من أجل نقد مزدوج للارهاب !

March 15, 2015
By

بقلم :نزيه كوثراني :

هل الحضارات التقليدية هي في زمن تقهقرها؟ لا. ليس بعد. هل هي في مرحلة الغياب الكلي لله الذي بغيابه يدفع نحو قيام تجربة روحانية جديدة؟ لا. ليس بعد. إذن أين هي من ذلك؟ إنها في عصر احتضار الآلهة. وحالتها الوسطية ليست بين غياب الإلهي وحضوره بل بين احتضاره الوشيك. بعبارة أخرى إنها في مرحلة انتقالية في مرحلة “ليس بعد”.
داريوش شايغان

انظر أيها الوغد كم انأ مدسوس وأصولي الجذور في كل هذا العنف الدموي التبادلي المدبر بقداسة هويتك وثوابت المعتقدات الدينية لشعبك. ذاكرتك ليست لك أنأ مالكها وأمير مرساها ومجراها. تستغرب كيف أنت مستعمر من الداخل وبكامل رضاك وتقواك. تحرص على قداسة من يحتلّ لا ذاكرتك وذاتك كلها بل أيضا مشروعك الوجودي. أنت لا تفهم سرّ الخبث والحقد الذي تشرّبتَه في طفولتك بلغة الله الجميل كما توهّم أحد المثقفين وهو يتذكّر طفولته وتنشئته الدينية الرثة متجاهلا خطورة الزبل الرهيب الذي يتحجّب بقناع الله الجميل، إله الخير والرحمة. هكذا أراوغ جهابذة الفكر فمن تكون؟ تلك تنشئة كانت تهيئك لعنف الدماء وألم الانحطاط وساحة لكل الطغاة. الآن تحتجّ بلغة صامتة خنوع ولسانك عاجز عن الصراخ كيف لهذه القذارة العفنة والنتنة من المذهبية والطائفية الدينية والثقافية والسياسية ومن المعتقدات الدموية التي ولدت بحدّ السيف السياسي أن تصعد عمقا وبشراسة إكراه الخوف والجهل والتخلف من السلف إلى الخلف وهي تكبر قداسة إلى درجة الموت في سبيلها؟ تكتشف بلغة البحار أنك تحمل في ذاكرتك وأعماق كيانك الجزيرة الخصبة للهوية – المذبحة التي تجعلك سهلا وفي متناول الغزاة المحليين والأجانب، أي للقهر والهدر الاستبدادي والامبريالي. فإرث القداسة هذا هو الذي يشكل ويصوغ ويقولب التصاميم الأولية لنفسيتك الفكرية والثقافية والسياسية والعاطفية. منذ ولادتك اكتشفت وقاحة كل ما يحيط بك لم تستطع أن تفرح وأنت تدرك سرّ الخوف والرعب الساكن في أعماقك. ما أبشعك وأنت تحرم من مسّ الإنسانية بعد أن اتخذتك شياطين الإرث الديني السياسي مأوى لنهب غنائم كينونتك. هذا الإرث الديني السياسي لما صرت تزعم أنّه هويتك وثوابتك هو ما صار أرضا خصبة لعنف الدماء. هنا بدأت تعرف أن عمرك ممتد في قرون أدغال التاريخ. ليس استعارة أن تقول ولدتُ أشيب الرأس. وبمعنى آخر ليس لك إلا أن تكون سلفيا بشكل أو بآخر. عجوز أنهكه ثقل التاريخ المروع لسطوة المعتقد على القلوب والعقول. لم يعد العدوّ أجنبيا كما تعرفه الشعوب بل هو في نعيم ذاتك تقدسه وتسبّح باسمه صباحا ومساء. يمتصّ دمك كوحش أسطوري ولا يمنحك أمل الراحة أو فرح حبّ الحياة. من أنت إذن؟ شيعيّ؟ سنّيّ؟ خارجيّ؟ معتدل؟ جهاديّ؟ متطرّف؟… لك الأسماء كلها اختر وتلوّن كما تشاء حسب ميولك وظروفك في الوطن أو في المهجر. ومن إرثك المقدّس في أعماقك تصنع مجازر اليوم كما افتعلت مجازر الأمس.

