تأملات في وثيقة اخوان سوريا ….!

إخوان سوريا ودورهم

ماهية الوثيقة وأهميتها الفكرية

الوثيقة على المستوى السياسي

تعد الوثيقة الأخيرة التي أطلقتها جماعة الإخوان المسلمين في سوريا في 25 مارس/آذار في تركيا من أبرز ما تقدمت به تيارات الإسلام السياسي في العالم العربي منذ تأسيسها على الصعيدين الفقهي والسياسي. وقد جاءت متفوقة في نضجها السياسي على طروحات حركة النهضة التونسية وحزب العدالة والتنمية المغربي، خلافا لما كان يشاع عن تقدم الفكر الإخواني في المغرب العربي على نظيره في المشرق.

ويتملكني الشك حيال قدرة الأحزاب الليبرالية وغيرها على مجاراة هذه الوثيقة في كل بند من بنودها، إذ تتقدم في مضمونها، إذا ما طبقت يوما، على أرقى ما تطرحه الأحزاب السياسية في العالم العربي حتى إن البيان الختامي للمعارضة السورية فيما عرف بوثيقة “العهد الوطني لسوريا المستقبل” لم يأت بأفضل مما قدمته جماعة الإخوان.

ولعل ابتعادهم القسري -أي إخوان سوريا- عن المجالين الاجتماعي والسياسي في الداخل السوري، وتفرقهم بين دول العالم واحتكاكهم بمجتمعات وأفكار مختلفة ومتنوعة، منحهم وقتا كافيا للمراجعة والنقد الذاتي، ما ساعدهم على تطوير طروحاتهم الأيديولوجية بما يجمع بين الحداثة والهوية الإسلامية.

وإذا كانت العبرة تكمن في الالتزام والتطبيق فيما بعد فإن المنصف لا يسعه إلا النظر بعين التقدير للوثيقة لما تحمله من أهمية على صعيد التطور لأحزاب الإسلام السياسي.

إخوان سوريا ودورهم

تأتي أهمية الوثيقة لصدورها عن جماعة إخوان سوريا، حيث إن الجماعة، وإن كانت توافق على أنها مكون واحد فقط من مكونات المجلس الوطني السوري، ولا وجود تنظيميا لها على الأرض في سوريا، فإنها تمثل لاعبا أساسيا ومحوريا في الحدث السوري، أو قدر لها أن تكون كذلك، سواء من قبل النظام السوري الذي بادر منذ الأيام الأولى لاندلاع الثورة إلى اتهام الإخوان بتشكيل عصابات مسلحة مع تنظيمات أصولية سلفية برعاية خليجية تعيث فسادا في حاضرة الأمويين، أو من قبل دول الغرب التي تنظر بعين القلق بعد اجتياح تسونامي الإخوان البلدان التي شهدت ثورات شعبية في المنطقة، حيث بات من الأهمية بمكان معرفة ما الذي تخبئه جماعة إخوان سوريا في جيبها لسوريا ما بعد الأسد، وتزايد القلق مع تعثر بناء الثقة بإخوان مصر المتهمين بمحاولة الهيمنة على كل مفاصل الدولة المصرية.

يضاف لذلك أن إخوان سوريا ربما هم الفصيل الوحيد المؤطر حزبيا بين كل أطياف المعارضة السورية، اللهم إذا استثنينا الأحزاب الكردية التي في الأصل ينصب هدفها الأساسي على حماية الهوية الكردية والدفاع عن حامليها داخل الدولة والمجتمع.

وبسبب تنظيمها وحضورها التاريخي في نسيج المجتمع السوري المتألم لأحداث حماة عام 1982، هي قادرة على جمع غالبية الشخصيات الإسلامية المستقلة في برنامجها، لأن ما تحمله من فكر معتدل ينسجم تماما مع تدين الشعب السوري الغالب عليه الاعتدال والرغبة في التعايش مع الآخر.

ومن هنا يمكن القول إنه بعد طرح وثيقتها التي يلتقي عليها الجميع، من المرجح أن تستقطب الجماعة غالبية الشرائح الشبابية المعارضة على الأرض، وتحد من انتشار التطرف والتشدد الإسلامي في بلد تحولت أرضه إلى تربة خصبة لانتشار الفكر القاعدي بفعل آلة القتل الممنهج والطائفي أحيانا.

