اليسار في الزمن الثوري(الجزء الثاني)

فواز طرابلسي

ديمقراطية علمانية ذات همّ اجتماعي

لا جديد في القول ان الثورات الراهنة محط نزاع على مستويين.

المستوى الاول هو النزاع الناجم عن التدخّل الخارجي، متعدد الاشكال والاطراف، الساعي للحفاظ على الانظمة القائمة ولو بالقوة عندما يتعلّق الامر بدائرة امن النفط. ولكنه يتكيّف مع الانتفاضات الجارية في اقطار اخرى، من اجل استيعابها وانتزاع نصلها الحاد عن طريق التضحية برموز الحكم، والارتضاء بمقادير من التعددية السياسية والاعلامية، مع الحفاظ على الركائر العسكرية للسلطة، وعلى اولوية الجهاز التنفيذي ومع العمل على إخراج الجماهير من دائرة الفعل والضغط. ولا تمانع قوى التدخل الخارجي هذه تجديد الاطقم الحاكمة طالما تضمن لها المصالح الامنية والجيو استراتيجية للامبريالية المعاصرة وتنفذ السياسات الاقتصادية سارية المفعول.

اما مستوى النزاع الآخر فهو مع قوى سياسية اسلامية ترى الى الانتفاضات، والى حيازة اكثريات برلمانية، الفرصة الذهبية الارتداد على ما تبقى من تشريعات مدنية وعلمانية في الدول العربية المعنية. هذا عدا عن استعدادها التنازل عن موجبات الحد الادنى من التضامن مع قضية الشعب الفلسطيني من اجل كسب الشرعية الخارجية، الاوروبية والاميركية، ناهيك عن انحيازها النيوليبرالي ومحافظتها الاجتماعية وسعيها لإحلال المعارك الرمزية محل الحل الفعلي للقضايا الاجتماعية والاقتصادية المستفحلة.

في المقابل، حري باليسار التمسك بابرز رسالة تبثها الانتقاضات من ان التحويل الديمقراطي يجب ان يتم بواسطة الشعب بقوى الشعب الذاتية ومن اجل الشعب. وترجمة ذلك هو ارساء المشروع الديمقراطي لليسار على الاسس الاتية:

١. تشريع المساواة السياسية والقانونية للمواطنين ورفض التمييز بينهم على اساس الجنس والدين والمذهب والاثنية .

٢. انبثاق السلطة التنفيذية عن السلطة التشريعية وخضوعها لها ومسؤوليتها تجاهها، وسيادة مبدأ فصل السلطات.

٣. اعتبار الحقوق الاجتماعية – العمل، المعاش، السكن، العلم، الصحة، البيئة النظيفة الآمنة – حقوقا طبيعية من حقوق الانسان. ذلك ان الديمقراطية التي لا توفر عملا ولا تضمن خبزا تدعو اول غاصب للسلطة الى وأدها.

٤. الحياد الديني للدولة بما هو تدبير سياسي يحقق عدم تدخل المؤسسات الدينية في شؤون الدولة وعدم تدخل الدولة في شؤون المؤسسات الدينية. ويترجم هذا الحياد في رفض زجّ المقدس – القائم على معادلتي التحريم والتحليل؛ وحقوق الله مقابل واجبات الانسان – في السياسة التي تقوم تعريفا على الاجتهادات والخلافات وتعدد الخيارات. وتؤكد هذه النظرة ان العلمانية ملحق من ملحقات الديمقراطية، لا العكس، تعتمد المرجعية الزمنية والمدنية للتشريع، اي صدروه عن مؤسسات السيادة الشعبية، اكانت المجالس التمثيلية او الاستفتاءات الشعبية. ويقتضي الالتزام العلماني، في هذه المرحلة الانتقالية بالذات، إقران اي تنازل يقدّم للتشريع الديني في الاحوال الشخصية بتشريع مدني اختياري مقابل.منظور جديد للوحدة العربية

