أحدث انتصارات الممانعة و”الثورة”

بقلم:علام أحمد

بين جدية الموقف الأمريكي بعدوان مشرعن عربياً ودولياً على سورية الدولة وليس سورية النظام وإن تأجل قليلاً أو كثيراً، وبين رخاوة موقف حلفاء سلطة الممانعة وفي نسختها الحديثة المقاومة، واختبائهم خلف التصريحات الدبلوماسية والدوائية والمالية، زف وليد المعلم من العاصمة الروسية خبر ترحيب دمشق بوضع مخزون سورية الكيمائي تحت الرقابة الدولية، إيماناً بحكمة القيادة الروسية وحفظاً لأرواح المواطنين، ثم تلا ذلك إعلانه مرغماً عن نية السلطة تحت اسم سورية الانضمام لمعاهدة نزع السلاح ذاته، الأمر الذي رأى فيه بعض “الثوريين” انتصاراً بتحييد هذا السلاح من المواجهة -المقبلة غير المدبرة- مع النظام، رغم أنه لا يحقق طموحهم وتطلعهم من الدعم الأمريكي.

حكمة القيادة الروسية تلك، تختلف عن حكمة ما تسمى “القيادة السورية” كما أثبتت الوقائع، فتعبير وزير الخارجية سيرغي لافروف “رد سريع وإيجابي” حول مقترح الرقابة على الكيماوي السوري والذي وصل إلى درجة المطالبة بالإتلاف النهائي يختلف طبعاً عن تعبير “التوقيت والمكان المناسبين” جراء عربدة صهيونية، كما يختلف عن “أمة عربية واحدة.. ذات رسالة خالدة” حتى لو “دق الخازوق بأسفلنا من شرم الشيخ إلى سعسع” على حد قول أحد الشعراء، إضافة إلى أن ترسانة الكيماوي تلك لا تدخل ضمن ممتلكات حزب البعث أو آل الأسد أو اللحام والحلقي أو أي مافيوزي حكومي أو حتى ضمن ميراث أبي وجدي، بل هي جهد وفكر وعقل ومال الشعب السوري كاملاً ومن خلفه “ما تبقى” من الجيش السوري.

حفل المذلة العلني في ديار حليفة السلطة، لم يستغرق إلا دقائق، وكان شهد حضور بثينة شعبان التي جعلت العالم أجمع يضرب الأخماس بالأسداس، عندما كشفت قبل أيام عن براءة اختراع لم يسبقها إلى مثيلها أحد إلا معارض ثائر يدعى عبد الرزاق عيد حيث كشف الأخير العام الماضي أن الفيلم المسيء لنبي الإسلام ليس سوى خدعة مخابراتية “أسدية بوتينية خمينية”، في حين قالت بثينة لإحدى الفضائيات أن ضحايا كيماوي الغوطة هم أطفال وسبايا الريف اللاذقاني، وكانت السلطة التي تتحدث باسمها بثينة مع إعلامها أنكرت حدوث غزوة لعشر قرى، في حين أن “الثورة” قامت بضم الإنجاز إلى سجل انتصاراتها.

من واشنطن حليفة “الائتلاف والإخوان المسلمين”، أطلت مستشارة الأمن القومي سوزان رايس لتقول إن النظام السوري يمتلك أكبر مخزون سلاح كيمائي في العالم، وطبعاً رايس تكذب وتريدنا أن نصدق الكذبة، كما حال المغرر فيه “أبو نظير” مبدع العبارة الذهبية “وربي ييسر” الذي ظهر على شاشات النظام أوائل الحراك الشعبي المغدور.

“مسرحية الكيماوي” التي شغلت العالم لأسابيع ولا تزال، انتهت على ما يبدو -في هذه المرحلة- سياسياً بنصر للدبلوماسية السورية على حد قول عضو “مجلس حزب البعث” خالد العبود الذي تولى عبر قنواته السرية، وبعد توجيه “الجهات المختصة” تعميم العنوان وتبنيه في الخطاب الإعلامي، وكانت حميته وحمية سليم حربا الوطنية ثارت لاحقاً في أحد المجالس ضد الفنان مصطفى الخاني عندما استشهد بواقعة عن أدونيس وهيثم مناع.

وسائل إعلام السلطة، مع إعلام حرية الرأي مسبق الصنع “الجزيرة والعربية” وتوابعهم، رافقا الحدث كل وفق أجندته، لكن المفارقة الكبرى كانت في أن الممانعين لاحتواء العدوان والثائرين لتسريع العدوان، اتفقوا أن مصالح أمريكا هي وراء الحدث، لكن ظل لكل منهم مذهبه في قراءة القضية، ففرقة المحللين السلطويين وتوابعهم العرب أثبتوا من جديد امتلاكهم قدرة عجيبة على التضليل بحيث يجبروك على الاقتناع بأن أي تنازل أو تواطؤ أو اعتقال أو تدمير للجيش وقتل للشعب، هو انتصار يؤكد قوة الدولة وعبقرية ما تسمى “القيادة”، وكانوا أقسموا أن أمريكا وحلفاءها سيدفعون الثمن غالياً حالما فكروا بشن عدوان، وكذلك إسرائيل أيضاً، فكان أن دفع الشعب الثمن بالتخلي عن سلاحه الاستراتيجي، أما أنصار “الثورة” وإعلامهم فصنفوا من يرفض الضربة الأميركية بأنهم في خندق النظام والمدافعين عنه، بعدما تكفل الزئير الأمريكي بكشف القناع عنهم، متسائلين لماذا الصمت عن القتل والتدمير بالسكود مقابل رفض العقاب بـ”التوماهوك والكروز” وكأن العقاب الأمريكي موجه للنظام بالفعل، وكأن من يرفض العدوان الأمريكي يقوم بذلك دفاعاً عن الاستبداد، وبدلاً من أن يقوموا باستثمار التهديد رغم أنه نية عدوانية لمنع أي تدخل خارجي حاصل سواء من “أمريكا، روسيا، إيران، السعودية… الخ”، قاموا بتبني العدوان وتشجيع حدوثه لأن فيه مصلحة ثورية رغم أن الأمريكان أعلنوا صراحة أن مصلحتهم الخاصة هي من تحركهم.

“الائتلافيون الإخوانيون” يخسرون معاركهم القادمة من الخارج دائماً ليس لذكاء السلطة بل لأن مشروعهم متوقف فقط على إسقاط “النظام الطائفي”، بينما يكسب النظام بدعم من روسيا وإيران نفس المعارك لأنه يرى بحنكة حلفاء المصلحة ويلعب على أخطاء خصومه، ولا يهمه إن ذهبت البلاد إلى الجحيم، روسيا وإيران يستعملان السلطة لأن لهم هدفاً محدداً مدروساً بعناية، أما الأمريكان والغرب فيستعملون “الائتلافيين” لمنع تحقيق الهدف، في وقت أبدى بعض العرب استعداهم لتمويل العدوان المؤجل من جيوبهم، خدمة للشعب السوري، لكنهم أعربوا لاحقاً عن أملهم في أن تؤدي المبادرة الروسية إلى تحقيق إرادة نفس الشعب، كم هو محظوظ هذا الشعب، وكم هي سورية محظوظة بأشقائها.

أبرر الضربة وغاضب لتأجيلها وأطالب بألا تكون محدودة فقط بل تدميرية كلياً وهذه أسبابي يقول الثوار وائتلافهم، أؤجل العدوان “الضربة” ومستعد للتنازل عن سلاح سورية الردعي وهذه أسبابي يقول الممانعون وسلطتهم، “الثوار” المجاهدون يعلنون أن “الجيش علوي نصيري” يتبع النظام ولذا ينبغي إبادته لتنتصر الثورة، نفس الجيش كان يتلقى الرصاص من الخلف على أيدي قوات الأمن و”الشبيحة” التابعين للنظام لأنه رفض إطلاق النار على المتظاهرين سابقاً، الثورة تريد ضربة أميركية لإنقاذها وإنقاذ المدنيين، والنظام الممانع يتلافى العدوان المرتقب بالتخلي عن سلاح الردع ليحمي المواطنين والدولة، ثم التفرغ لمواجهة “النصرة وإرهابها” المحمين أصلاً من “الثورة” والذين هم بالأصل كيماوي بشري منتدب أميركياً ليدمر البلد، حقيقة نحن أمام أحجية، وأعتقد لو نهض  فيثاغورث من قبره فسيعجز عن حلها.

في حديث مع صديق يعيش العزلة بعد خيبته مما يسميها “الثورة”، أبلغني وهو أحد أمناء صناديق “مساعدة” ضحايا النزاع والعوائل المهجرة بدافع إنساني، المبدأ الذي يرفضه بعض الثوار والجهاديين، ويطالبون بذهاب مدخراته إليهم ليشتروا السلاح ولتذهب العوائل وسورية كلها إلى الجحيم، أبلغني بصوت خافت مشمئز: “نادم اليوم على ثقتي ببعض من ادعوا الثورة وخربوا سورية، لم أتبنَ فكرة التغيير منذ البداية وأنا البعيد عن السياسة لأن النظام علوي نصيري، بل لكي يعيش أولادي في ظروف أفضل من التي عشت، تصور يقولون بأنهم لو حاربوا 100 عام، فلن يسمحوا ببقاء بشار الأسد أو القبول بمشاركة أي علوي في حل مستقبلي، ليس لأخطاء ارتكبها العلويون أو أخطاء ارتكبت باسمهم، بل لسبب طائفي مذهبي خالص، وماذا عن حياتنا وغربتنا وبيوتنا، وماذا عن أن العالم كله يبيع ويشتري فينا؟ يتساءل مستدركاً: لم أكن أتصور أن نصل يوماً إلى هنا، ولم أتربى في بيت أهلي ومجتمعي على عقلية أن هذه الطائفة مؤمنة وتلك كافرة، يضيف نقلاً عن مجلس خاص حضره منذ فترة قول البعض: الشريف بين العلويين خائن وعميل للنظام وإسرائيل وينبغي القصاص منهم وتطهير سورية من رجسهم، يكفينا 50 عاماً من حكم النصريين المجرمين الكفرة حلفاء المجوس، نحن أخطأنا مرة وسمحنا لهم بتولي الحكم والسيطرة على الجيش، ومهما حدث فلن نسمح بتكرار هذا الخطأ مرة ثانية، يا حرام ماذا فعلنا ببلادنا”، ينهي صديقي الحديث.

يروج بعض الأوادم أن أزمتنا المستعصية ستبدأ بالزوال تدريجياً -وفق المخرج الروسي- بعد توقيع المعاهدة بشأن المخزون الكيماوي، وتبث آلة الدعاية لدى السلطة في أوساط الغاضبين من المستجدات أن الفلم الروسي ليس إلا مناورة سياسية تخدم المشروع المقاوم، لكن الائتلاف مثل السلاح “صاحي”، فسارع إلى حرمان الشعب من متعة فيلم المناورة، وكان ومازال يرفض الانبطاح في جنيف2 والتخلي عن “ثورة” الشعب، ورغم ذلك مصنع التضليل مستمر بالإنتاج حيث التسوية قادمة على يد الأصيل ولا يهم رأي الوكيل “الائتلافيين”، يقول لسان حال الممانعين الذين انبطحوا بإرادتهم، ويضيف لسان حالهم –استقراءً- هناك فرق كبير بين انبطاح المنتصرين وانبطاح المهزومين، ثانياً وهنا الأهم: ما طبيعة الأرض التي ستتم فيها العملية والطريقة التي سيتم فيها الانبطاح، هذه تفاصيل مهمة ينبغي الأخذ فيها بدلاً من الانشغال بالكلام الكبير مثل: كان ينبغي اشتراط تجريد إسرائيل وباقي الشرق الأوسط من السلاح الكيمائي والبيولوجي كما السابق، أو حتى الشك في صفقات روسية إيرانية على حساب سورية.

جندي سوري منبطح بشرف في خندقه يهتف إلى أهله بعد غياب عام على جبهة مشتعلة: أؤمن لو استطاع الصهاينة وأمريكا والغرب تجريد سورية حتى من أوراق الشجر فلن يقصروا، لذا سأبقى أقاتل الإرهاب الخارجي المسنود بفساد واستبداد السلطة الداخلي، كي لا يحتل الآخرون أرضي التي أنبطح عليها لأحميها، بينما تنبطح “القيادة الحكيمة” في أي أرض لتحمي عرشها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.