أتحدّاك أن تنكر قداسة موت المجازر وعنف الدماء الذي تحرص على حمله في أعماق كيانك وأنت تخاف من رعب اله الغزو والجهاد والنهب والسبي. أنت لا تفهم كيف أمكن لكل ما هو بشع في النفس والتفكير والمعنى والدلالات والعلاقات… أن يكون مقدسك وسر هويتك الموشومة في صدارة انطباع إدراك دماغك. تتساءل عن سر صلابة هذه الهوية العفنة للجهل المقدس وأنت ترى كيف تسلل الغزاة المحليون والأجانب وهم يزرعون ليس الألغام بل مجازر الإبادة للعنف التبادلي. تتذكر كيف كان أركون يصاب بالجنون وهو يرى التقاطع الجهنمي بين السلفية والاستشراق في تكريس قداسة الجهل وعنف الدماء وديمومة السيطرة والهيمنة. فمن تكون وأنت المنبوذ في العراء والتلميذ الغبي للأساتذة الكبار الذين ضحوا بأنفسهم جهدا وبحثا وفكرا وسجالا…لبتر مسخ القداسة العفنة التي التفت على الذات على مر القرون وتطاول الزمن. هل تعرف بأنك مريض ولا تقوى على هذه العملية المؤلمة والضرورية لاستئناف الحياة الحقة والتخلص من هذا الموات الأبدي؟ لا مهرب لك من ضرورة هذه العملية في حق الذات والتي وصفها هاشم صالح بروعة فاتنة ومشعة بنور الحياة وهو يرى قداسة هذا الزبل المخيف لمعتقد الهوية والثوابت والإيمان الدموي القاتل يخرج خائفا بمجرد أن لاحت له أدوات التشخيص والفحص وبجرأة قال هاشم “التنوير يأتي من الداخل أو لا يأتي”.
أنت تدرك في قرارة نفسك أيها المفكّر المزعوم أن الإسلام السياسي ولد في يثرب أو بشكل أدق مع النص المدني. هنا خلع الرجل جبته الدينية وامتطى فرسه أو ناقته معلنا نهاية التناص البنيوي للخيال الخلاق للتفاعل الثقافي الديني وكان للحياة في حركة تحولاتها التطورية الكلمة الفصل في ولادة النبي السياسي كما في كل منعطفات الحركة التاريخية للمجتمعات حيث يغيب السياسي كل أنماط التفكير والأشكال الإبداعية الأخرى. تذكر كيف قرأ بعضهم هذا الكلام وأنت تصرح به أوّل مرّة على حدّ تواضعك المعرفيّ وطاف حول النص الذي كتبته سبع مرات قبل أن يسخر من تشنّج لغتك وزحمتك مصطلحاتك . كنت تعرف أنّ له أوثانا معرفية يخشى أن تتكسر فيسقط عاريا أمام الربّ؟ هكذا كانت في الأعماق الثقافية والفكرية والنفسية تتراكم وتتناسل مزبلة قداسة هويتك التي تجعل كل واحد من قبيلتك يرى نفسه أهلا للحركة الدورية للإصلاح. مسبحة أنبياء انتم في هذا الزمن الغشوم. كيف لك أن ترى النور وأنت تقدس الظلمة وتقاتل باستماتة وباسم الشهادة للاعتراف بخصوصية قذارتك المقرفة التي يخصبها الغزاة المحليون والأجانب بعنف الدم التبادلي؟ هل أواصل سرد هلوساتك وأنت تقف مذهولا من فرط حدوس الروائي أمين معلوف وهو يدرك في “القرن الأول بعد بياتريس” صعوبة قتل أشباح الموت. فما دمنا نحمل في أعماقنا مشروع المقبرة فمعركتنا في الحياة خاسرة. والمجازر لا تأتي من السماء بل من قداسة هويتنا وإرثنا الثقيل بالرؤوس المعلقة على عتبات أبواب المدن. أردت أن أقول إنها تأتي من هذا الموات الأبدي لعودة الأموات.
“هل تعتقد بعودة الأموات . فأجبت محتجا ومتضايقا لأنه تصور أنني اصدق هذه الخزعبلات : كلا. فأردف قائلا أنت مخطئ فأنا لا أعني بهم تلك الجثث المزودة بمخالب والهائمة قرب المقابر بل أتحدث عن الأفكار البالية العائدة من اللحد والتي تضاهي الأموات بمخالبها المضرجة بالدماء سوف تصادفها في كل مراحل حياتك ولن تتمكن من القضاء عليها لأنها ميتة.”
صعقت من هول الضربة المباغتة وأنت ترى في أعماقك الأضحية البديلة للـ“أدويب” الديني . فهل تقوى على قتله أو على الأقل طرده ونبذه من أعماقك؟ لكنك تحتاج إلى وعي جماعي إلى عنف جماعي مؤسس. تحلم أنك الآن تراه في ثورات الشعوب وهي مدفوعة بقيم علمانية جديدة أفرزها التاريخ من حيث لا يحتسب الطغاة. عنيد ولا تسلم أنك تراود بتحرش خبيث أضغاث أحلام لوقف حمام الدم والهزائم والانهيارات والقهر الاستبدادي والامبريالي. لا خيار أمامك إلا التخلص من هذا الاوديب القابع في كيانك. الشر في داخلك فانهض واطرد المحتل الذي أسدلت عليه ستار القداسة.
إلى هنا تقول في داخلك معركتي مزدوجة كما يقول السوسيولوجي المغربي عبد الكبير الخطيبي في النقد المزدوج. أخفف أولا على ذاتي هذا العبء البشع المثقل بالدماء وظلمة المقابر والأحزان بالنقد الشرس الصارم والهدم الشجاع لكل ما يشكل قداستي المزعومة بثوابتها المحصنة في وجه الشك والجدل والبرهان والاحتمال والتفكيك…
ببساطة تريد أن تكون وتصير لا أقلّ ولكن أكثر من هذا تحلم به في الغد القريب. لا تريد أن تكرر صرخات المظلومية في نصوص جهابذة الفكر والفلسفة المعتدلة العاقلة وهم يعلنون براءة إسلامهم أو جدارة علمانيتهم وقوة وصدق مواطنتهم. هكذا يبتلعون الطعم شيئا فشيئا فتضيع حياتهم وراء الجري اللاهث لإثبات حسن نيتهم وصدق براءتهم وينسون بان الحقوق تنتزع ولا تعطى والهوية تبنى ولا تورث.
كعادتك تبالغ في استعمال التعبير النمطي “لنوسع الرؤية قليلا” حتى نتمكن من رؤية الأشياء على حقيقتها. كل الويلات والانكسارات والمجازر والحروب الأهلية والأخوية والمذهبية والطائفية والقمع والقهر جزء منا في عمقنا وكياننا. إنها هويتنا المقدسة بطقوسها وشعائرها. بمعنى أننا أحببنا أم كرهنا مشروع خراب وساحة للقتل والقتل المضاد، وأن السيطرة والهيمنة الامبريالية تدرك ذلك بعلمية مراكز أبحاثها بدراية العارف الباحث والعالم المتمكن لذلك لا يكلف الغرب نفسه مشقة دفع تكاليف السيطرة والهيمنة والعداء الصريح المباشر في أغلب الأحيان. لذلك يلعب الغرب لعبته القذرة من داخل شرّ قداسة هويتنا المبجلة. فيفلح في أن يجعل الإرهاب داخلنا وهو كذلك عوض أن نراه كما تقتضي الشروط الموضوعية الراهنة في سيرورة الحركة التاريخية للشعوب والمجتمعات المقهورة وهي تعاني من إرهاب السيطرة والهيمنة. فالقوى الامبريالية تنجح في التغطية على إرهابها وهي تتحالف موضوعيا مع شر إرهابنا الداخلي كإرث ديني وثقافي مقدس وكهوية مسكونة بأموات لا يكفون عن العود الأبدي فكيف لنا بالتمدن والتنوير ونحن مجرد مقابر ترهبنا بإرهابنا، وهي تهجم على حقنا أخيرا في القيم العلمانية التي أنتجتها الشعوب وهي تصرخ في وجه القهر الاستبدادي المحلي والامبريالي. المستهدف واضح هو حق الشعوب في الحرية والديمقراطية والمواطنة والدولة الوطنية الحديثة. وفي التمتع بحق الحياة الإنسانية الكريمة وفي غياب الفكر البديل القادر حقا على التعبير عن هذه القيم السياسية والثقافية والاجتماعية التي أنتجتها تحولات سيرورة الحركة التاريخية للمجتمعات المقهورة. سارع التحالف الاستبدادي والأصولي والامبريالي إلى وأد هذه القيم الجديدة التي تعبر عن روعة الشعوب في إرادتها تجاوز الشر الداخلي والخارجي. وهي بالمناسبة قيم دنيوية علمانية أحببنا أم كرهنا بحكم الواقع التاريخي الاجتماعي العلماني الدنيوي الذي نعيش فيه وعلمانيتها ليست موضع تنافس أو سجال ايديولوجي بعيدا عن سلطة التسمية وعنف الاديولوجية. ورغم ما قد يصيب هذه القيم الجديدة من انتكاسة فان ذلك ليس أكثر من عوائق سياسية ايديولوجية ولدتها طبيعة التفاوت التطوري للصراع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي بين تطلعات الشعوب إلى الحرية والديمقراطية والعدالة والى التحرر من سطوة السيطرة والهيمنة الغربية الامبريالية على الواقع التاريخي الاجتماعي السياسي وعلى مساراتها التنموية ومصائرها المستقبلية. إن ما نعيشه اليوم من كوارث إنسانية في منطقتنا