انه لذو دلالة كبيرة ان يؤدي سقوط الحكم الفردي في ليبيا وتونس الى اعادة تفعيل سريعة لمشروع الوحدة المغاربية بين بلدان المغرب العربي. توّجت الوحدات العربية المسخّرة للسيطرة الداخلية تاريخا من الفشل لصيغ «القطر القائد» و«الوحدات الاندماجية» والتوحيد القسري ولو بالحرب، كما في حالة اليمن، او تشريع الانفصال في صفقة تحافظ على سلطة الحاكم فيما تبقى من البلاد، كما في حالة السودان، عداك عن الفشل في الحفاظ على المشاريع الوحدوية او حتى العجز عن تحقيق وحدة سورية والعراق عندما كان حزب قومي واحد يحكم البلدين.
لا بد من منظور جديد للوحدة العربية يحررها من اشكالية الهويات ومن الاستبدادية. ذلك انه لا يزال المدى العربي المدى الوحيد لتحرر المنطقة والسيطرة المشتركة على مواردها وثرواتها ومقدراتها ومصائرها وتحقيق التنمية الفعلية لصالح جميع ابنائها وانتزاع مكانة تليق بهم وبها بين الامم. وهذه اهداف تتزايد الحاجة اليها والعوامل المساعدة على تحقيقها في آن معا نظرا لما يفرضه عصر العولمة من تحديات تدفع باتجاه بناء التكتلات الاقليمية. في سبيل تحقيق ذلك، تملك البلدان العربية – الى اللغة والتراث والتاريخ المشترك – من الثروات الطبيعية العظيمة الاهمية – من نفط وغاز ومعادن ومياه – ما يكفي لتحقيق تنمية انسانية قائمة على قيمة العمل والانتاج تهدف لتوفير الحد الادنى من الحياة اللائقة لكل مواطنيها، بأقل كلفة على القوى البشرية.
ويرى هذا المنظور في الوحدة العربية مشروعا طوعيا قيد البناء، يتحقق عبر مسار زمني من التعاون والتكامل ويعيد الاعتبار للمصالح والتطلعات المشتركة للشعوب. فيبدأ من تنمية التبادل التجاري بين الدول العربية، وهو من اخفض المعدلات في العالم، ويمرّ عبر خطوات على طريق التكامل الاقتصادي وبناء السوق المشتركة قبل ان يتوّج المسار في اشكال مختلفة من التكامل السياسي والمؤسساتي.
والعالم العربي قابل بالمقدار ذاته لأن يتسع لكل مكوناته البشرية بغض النظر عن الانتماءات والفوارق الاثنية والاقوامية والدينية والمذهبية. فقد انتهي ايضا التصوّر الذي يقرن الوحدة الوطنية بالمركزية السلطوية. وما ادى اليه من ممارسات عمقت عوامل التفتيت الداخلي واستدرجت النزعات الاهلية والدعوات الانفصالية وما تمخض عنها من حروب واقتتال.
في سبيل تعاقد جديد بين مكوّنات الشعوب العربية، يحمل اليسار مساهمة من نقطتين: تقول الاولى إن تكريس المواطنة المتساوية يشكل حلا ضروريا ولكنه ليس هو دائما الحل الكافي للتعاطي مع جدل الاكثرية/ الاقلية. فكيفما تقلبّت ادوار التمييز والغلبة بينهما، فقد لا تستقيم في بعض الاحيان دون تصحيح المظالم التاريخية باقتران المواطنة بالاعتراف بحقوق الجماعات في تقرير المصير.
ويقترح اليسار في النقطة الثانية ان ارتداد الناس الى الانتماءات الاولية (عائلية، مذهبية، دينية، مناطقية، اثنية، الخ) كخط دفاع أخير عن النفس، غالبا ما يتم للاحتجاج على تمييز ضدهم من حيث الموقع من السلطة والسيطرة على الموارد الطبيعية وتوازع الثروة وخدمات الدولة. ويتم هذا الارتداد، وربما بشراسة اكبر، عندما يتعلق الامر بالدفاع عن امتيازات ومواقع استئثار وإمتياز مكتسبة في السلطة والثروة من خلال تلك الانتماءات الاولية. من هنا ان تأمين الحقوق الاجتماعية الاساسية وتحقيق التنمية المناطقية المتوازنة والتوزيع العادل للثروة ولخدمات الدولة عناصر مكمّلة للحلول القائمة على المواطنة المتساوية والحق في تقرير المصير.

