عن سورية الثانية وتاريخها المخجل

بقلم:علام أحمد

من مزايا آذار/ مارس الثابتة أنه ثالث أشهر السنة، لكنه بفضل السوريين صار يمتلك علامة جديدة وأكثر تميزاً، بعدما طبع حياتهم وتاريخهم مرتين بخاتمه الثوري، فبعد قرابة خمسة عقود على آذار 1963، ومع آذار2011 ولدت سورية ثانية، طبعاً سورية الأولى نعرفها جميعاً، عشنا فيها فنون الديكتاتورية بشتى صنوفها، ومضى زمنها مخلفاً لنا نصف ما نعيشه اليوم بسبب من سلطة عاقر لم تستطع الرؤية أبعد من أنفها، ورغم ذلك تصر على أنها “أم الصبي وأبوه وكل أسرته”، أما سورية الثانية فلا نعرف لها أباً أو أماً أو صبياً أو أسرة، من تكون هذه البلاد، لا وجه سياسياً أو دينياً معروفاً لها، ولا هوية واضحة الدلالة لحاضرها أو مستقبلها، لا توصيف متفق عليه حول أزمتها “ثورة، مؤامرة كونية، حرب أهلية”، لا يقينية لليوم في تسميتها ولا أمل في الوصول لهذا قريباً، من معالم هذه الـ”سورية”: حكومتان وجيشان وسلطات متعددة ومعارضات متنوعة، كما فيها مناطق محررة وأخرى قيد التحرير، تحكمها الفتاوى والفتاوى المضادة، تنام على خبر وتستيقظ على نقيضه، تمنحك بطاقة الجنة الخضراء دون حاجة لعمر طويل تقضيه بالتقوى والتهجد وعمل الخير لبلوغها وفق الرواية السائدة، بلاد صارت مكان تجمع لأفراد من شعوب مختلفة متجانسة وغير متجانسة تحت راية “نصر من الله وفتح قريب”، هي لم تعد دولة بالمعنى الاصطلاحي للكلمة كما يطيب للسلطة وأجهزتها القول في السعي لوحدتها، أو كما يروج قادة المعارضات المختلفة من السعي لتحريرها واسترجاع مؤسساتها، بل هي كيان مهجن، حياته طارئة على الزمان والمكان، وشعبه موزع بين هذا الحلف أو تلك الجماعة، وكل حلف أو جماعة بما لديهم فرحون منتصرون، في ظل دجل إعلامي سياسي ديبلوماسي رخيص على مقاس المجازر والجثث التي يجري شطب قيدها يومياً من السجلات المدنية.
خلال العام الأول والثاني من عمر هذا الكيان المهجن، كان الشغل الشاغل للشرفاء -وما أقل عددهم حين التطرق لنكبتنا- استثارة العقول والقلوب دفعاً نحو مصالحة حقيقية توقف العنف وتحقن الدماء عبر حل سياسي يفضي لتغيير جذري يحافظ على وحدة الأرض على الرغم من شبح تقسيم “مناطقي فئوي طائفي” كان يخيم فوق البلاد وعلى نفوس شعبها دون أن يتردد لحظة حين تواتيه الفرصة للكفر بكل ممتلكاته ومقوماته، ومع نهاية العام الثاني خرج علينا مجلس الإفتاء الأعلى بفتوى محلية- عربية- عالمية توجب الدفاع عن سورية إلى جانب قوات الجيش الوطني، وبالمقابل خرجت فتاوى بالجملة من الأطراف المقابلة تشترك بمضمون الدعوة من حيث أداء الفريضة لكنها تدعو لفعل مناقض ينسف المبادرة الأولى ويلغيها ويدعو للوقوف لجانب مقاتلي المعارضة، ما يعني الخروج من دائرة الحل السياسي السلمي، والإقامة الدائمة في دائرة الحل العسكري العنفي بشدة أقوى مما كان عليه سابقاً، وبشرعية لا ترد، دون أن يكترث أحد لهذا التحول الخطير، وطبعاً نامت السلطة ومجلس الإفتاء على امتداد الأزمة الوطنية على فتاوى كثيرة صدرت منذ البداية من خارج الحدود وداخلها وعلى الملأ داعية لتحرير سورية من العلمانية وبعثها أو إبادة هذه الطائفة أو تهجير أتباع تلك الديانة، ولم تتعامل معها برؤية دينية اعتدالية كما يجب، فأدى فعلها التراكمي إلى تخريب نفسي وعقلي مستحيل العلاج، في ظل مكابرة لا مبرر لها من قبلها مع كامل أجهزتها الإعلامية تحت شعار الوحدة الوطنية، وبعد هذا تريد من الشعب أداء فريضة الجهاد العسكري للدفاع عن سورية وطن الجميع، وبالمناسبة من يعد بذاكرته إلى المراحل الأولى لتضخم الأزمة متابعاً تطوراتها فسيشعر انه أمام عبث ما بعده عبث، كأن الطرفين يسيران على أجندة معدة سلفاً، والملفت رغم كل ما جرى لم تستطع السلطة أو “المعارضات” أن يفهموا أن تبني الدفاع عن مصير دولة وشعب ليس فعلاً اعتباطياً أو قرارات نسطرها اليوم ونبطلها في اليوم التالي، مع الأخذ في الاعتبار أن السلطة فشلت في تنفيذ تعهداتها تجاه دولة تدّعي حمايتها، مثلما فشلت بعض المعارضات في طرح نفسها كبديل وطني عنها، ما يعني ألا يستغرب أحد إن خرج سوريو الشمال هاتفين للحكومة الجديدة ومعلنين انفصالهم السياسي والتنظيمي عن باقي “السوريات”، فمن صفق لإسرائيل واستدعاها لتخلصه من النظام، عليك أن تتوقع منه كل شيء، ومقابل هذا لا يستغربن أحد من استمرار ردود الفعل السطحية الساذجة التدميرية للبلد من قبل السلطة إزاء هذا الحدث الجلل وغيره من أحداث، فهي لليوم عاجزة عن إحداث أي تغيير حقيقي في بنيتها أو برنامجها أو التعامل مع الواقع الديناميكي، وما نخشاه صراحة بعد دخولنا العام الثالث أن يتحول حديثنا إلى ضرورة توحيد سورية بجهاتها الأربع بعد أن بدأ “الائتلاف” يحتفل بحصته من الكعكة معيناً رئيس حكومة لإدارة المناطق الخارجة عن سيطرة السلطة، وما نخشاه أكثر أن يمتد هذا الطاعون لمناطق أخرى من البلاد.
سمعنا من الآباء والأجداد، وتعلمنا على مقاعد الدراسة، وعايشنا من الحوادث، أن أمماً أبادتها أو هددت وجودها حروب عسكرية فردية أو تحالفية، لكننا لم نسمع أو نتعلم أو نعايش سابقاً أمة أبيدت أو هدد وجودها بأسلوب الكذب والتلفيق والرواية المضللة من كل الأطراف بلا استثناء، وعلى من احتج سابقاً ويحتج لليوم بما أصاب العراق جراء التضليل والكذب، فيكفيه أن يتعلم الدرس لا أن يزاود عبر الشاشات منظراً بكلام فارغ بلا طائل، والمؤسف لو كانت هذه السلطة قابلة للتعلم لكانت تفادت كثيراً من الثغرات التي لا يقع فيها مراهق سياسي كي لا نقول وصفاً غير ذلك، والمؤسف أكثر أن شرائح كبرى من الشعب هي أيضاً لا تريد أن تتعلم أو ترى أو تعتبر، والمهم في أسلوب الخيال الإعلامي والأدبي والبلاغي ذاك أن الجميع صار مبدعاً فيه بعد أن عايشه من المراحل الأولى حتى صار حقيقة واقعة يأخذها الجميع بالنتائج والخلاصات وليس بالأسباب والدوافع أو حتى العودة لجذورها الأولى، ففقدنا جمال الانطلاقة الأولى للتغيير والتعبير وشعور المواطنة وصرنا أمام إرهاب وتقسيم واحتمال الضياع الوطني نهائياً، عامان لم يبقَ من يدب على أرض هذه البسيطة -من غير السوريين- إلا وكتب وتحدث عن شؤونهم ومشكلتهم بطريقة زادت القضية تعقيداً وتأزيماً، وهذا طبعاً في حال لم يجاهد نصرة للشام وأهلها، لنصبح أمام ملايين الأقلام والشخصيات التي تهذي بما لا تعرف، وتلعب بمصير بلد وشعب يموت كل يوم، والمشكلة أن هذا الوضع لن يتغير وسيبقى بل وسيزداد سوءاً في القادم من الأيام.
سورية الثانية مؤمنة بقدرها الجديد: هو قتال حتى الموت، وحتى جلاء غبار المعركة، ليس بوسعنا إلا أن نطأطئ رؤوسنا خجلاً كلما تأملنا في واقع بلادنا أو فكرنا لحظة أن ما يحصل اليوم سيكون جزءاً من تاريخها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.