكل رئيسي علاقة الدين بالسياسة.
يصر وينصح البعض بضرورة الابتعاد عن ممارسة “الفتنة “, وهناك من يعتقد بنزاهة هذه الدعوة وطيبة قلبها وحسن نيتها , الا أن الأمر ليس كذلك فلموضوع الفتنة تداعيات عدة يمكن تلخيصها بما يلي:
1-الفتنة مفهموم اسلامي داخلي ,تم اختراعه لتوصيف حالات لاوجود لها في هذا العصر , فالفتن الاسلامية عديدة جدا والتاريخ الاسلامي يذخر بها حتى في أيام الرسول عندما اتهم ذو الخويصرة النبي بالجور في توزيع الغنائم, وعندما تم اتهام الآخرين باختراع الآيات وتوظيف هذه الاختراعات حسب ماتقتضيه المصلحة المادية -السياسية, بلغ مفهوم الفتنة أوجه في قضية عثمان وتمدد ليشمل المعارك من صفين الى الجمل والى كربلاء وقبل ذلك حروب الردة , فضلا عن كون هذا المفهوم ذو أصول جاهلية , لايعرف هذا العصر عثمان ولا يعرف غنائم الرسول ولا معارك صفين ولا يعرف الجاهلية وقضية بني عباس وبني أمية , لذلك فان استخدام هذا المفهوم في سياق الحالة السورية في غير مكانه وفي غير زمانه , أسلمة السياسة جرجر معه تعاريف ومفاهيم وممارسات اسلامية ماضوية كمفهوم الفتنة ثم مفهوم البيعة والولاية والدولة الاسلامية والذبح والثأر والجهاد والقتل والجنة والحوريات ,الفتنة اخترقت مرحلة التاريخ التي نعيشها الآن , وكان لها أن لاتخترق هذه المرحلة حالها كحال الاسلام السياسي الذي أتى في غير زمانه ومكانه واخترق حياتنا اليومية ثم صبغها بصبغة تأخرية ماضوية وكأنه علينا أن نعيش في القرن الأول الهجري .
2-للفتنة دلالات لغوية مختلفة ,القصد هنا هو الدلالة السياسية الايديولوجية, فمن يفترض بأن صاحب الرأي الآخر هو بمثابة مثير للفتنة , يتهم الآخر بممارسة اجرام يفوق القتل “والفتنة أشد من القتل”, لهذا فان اتهام طارح الرأي الآخر بأنه يثير الفتنة هو اتهام خطير جدا يتضمن التكفير وعواقبه , الفتنة مشبعة بمعاني الاحتراب والعدائية , فمن يثير الفتنة هو بمثابة عدو خسيس منافق يمارس الافساد في الأرض …مريض بدينه , ومحاربته هو واجب ديني , لذلك فان السيف هو الوسيلة الوحيدة للتعامل مع صانع الفتنة .. صنع الفتنة محرم شرعا ,مثير الفتنة هو كالروافض أوالخوارج أوالنواصب أو المرتدة لاهوادة معهم ولا رأفة .
3-كيف يرى الله صانع الفتنة وماذا يعد له ؟الله لايرحم مثير الفتنة , الله سيذيق مثير الفتنة أعظم العذاب وسينال مثير الفتنة من الله أكبر العقاب , أي أنه بمجرد وصم مخلوق بوصمة مثير الفتنة قد آل الى محكمة الله التي سوف لن ترحمه,هنا يصار الى تجنيد الله في تحريم الرأي الآخر تحت طائلة العقاب , فالله حقيقة لايحتاج الى “تجنيد” لأنه هو مصدر الوحدانية ومحتكرها وحاميها , انها شركة متكافلة متضامنة بين الله ورسوله والمؤمنين هدفها الغاء وشيطنة الفكر الآخر , الشيطنة تبدأ بوصف الرأي الآخر بأنه مثير للفتنة , وبعد ذلك تتوالى الأحداث القمعية والاحترابية ليصار عن طريقها حماية ديكتاتورية الوحدانية .
يحتاج مفهوم الفتنة الى تنقيب فلسفي , فالمفهوم مخاتل ,والاتهام باثارة الفتنة يخفي في طياته العديد من التشخيصات الخاطئة والتحذيرات الفارغة والتوعدات المتوحشة , العصر يتطلب ممارسة فن الاستفادة من التباين بين الناس وآرائهم ومواقفهم حيث لاوجود لوحدانية الرأي بين الناس , فالناس ليسوا واحد ,ومصير كل محاولة لقولبة الناس بقالب واحد سوف لن يكون الا الفشل !.

Tags: , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • عمر عزيز وعجز الرثاء

    كيف نرثي عمر عزيز شيخ الشباب الستيني؟ من أين نبدأ وأين نتوقف؟ وهل للرثاء من قيمة سوى مواساة الروح المكلومة؟  في حضور غيابه الطاغي يبدو الرثاء فعلاً أنانياً بحق، مجرد […]

  • مشكلة دمشق أنها لم تجد دولة عربية واحدة تقيم معها علاقة طبيعية دون تدخل سيد “البيت الأبيض.”

    يقول د. رياض متقلون “الحقيقة أن مشكلة دمشق ليست علاقتها  بإيران بل حقيقة أنها لم تجد دولة عربية واحدة تستطيع إقامة علاقة إستراتيجية معها يمكن الاعتماد عليها في مواجهة التغول […]

  • قراءة في خطاب نصر الله ماقبل الأخير

    خلال شهر نيسان (أبريل) المنصرم، لقي أكثر من 3300 مواطن سوري حتفهم على يد قوّات النظام السوري الموالية، أو أجهزته الأمنية المختلفة، أو قطعان الشبيحة وميليشيات ما يُسمّى بـ’اللجان الشعبية’ […]

  • استعمارية الثوابت

    لقد راق لي التفكير بخصوص الثوابت , التي تربينا عليها , الثوابت مريحة جدا , لأنها  تقضي على الحيرة والسؤال ,ولا لزوم لوجع الرأس آنيا  عند التسلح بالثوابت , فوجع […]

  • سوريا: المعادلات المستحيلة

    تبنـّت سوريا، وعلى مدى عقود طويلة سياسة خارجية صلبة وعنيدة في مقارعة وإحباط محاولات الهيمنة الغربية على دول المنطقة، واتخذت والحق يقال، خياراً مستقلاً، سيادياً، وطنياً، مقاوماً، وممانعاً جعلها في […]