التنظيم والوسائل

كشفت الانتفاضات الشعبية مدى قصور نمطين من التمثيل الاجتماعي-السياسي: الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع الاهلي. لقد اهترأ دور الحزب الطليعي الانقلابي، القائم على التراتب الاوامري الداخلي، وعلى العلاقة الاستعلائية التربوية تجاه الشعب قبل ان تجهز عليه الانتفاضات. لكن خصائصه هذه تجلّت على نحو همجي غير مسبوق في الممارسات الدموية خلال الانتفاضات.
لقد آن اوان الاحزاب الجماهيرية، الممثلة لكتل من المصالح والمعبّرة عن التطلعات الشعبية عبر البرامج والسياسات، احزاب هي وسائل وليست اهدافا بذاتها. ولكن يبقى على الاحزاب الجديدة الكثير من التخيل والابتكار في مجال الديمقراطية الداخلية واستنباط الوسائل النضالية المتلائمة مع المعارك والمنافسات في ظل الانظمة الانتخابية والديمقراطية.
ولقد وضعت الانتفاضات المنظمات غير الحكومية امام امتحان ربع قرن من ممارسات لم تخضع لمراجعة جادة. ففي حين برزت معظم منظمات حقوق الانسان في ادوار جد ايجابية، بدت الانتفاضات كأنها «تصحيح بواسطة الممارسة » في موضوع التحويل الديمقراطي خصوصا. فوضعت صيغة «الشعب/النظام» في مواجهة صيغة «الدولة/المجتمع المدني» التي غلب عليها التفسير النيوليبرالي. واعادت الانتفاضات تجميع قضايا المجتمع واقامة الصلات فيما بينها، في مقابل تذريرها الى دزينة من القطاعات المتفرقة في فكر وممارسة المنظمات غير الحكومية. اضف الى هذا ان عمل العدد الاكبر من هذه الاخيرة اقتصر على التبشير بالديمقراطية والتدريب والتربية عليها في تجاهل لشروط تحقيقها عبر الفعل السياسي او استبعاد دور الضغط الشعبي في ذلك.
عبّرت الثورات عن مشاركة فئات اجتماعية لا تتسع لها الاطر الحزبية والنقابية، القائمة على الاساس المهني او السياسي، ولا منظمات حقوق الانسان للتعبير عنها وتمثيلها: الطبقات الوسطى، الشباب، النساء، العاطلون عن العمل، الفقراء ومهمشو الارياف وسكان العشوائيات، وغيرهم. تتجه هذه الشرائح نحو اشكال جديدة من الحركات الاجتماعية تستحق الدراسة. والاهم ان الانتفاضات قدمت مساهمات ثمينة للعمل الشعبي في ابتكارها اشكالا من التنظيم والتحرّك القاعدية من تنسيقيات الاحياء وائتلافات شبابية ولجان شعبية للعمل البلدي وهيئات للعاطلين عن العمل وسواها. والملفت جدا ان هذه الاشكال الحداثية ترافقت مع اعادة استنباط كافة اشكال وهيئات تقليدية التضامن والتكافل الاهليين، الريفي منه والمديني.
واخيرا، زخرت الانتفاضات بابداعات العبقرية الشعبية من حيث اشكال النضال استخدمت من الموارد والادوات ووسائل الاعلام والاتصال والإيصال أرقاها، وأحيت في الآن ذاته من عناصر ثقافتها الشعبية الابدع والاكثر تأثيرا وتعبئة للناس وتأجيجا للمشاعر من حداء وغِناء وإنشاد ورقص جمعي.
على ان العبقرية الشعبية ليست الختام بل هي الإلهام الدائم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *