جمهور «الدولة العلوية»؟

October 17, 2013
By

بقلم:ايلي عبدو

تسير معظم الطروحات التي تبحث في إمكانية إنشاء دولة علوية على امتداد الساحل السوري في اتجاهين. الأول إقليمي، يستند في شكل أساسي على المخاوف التركية من وجود كيان طائفي على حدودها يكون بالضرورة منطقة نفوذ إيرانية، إضافة إلى تعقيدات شتى ترتبط بحسابات الدول المجاورة. وتوجه ثان يتعلق بالنظام نفسه، الذي تتسع طموحاته لاستعادة سورية كلها وليس الجزء العلوي فقط، والدليل أن النظام يقاتل في حلب ودرعا ودير الزور، أي بعيداً من حدود الدولة المفترضة. هذا إضافة إلى أن مدن العلويين الساحلية تحتضن أعداداً كبيرة من النازحين السنّة، ما يشكل عقبة أمام النظام في ما لو كان يفكر جدياً بإقامة دولته الفئوية.

واقع الحال، أن الاتجاهين يملكان الأسانيد والحجج لتأكيد صوابيتهما، لكن هناك عنصراً أساسياً في هذه المسألة يعمد محللو الاتجاهين إلى تجاهله، وهوالعلويون أنفسهم: هل يؤيدون وجود دولة خاصة بهم أم إنهم يريدون البقاء في حدود الدولة السورية؟

والأرجح أن إغفال المناقشين هذا العنصر يأتي استكمالاً لتركة مفاهيمية قديمة أسسها حزب البعث، وجوهرها التعامل مع الدول ككيانات أيديولوجية مكتملة الهوية وليس كشعوب لديها خيارات وتوجهات قد تخالف السائد وتبحث عن تقرير مصيرها. فلا يهم إن كان سكان جنوب السودان يريدون الانفصال عن شماله بفعل الطلاق المتبدئ بحروب متواصلة، بل الأساس بقاء السودان موحداً صامداً في وجه مؤامرات تقسيمية يحيكها الغرب.

ولو نحينا جانباً السياق المفاهيمي الذي أفرز وجهات النظر السابقة، فإن إدراج العلويين كعامل حاسم في قياس حظوظ إنشاء الكيان من عدمها قد يحتاج إلى عودة تاريخية إلى زمن تأسيس تلك الدولة العلوية. آنذاك انقسم العلويون بين مؤيد للانفصال ومناصر للوحدة وفق ما تؤكد دراسات عدة آخرها دراسة أعدتها الباحثة مريم الحلبي (نشرت في الحياة في 16 أيلول – سبتمبر 2012). ولقد تشكل لوبي من «الانفصالين» داخل الطائفة، يتألف من رؤساء دينيين ومشايخ عشائر ونواب وأعيان وقّع ٧٩ منهم على الرسالة الموجّهة إلى المفوض السامي إثر اجتماع شباط (فبراير) ١٩٣٣.

وكان مطلبهم الحكم الذاتي في الجبل، مؤسَّساً على رغبة شديدة في الحفاظ على الطائفة مقرونة برغبة الأعيان في مضاعفة سلطتهم عليها بسلطة على الدولة (كما في لبنان). مقابل ذلك، برز توجه ينادي بالوحدة داخل الطائفة العلوية حيث عُقد في صافيتا في آذار (مارس) ١٩٣٣ مؤتمر مسيحي حضره شيوخ عشائر من العلويين، ونودي فيه بالوحدة. وتمثل داعمو خيار الوحدة بشيوخ عشائر علويين من الخياطين والمطاورة وكبار رجال الدين العلويين، إضافة إلى شبان مثقفين وأطباء ومحامين من جميع الطوائف، تجمعهم رؤية أوسع للدولة السورية تشمل الجميع، من دون تميز.

وإذا ما صح أن البعد العروبي القومي هو ما دفع قطباً رئيساً في الطائفة العلوية خلال الثلاثينات إلى تبني خيار البقاء داخل حدود الدولة السورية، صح أيضاً أن الذاكرة الاضطهادية التاريخية ومفاعيلها داخل النسيج العلوي دفعت قطباً آخر إلى تبني خيار الانفصال. ولو عدنا لاستحضار الدوافع التي حملت كلاً من الطرفين السابقين على اتخاذ مواقفه، سنجد خفوتاً ملحوظاً في طروحات العروبة والقومية لمصلحة ارتفاع حدة الانقسامات الطائفية والمذهبية، يضاف إلى ذلك أن عامل الذاكرة الذي حسم خيار شريحة من العلويين سابقاً يتزامن حالياً مع سردية راهنة ترفع منسوب الرعب في الاجتماع العلوي الذي يستقبل جثث عناصر الجيش والأمن بأسئلة عن المصير وملامح العلاقة مع العنصر الأكثري الذي سيحكم البلد في ما لو سقط النظام.

في ظل هذه الهواجس يكبر جمهور الدولة العلوية ويتسع حجمه. وكأن العلويين تعلموا الدرس من سنّة العراق الذين قاوموا العملية السياسية التي تلت إسقاط نظام صدام حسين ليعودوا إلى المشاركة وتنتهي بهم الحال في ظل طغيان أكثري شيعي مدعوم من إيران إلى المطالبة بإقليم سنّي مستقل.

وإذا كانت المآلات التي وصلت إليها المعارضة السورية عبر سيطرة الإسلام السياسي وضعف خطابها تجاه الشريحة العلوية، قد زادت في اتساع هذا الجمهور الذي يرى نفسه ضحية أي تسوية انتقالية، فإن نظام بشار الأسد يشعر بالارتياح حيال زيادة جمهور الدولة العلوية، ليس حرصاً على وجود العلويين وإنما لاستمرار نظامه بصورة مصغرة وبوظائف إقليمية أقل، بدعم إيراني – روسي.

لكن، هل سيقبل العلويون في ما لو حسموا أمرهم بإنشاء دولتهم المستقلة التي يكون بشار الأسد رئيساً عليها؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • الاسلام هو الوطن,والوطن هوالاسلام !

     ممدوح بيطار: هل تنتظرون من القوى الاسلامية المحاربة أن تتعهد بقبول الدولة المدنية التعددية الديمقراطية، وتقبل أن يتضمن دستور البلاد حق كل مواطن الوصول إلى كل المناصب الحكومية، وأولها منصب […]

  • لماذا لن أشارك في اللقاء التشاوري؟؟

    ربما كنت أول من طالب ببيئة تفاوضية صحية تتيح للسوريين حوارا معمقا يمكنهم من مبارحة مأزقهم الراهن، الذي أعتبره الأكثر تعقيدا وخطورة وعمقا على مر تاريخهم الحديث. حدث ذلك في […]

  • The Day After

    “When Assad falls we will not be standing there with empty hands,” said Ferhard Ahma, an exiled Syrian working on the project dubbed “The Day After Ahma has been in […]

  • الحرب الكونيّة على سوريّة

     حين يتحدّث وليد المعلّم، من طهران، عن «حرب كونيّة على سوريّة»، يكون أضاف إلى معارفنا تعبير «كونيّة»، وهي أكبر وأشدّ امتلاء بالحمولة وبالتكثيف من تعبيري «عالميّة» أو «دوليّة». فـ «الكونيّ» […]

  • يا للشعب الفرنسي (المتخلف)!!

    بقلم:غادة السمان :     لا. لم تعد الحياة في فرنسا تطاق مع شعبها (المتخلف انتخابيا)! أعيش هنا منذ ثلاثة عقود، وعاصرت انتخابات عديدة لرؤساء جمهوريات وبلديات ومجالس نيابية ولم […]