لهو دليل على عظمة القيم الجديدة التي صنعتها ثورات الشعوب. والدليل على ذلك أيضا يتضح من خوف وهلع الغرب وهو يرى جرائمه السياسية تتعرى أمام أنظار العالم بسقوط الأنظمة الاستبدادية الحليفة له والضامنة لسطوه على خيرات وثروات الشعوب إلى جانب جرائمه الاقتصادية والمالية وهو يتابع عن كثب سياسيا وإعلاميا انكشاف الثروات الوطنية و البحيرات المالية التي هربتها الأنظمة الاستبدادية بآليات العنف السياسي كشكل أقصى لإرهاب التخلف والتخريب والدمار والتدمير الممنهج لإنسانية الإنسان. ويتضح أيضا من خوف القوى الأصولية من عمق التجاوز المتضمن في القيم العلمانية التي أعلنتها الشعوب في ممارستها الاحتجاجية والثورية وهي تعلن ولادة الفضاء والميدان والساحات كمجال عامّ وسياسي لاحتضان الكلمة والصوت والكينونة والفعل الشعبي. لهذا ندرك الهجوم الشرس وبمختلف الوسائل والأدوات والأشكال الحربية والسياسية والإعلامية والثقافية على الأوطان والشعوب.
لكنك لا تكف عن التفكير والسؤال النقدي حول ما هو الفكر التحرري القادر على التعبير عن هذه القيم الجديدة التي عبرت عنها الشعوب ومارستها وهي تثور في وجه الاستبداد. أنت تدرك أن القوى الغربية تستغل هويتنا العفنة المولدة للإرهاب كتخلف وانحطاط وكشرط ذاتي لتكريس القهر والاستبداد والسيطرة والهيمنة الغربية التي تمطرنا بعودة الأموات في صناعة الإرهاب بطرق لا يدركها خلفاؤنا الأشاوس. وهكذا تتم التغطية الغربية على الجرائم الحربية في العراق وسوريا وليبيا واليمن وفلسطين… سواء من طرف الاستبداد المحلي او من طرف العصابات الأصولية ومن الصهيونية. والمؤامرة ليست خارجنا إنها داخلنا ونحن أرضيتها ووقودها وضحاياها وسبب خنوعنا وذلنا وقهرنا وتبعيتنا. ما يحدث اليوم ما هو إلا الشكل السياسي الإعلامي الثقافي والنفسي لتأبيد السيطرة والهيمنة والقضاء على القيم العلمانية التي أنتجتها الشعوب بجدارة صنع التاريخ والحدث والوقائع. وبإرادة فاعلية الإنسان المقهور والمهدور في وجه الطغاة المحليين والأجانب. المعركة الرئيسية اليوم واضحة هي الهجوم العنيف على القيم الثورية الجديدة وهي حقا جديدة بشكل ما بالنسبة لشعوبنا لذلك تكاد تجن القوى الأصولية والغربية لأنها رأت فيها قطيعة التجاوز والحرية والتحرر. لهذا تلعب في أرضنا لعبة العنف الدموي التبادلي ولو أدّى ذلك إلى إبادتنا أو على الأقل تغيير أفق السيرورة التاريخية والمعادلة الديمغرافية وتفتيت الأوطان تحرقنا بشرنا الداخلي المندس في وهم هويتنا بثوابت أعمدتها المقدسة.. تحرقنا بقذارتنا و بمحرقة مقدساتنا المؤسسة على الحقد والكراهية والعنف والقتل والهدر.. تحرقنا بأكذوبة الرحمة والمودة والسلام تبيدنا بتعصبنا وتصلب عقولنا وقلوبنا وبعمائنا التاريخي الذي أسسته أساطير الماضي المجيد والبطولات الاستبدادية الطائفية.. تحرقنا بخوف انكشاف عري إيماننا من حقيقة قيمة الإنسان وبخدعة سطو ديننا على القلب والعقل.. على الأرض والحياة.. على الفرح والحب.. على المحبة والإنسانية.. على الماضي والحاضر والمستقبل.. على الرجل والمرأة والطفل.. على الأخضر واليابس.
كم كان الجاهلي أروع منا إذ كان له معبد تسكنه الأوثان والأصنام أما أنت فقد صيرت ذاتك معبدا تسكنه شياطين الإرهاب والأصنام. تذكر عندما قرأت نصا لداريوش شايغان كيف توقفت عن متابعة القراءة ودخلت في نقاش حاد مع بلادتك المعهودة. هل أخاطبك بلغتك المعجزة فأقول بنوع من التعبير المستملح هاهو النص فذكر إنما أنت مذكر…
“إن الإسلام وهو يدخل منافسا للحداثة وخصما لها يريد أن يستبدل بنى الحداثة ببناه الخاصة التي لا تتلاءم غالبا مع المحيط الاجتماعي لا على الصعيد التشريعي ولا على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي وفيما هو يشكو من قصور في عملية المنافسة يجد نفسه واقعا في فخ خديعة العقل وهو يتأرجح إذا صح التعبير داخل مجازفات غريبة عن أسباب وجوده فيها تحترق أجنحته. وفيما هو يرغب في أن يتجاوز التاريخ يتحول في نهاية التحليل إلى الدرجة الدنيا من نتاج إيديولوجي للتاريخ’’ ..’إن المعايير التي يدعي معارضتها هي التي- ساخرة- تبرر ضرورته وليس العكس ’’هكذا يتحول الإسلام من الخضوع للإرادة الإلهية إلى أداة منحرفة في خدمة إرادة القوة”.
تحاول القوى الغربية التغطية على حقيقة الصراع بينها وبين شعوب العالم المقهور المهين عليه وهي تختزلنا في مجرد شعوب متوحشة همجية وكأنها تخاطب شعوبها بألا تهتم بالإبادة والعسف والقتل الذي نعيش تحت رحمته بسند ودعم امبريالي مدسوس في المجازر اليومية التي ترتكب في حقنا. وهي تستثمر سياسيا واقتصاديا وإعلاميا من إرهابنا ومن وهم هويتنا وثوابتنا السلفية المغذية للمتخيل الغربي إزاء الشعوب العربية والإسلامية. ذلك المتخيل الذي أنتجته الحروب الصليبية وبلوره الاستعمار الامبريالي وعززته القوى السلفية للإسلام السياسي. وبناء على هذه الاستراتيجية الغربية في تأبيد الهيمنة وإدارة صراع السيطرة والهيمنة على الشعوب والأوطان والثروات تستفيد من كل ما هو عفن ومتخلف في وهم هويتنا لتمييع حقيقة الصراع. وهي تهجم على القيم العلمانية التي فجرتها الموجة الثانية من ثورات الشعوب. فإذا كانت الموجة الأولى من الثورات التي حصلت فيها البلدان المستعمرة على استقلالها (السياسي) الذي ظل مضمونه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي محط نقاش وصراع بين القوى الوطنية الحية وبين الأنظمة العسكرية الديكتاتورية وعلى اثر تلك الموجة الأولى من الثورات ولدت القيم الدستورية والقانونية والوطنية والديمقراطية والشعبية التي حرفتها قوى القمع والقهر الاستبدادي. لكن فاعلين سياسيين ومفكرين أثبتوا للتاريخ والشعوب والحياة صدق تحليلاتهم وهي تبين لا وطنية الاستبداد الذي لم يكن يفكر إطلاقا في مصالح الوطن. وها نحن نرى مدى الهمجية الكامنة في عمق الاستبداد وهو يدمر الوطن بعد أن نهب خيراته وأفرغ محتواه البشري الإنساني ناشرا ثقافة التصحر في البيئة والمجتمع والفكر والثقافة. كما عشنا ونعيش لا ديمقراطيته وهو يمارس أبشع أشكال التسلط العمودي والأفقي بأقنعة المؤسسية القبلية والطائفية وبهذا اتضح الفرق الشاسع بينه وبين مصالح الشعوب في أحلامها وتطلعاتها مثلما تم الهجوم والسطو على تلك القيم العلمانية للموجة الأولى من الثورات من طرف الأنظمة المخابراتية العسكرية المسنودة أصوليا وامبرياليا يحاول هذا الثالوث الإرهابي إعادة الهجوم والسطو على قيم الموجة الثانية الراهنة وهي علمانية لأنها كما قلت نتيجة سيرورة تاريخية وليس لغة ذاتية أسقطها على حقائق الواقع الحي في تركيبه وتعقده كجزء ضروري من منظومة الحداثة وإن كان منفعلا مسيطرا عليه وتابعا في ارتباطه وتمفصله البنيوي بوحدة النظام الرأسمالي. هذا هو الوجه الآخر للإرهاب الذي يجب أن يطاله النقد المزدوج. فإذا كنت اعترفت بشجاعة وجرأة ونحن نتعرى أمام الجميع بأن الشر المقدس في داخلنا وهو المجال الخصب لتشوهنا وتشويه عدالة قضية حريتنا وتحررنا وتقرير مصيرنا فإنه آن الأوان لفهم الإرهاب في شموليته وتركيبه وتعقده وبذلك صرحت الذكورة المنبوذة في “القرن الأول بعد بياتريس” : “في السابق كنا ضحايا للعنصرية الاحتقارية واليوم نحن ضحايا العنصرية الاحترامية التي لا تكترث لطموحاتنا وتنظر برأفة وشفقة إلى عيوننا فتصبح أحقر بقايانا وأسفل تشويهاتنا إرثا حضاريا” لكل واحد عصره “

Tags: , , , , , , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • رؤيا 13: الوحش الذي ستأتي به الجماهير المسيحية!

     الرأسمالية الدينية الأمريكية: فرانكلين غراهام مثالاً رؤيا 13: الوحش الذي ستأتي به الجماهير المسيحية! بقلم فادي أبو ديب: لا شكّ في أنّ سفر الرؤيا كان وما يزال مثار جدل وتفسيرات لا حصر […]

  • عندما تجد اولادك جثثا هامدة

    بقلم :نبيهة حنا يقال على أن حكم حاكمنا  يتصف بالحكمة …القيادة الحكيمة!  , ومن معالم هذه الحكمة  ارسال براميل المتفجرات  لقتل البشر وتشويهم  , وبالنتيجة  يجلس الأب  وأمامه  اربعة قتلى  […]

  • من يريد الأسد ؟ ولماذا ؟

    بقلم:حنان عبدو في مقابلة  مع الاخبارية السورية  مباشرة قبل  انعقاد مؤتمر جينيف ٢ , قال الأسد  على أن ترشيحه للانتخابات  متعلق بالارادة  الشعبية والمزاج الشعبي العام , وهاهو  الآن في […]

  • المسيرة !!سيري فعين الله ترعاك !!

    قبل فترة من الزمن قال السيد وزيرالخارجية  في مؤتمر صحفي  …ما ينتظر المواطن السوري هي  ديموقراطية غير مسبوقة  في هذا الشرق  , حيث  ستكون  هذه الديموقراطية قدوة  لمن  يقتدي غربا […]

  • الجملة الفضيحة في خطاب الأسد

    محمد كريشان: جملة غير مسبوقة من رئيس دولة عن بلده أيا كان موقعه على خارطة هذا العالم. مهما حاولت أن تبحث عن معان أو رسائل أو مواقف في خطاب الرئيس […]