ماهية الوثيقة وأهميتها الفكرية

اعتبرت الجماعة الوثيقة أساسا لعقد اجتماعي جديد يكون الشعب فيه “سيد نفسه وصاحب قراره من دون وصاية من حاكم مستبد” في “دولة مدنية حديثة، تقوم على دستور مدني… يحمي الحقوق الأساسية للأفراد والجماعات، ويضمن التمثيل العادل لكل مكونات المجتمع… دولة ديمقراطية تعددية تداولية، ذات نظام حكم جمهوري نيابي، يختار فيها الشعب من يمثله ومن يحكمه، عبر صناديق الاقتراع، في انتخابات حرة نزيهة شفافة”. دولة يكفل فيها “حرية التفكير والتعبير، وحرية الاعتقاد والعبادة، وحرية الإعلام، والمشاركة السياسية، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية”.

وتتحدث الوثيقة عن دولة “تحترم المؤسسات وتقوم على فصل السلطات… دولة مواطنة ومساواة، يتساوى فيها المواطنون جميعا، على اختلاف أعراقهم وأديانهم ومذاهبهم واتجاهاتهم، يحق لأي مواطن فيها الوصول إلى أعلى المناصب، استنادا إلى قاعدتي الانتخاب أو الكفاءة. كما يتساوى فيها الرجال والنساء، في الكرامة الإنسانية، والأهلية، وتتمتع فيها المرأة بحقوقها الكاملة”.

وفي هذه الفقرة خاصة نكاد نجزم بأن جماعة إخوان سوريا تقدمت في أدبياتها بأشواط على نظيراتها حين ساندت وصول غير مسلم إلى الرئاسة في بلد 90% من سكانه مسلمون، متقدمة في ذلك حتى على الدستور الجديد الذي أجري الاستفتاء عليه قبل أيام، ونص على وجوب أن يكون الرئيس مسلما.

والحقيقة أن هذا الرأي ليس جديدا على إخوان سوريا، إذ إن مؤسس الجماعة الدكتور مصطفى السباعي كان قد اقترح على الدستور الذي كتب عام 1959 مادة “مفادها أنه لا يجوز أن يحال بين أي مواطن والوصول إلى أعلى المناصب بسبب دينه أو عرقه أو جنسه”، وفقا لما يورد عنه القيادي في الحركة صدر الدين البيانوني.

وما تقدمه جماعة إخوان سوريا في خاصيتي الجنس والدين لرئيس الدولة في بلد مسلم يعد فهما جديدا للنص الديني ومناطه وظروف تطبيقه، خلافا لكل الاجتهادات الفقهية التي تقول بوجوب أن يكون الإمام (الرئيس) ذكرا عاقلا مسلما عالما عدلا، التي هي واردة في كتاب الإمام الماوردي حول الإمام والإمامة.

واللافت أكثر في الوثيقة أنها لم تتحدث عن دولة مدنية بمرجعية إسلامية، ولم تشر من قريب أو بعيد إلى وجوب أن يكون دين الدولة الإسلام، أو أن يكون الإسلام المصدر الأساسي للتشريع، وهي بهذا الطرح تكون أقرب ما تكون إلى طروحات حزب العدالة والتنمية التركي رغم الخلافات والظروف بين الوضع التركي المحكوم بسياقات تاريخية وعلمانية متعصبة والوضع السوري.

ويزداد الأمر غرابة حين نعلم أن مجلس شورى الإخوان قد اطلع عليها وبارك ما جاء فيها، وهذا ما أشار إليه لصحيفة الشرق الأوسط في عددها الصادر في 27 مارس/آذار مسؤول التنظيم العالمي للإخوان في الغرب إبراهيم منير من أن الوثيقة لم تكن مفاجئة، “وقد جاءت في رؤية إخوان سوريا التي صدرت عام 2004، ووافق عليها مجلس شورى الإخوان”.

وإذا ما أخذنا في الاعتبار حسم حركة النهضة موضوع مدنية الدولة التونسية، وأن الإسلام لن يكون المصدر الأساسي للتشريع في الدستور الجديد وفقا لما صرح به القيادي في الحركة عامر العريض فإننا نتساءل إذا ما كنا أمام نقض إخواني جذري لكل أدبياتهم السابقة، بدأ في سوريا ومر بكل من تونس والمغرب، ولا ندري متى ينزل بأرض الكنانة!

الوثيقة على المستوى السياسي

من نافلة القول إن الوثيقة سددت ضربة للنظام السوري الذي سوق، عبر عقود من حكمه، أن حركة الإخوان في سوريا هي جماعة أصولية تنتهج العنف، وأنه في حال وصولها إلى الحكم فإنها ستحول سوريا إلى دولة دينية متشددة لا مكان فيها لحرية المعتقد والفكر، وأن أقل ما سيصيب الأقليات الدينية والعرقية فيها هو التنكيل والتهجير.

ومنذ الأيام الأولى لاندلاع الثورة أخذ النظام زمام المبادرة، وأعاد إنتاج خطابه القديم خطاب الثمانينيات، من أنه يواجه الإرهاب الإخواني، وأنه بفضل ما قام به في حماة عام 1982، فإنه حمى الأقليات الدينية والعرقية في سوريا وخارجها من الاندثار والتهجير، وقد وجد هذا الخطاب آذانا صاغية لدى بعض القيادات في هذه الأقليات التي ما فتئت تظهر مخاوف غير مبررة على هويتها في حال تغير الحكم في سوريا.

ومع صدور هذه الوثيقة تكون جماعة إخوان سوريا قدمت ردا واضحا ومباشرا على منطق النظام التخويفي من الإسلاميين، كما قدمت رسالة تطمين للداخل السوري بما فيها الأقليات الدينية والعرقية.

وعلى الصعيد الدبلوماسي تطرقت الوثيقة باقتضاب إلى ورقتين أحسن النظام استعمالهما على خطين، خط التفاهم مع القوى الدولية على مصالحه وطموحاته، وخط كسب الشرعية الداخلية في الشارع السوري، وتمثل خط الشرعية الداخلية برفع شعار المقاومة والممانعة وحماية القضية الفلسطينية، في حين كان خط التفاوض الدولي من نصيب الورقة اللبنانية.

وبتأكيد الوثيقة على حق الدولة في “استرجاع أرضها المحتلة بكل الوسائل المشروعة، ودعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني الشقيق” وهو ما يحمل ضمنا حق استخدام “المقاومة المسلحة”، تكون بددت كل الأراجيف التي يسوقها بعض المنظرين من أن تفاهما أميركيا تركيا إخوانيا يفضي إلى إيصال الإخوان إلى السلطة مقابل الترويج لإسلام سياسي مطبع مع الاحتلال الإسرائيلي منزوع عنه دسم المقاومة العسكرية على شاكلة إسلام حزب العدالة والتنمية التركي، ذاك الإسلام النقيض للإسلام المقاوم الذي ترفعه ايران في المنطقة، إسلام تركي متماه مع التوجهات الغربية في المنطقة مثل قبول الحل السياسي للقضية الفلسطينية وتقبل إسرائيل كيانا بين أضلاع العالم العربي وتقبل القيم الغربية على ما فيها من علات.

في الشق اللبناني تسلط الوثيقة الضوء على الجرح النازف وقصة الحب القسري بين النظام السوري ولبنان، ولتصحيح مسار العلاقة التاريخية بين الجارين فإنها تعد بأن تقيم الدولة الحديثة “أفضل العلاقات الندية مع أشقائها، وفي مقدمهم الجارة لبنان”. ومعلوم أثر إخوان سوريا تاريخيا على الوضع الحركي في لبنان، حيث تمأسس على يديهم العمل الإسلامي حين قدم إلى طرابلس وبيروت مؤسس الجماعة ومراقبها العام المرحوم الدكتور مصطفى السباعي. ولعل التحول القادم في سوريا سيكون من أبرز تداعياته الخارجية إعادة رسم الخريطة السياسية في لبنان، وهذا يثير قلق القوى والأقليات المؤيدة للنظام السوري في لبنان.

وفي المحصلة يؤخذ على الوثيقة أنها لم تشر إلى النهج أو المذهب الاقتصادي في الدولة الحديثة إذا ما أصبح الإخوان فيها أكثرية سياسية، ولعل الهواجس التي تنتاب الدول الغربية والأقليات على أنواعها في المنطقة والأحزاب السياسية على مذاهبها في سوريا وخارجها من الإسلام السياسي كانت السبب في ولادة الوثيقة على هذا النحو الذي تتحدث فيه الجماعة عن مفهوم الدولة وشكلها ودورها وطبيعة السلطات داخلها ومفهوم المواطنة وحق المواطن وواجباته.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *