الوهابية السعودية والإسلام الشامي …

الوهابية السعودية والإسلام الشامي …

لماذا سارعت السعودية وقطر إلى تسليح المتمردين في سورية بينما منعت سلاحها عن ثوار فلسطين طوال ستين عاماً؟ ولماذا بني في عهد حافظ الأسد العلماني سبعة آلاف جامع وأقيمت مئات المعاهد الشرعية؟ سؤالان يندغمان في جواب واحد..

يقال أن شكل الماء شكل الإناء، والدين كالماء أيضاً بالنسبة لحامله، وبالتالي نرى كيف أننا حظينا بإسلامات متعددة وليس إسلاماً واحداً.. ففي البداية تأثرت الدعوة الإسلامية بالثقافة البدوية، وعندما تدفق ماؤها شمالاً نحو بلاد الشام اكتسب سمات مدنية جديدة عبر عرب سورية المسيحيين الذين دخل الكثير منهم في الإسلام وامتزج بثقافتهم، الأمر الذي ساعد بتشكيل أول دولة إسلامية عربية على يد الأمويين في عاصمتهم دمشق، التي كانت تتدفق عبر أسواقها كل بضائع وثقافات الأمم القديمة، أضف إلى ذلك المناخ والمزاج الشامي المعتدل، حيث تم إعادة تصدير الإسلام الأموي إلى أرض مصر عبر جيش الشام الذي قاده عمرو بن العاص.. فدمشق بحضارتها العريقة هي من مهّد للإسلام لأن يصبح إمبراطورية مترامية الأطراف ويدخل في قلوب الأمم ليبقى فيها حتى بعد اندثار إمبراطوريته العظمى..

لكن، وبعد مرور اثني عشر قرناً على الرسالة المحمدية وتكوّن المذاهب الإسلامية الأربعة، ابتلى الله الإسلام بالوهابية التي باضها محمد بن عبد الوهاب في الدرعية واحتضن آل سعود بيضة الأفعى حتى فرخت وكبرت وزحفت شمالا مهددة بلاد الشام والعراق قبل قرنين من الزمان.. وعيب الوهابية أنها أخذت الجانب العسكري في الإسلام وحاربت ثقافته الروحية حيث لا تجد في قاموسها جملة (الرحمن الرحيم) وإنما فقط (شديد العقاب)..

فمنذ عام 1804 إلى اليوم ومقاتلوا الوهابية السعودية يهاجمون دمشق ويحاولون استبدال إسلامها المعتدل بوهابيتهم المتطرفة مستخدمين كل الوسائل العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقد لاقوا في الأرياف والأحياء الأكثر فقراً وتعصباً تربة خصبة لمذهبهم،فراحوا ينشرون عقيدتهم فيها ، وليس أمام القارئ سوى العودة إلى مرشدنا (غوغل) ليتابع ما نشر عن الوهابية السعودية ليتأكد من أنها أسلمة دخيلة على الإسلام، لا ترقى إلى مستوى ما جاء به فقهاء المذاهب الإسلامية، غير أنها باتت اليوم تشكل خطراً على الأكثرية الإسلامية أكثر من الأقليات،خصوصاً أن حروبها لم تتوجه يوماً نحو الصهاينة بقدر ما استخدمت آلتها لقتل المسلمين.. وقد انتبه خبراء واشنطن للأمر، فجربوا استخدام هذه الطاقة الجهادية المدمرة في حربهم الباردة، إذ تم توجيه جهاديي الوهابية نحو أفغانستان أثناء مواسم الحج، حيث كان يعمل الشيخ عبد الله عزام على تجنيدهم (لنصرة إخوتنا ضد الكفار الشيوعيين)..

وقد صدقت رؤية الاستخبارات الأمريكية، حيث تفكك المعسكر الشيوعي على يد الوهابيين، ولكنهم لم يكونوا يعلمون أنهم سيشعلون حربهم الخاصة هناك لإقامة (قاعدتهم) الوهابية التي سيعيدون انطلاقة (الإسلام الحنيف) منها نحو العالم.. وهكذا حولت واشنطن أعمال موظفيها من مناهضة الشيوعية إلى تطويع الوهابية بما يخدم تطلعاتها الإمبريالية في المنطقة العربية.

ثم جاء (الشتاء العربي) ببرده وناره، وخرج المقهورون العرب في ثوراتهم وفوراتهم غير المدروسة حيث يتحرك الشارع كذيل ديناصور بلا رأس يقوده، وراح يتخبط محطماً ما حوله، وهنا دخلت قطر على الخط الوهابي بدعم أمريكي- فرنسي، حتى أن الشيخ حمد عندما افتتح أكبر جامع في الدوحة سماه باسم جامع الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي قال عنه في افتتاحه (جدنا مؤسس الدين) على اعتبار أن محمد بن عبد الوهاب يعود بأصله –كما أدعى- إلى بني تميم. وراحت قطر تنازع السعوديين على استقطاب السلفيين بالمال والسلاح والدبلوماسية، حيث دعمت الشيخ الوهابي راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة التونسي لاستلام (حكومة الثورة)، وفي ليبيا لا داعي لأن نذكر ما تعرفونه عن تعاون القطريين مع الإسلافيين على تدمير ليبيا وإبادة شعبها ودفعها نحو التقسيم، وهم ذاهبون نحو الجزائر لولا أن أعمالهم تعرقلت في سوريا حيث أرسلت سلفييها إلى أربعة أنحاء حدود سوريا لينتظرهم في (بابا عمرو) ما كان ينتظر أجدادهم الوهابيين قبل قرنين على تخوم دمشق.. ولكن ما علاقة ما تقدم بالرئيس حافظ الأسد وبناء الجوامع في أنحاء سوريا.

كان حافظ الأسد رجلاً استراتيجياً تستند رؤيته على قاعدة تاريخية أموية، عربية الهوى إسلامية التوجه، وكان يدرك أنه لايمكن لأحد قيادة سورية من دون هذه الثوابت وإلا أسقطه الشعب.. فالشعب والله، كما كان يردد، لا راد لقوتهما.. صحيح أن الأسد الأب كان معجباً بصلاح الدين الأيوبي محرر القدس، لكن زمنه الواقعي لم يفسح له أن يكون صلاح الدين، فصار معاوية الثاني، حيث لم يستطيع أحد في التاريخ أن يحكم بلاد الشام كمعاوية سوى حافظ الأسد. ولأنه يعرف أصول الحكم الشرقي وقاعدته الإسلامية الراسخة، فقد مد يده لعلماء الشام وتحالف معهم لمواجهة مد (الإخوان المسلمين) الذين تماهوا مع الوهابية السعودية بعد نكستهم على يد الرئيس جمال عبد الناصر، حيث اشتغلت السعودية آنذاك ضد الوحدة ودعمت الانفصال بين دمشق والقاهرة، وكانت بداية التحالف الآيديولوجي الوهابي- الإخونجي على يد سيد قطب حتى أصبح كتابه (معالم في الطريق ) قرآن الجهاديين، من سعيد حوى في الشام مرورا بأيمن الظواهري في مصر إلى راشد الغنوشي في تونس.. بينما اشتغل الأسد بدوره على الإسلام الشامي بمذاهبه الثلاثة المعتدلة من دون الحنبلية التي كان أتباعها المتشددين أدنى إلى الوهابية نظرا لتأثر كليهما بتعاليم ابن تيمية وابن الجوزية.. وقد عاونه علماء الشام وغرفة تجارة دمشق للتغلب على (الإخوان الوهابيين) في ثمانينيات القرن الماضي ..

وبعدما قضى على آخر فلولهم في سورية ولبنان، بدأ حركة استقطاب إسلامي خارجي لإعادة توجيه طاقته الجهادية ضد أعدائه التاريخيين، فتحالف مع الشيخ الخميني قبل أن يفجر ثورته، كما تحالف مع حزب الله في لبنان، وحركة حماس في فلسطين، ونجح في مسعاه كما لم يستطع أي رئيس عربي.. وهكذا لبد آل سعود إلى حين، خصوصاً بعدما فشل انقلاب رفعت الأسد المدعوم سعودياً ضد أخيه حافظ الذي وطد حكمه ونشر الاستقرار وفرض هيبته على أصدقائه قبل أعدائه.. يتبع.

سيرياستيبس عن الجمل – نبيل صالح

5 comments for “الوهابية السعودية والإسلام الشامي …

  1. adnan saleh
    March 12, 2012 at 7:01 am

    وبنبيل صالح والجمل وسيريا ستيبس اكتملت حلقة المخابرات , وهذا أمر جيد ذلك لأن المخابرات هي جزء من الشعب السوري , وتعدادهم يصل الى مئات الألوف
    بعد الترحم على حافظ الأسد لأنه لاتجوز على الميت الا الرحمة , يجب القول ان حكم آل الأسد دمر البلاد تدميرا كاملا , وما نراه اليوم ليس الا الدمار الكامل اخلاقيا وبنيويا واقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وديموقراطيا وبمجمل جوانب الحياة .
    لقد بنى ذلك العدد الضخم من المساجد والمعاهد بنية امتصاص نوع من الاسلام وتشجيع نوع آخر , جهلا منه على أن السيطرة على المساجد غير ممكنة بواسطة المخابرات والسجون والقتل والملاحقة , لو كان ذو معرفة كافية وقدر أقل من متوسط من الذكاء لقدم للشعب السوري البديل الأفضل من الوهابية والتعصب , ولساهم وبشكل سريع في بناءبنية ديموقراطية تكون البديل الأفضل للعماء الديني . المرحوم سار بالبلاد نحو الخلف من الحزب الى العشيرة الى الطائفة الى العائلة وأخيرا الى الشخص , ولو كان على قدر كاف من الذكاء لسار بالبلاد من الحزب الواحد الى التعددية الحزبية البى الديموقراطية , الا أن الجنرال الأسد لم يفهم الا لغة البندقية التي وجهها الى صدور ابناء شعبه , وذلك لترقيتهم الى مرتبة الملائكة , والحاكم الابن لم يفعل غير ذلك لقد قتلوا من الشعب السوري خلال أربعين عاما مئات الألوف وشردوا الملاين ووضعوا في كل بيت رجل مخابرات وأفقروا البشر عن طريق سرقاتهم , والثورة الحالية هي ثورة الفقراء (بابا عمرو) , ومن الطبيعي أن يتقبل الفقير مساعدة ما حتى من الشيطان , تلفيقة الوهابية لاتنطلي حتى على الساذج , ووضع الثورة السورية “عمدا ” تحت الوصاية الوهابية والقطرية ليس الا محاولة دنيئة للنيل من الثورة , التي لاتعرف طيفا واحدا وانما العديد من الأطياف ..من اليساري الى اليميني الى الديموقراطيي الى المتعصب دينيا والتحرر دينيا… وكثير من مرتزقة النظام يعترفون بسوء هذا النظام .حتى النظام نفسه يعترف بذلك , الا أنه يريد البقاء حتى ولو كلف ذلك حياة عشرات الألوف من البشر , ولا أعرف وقاحة من هذا النوع …
    أعتراف بالفشل واصرار على البقاء مهما كلف الأمر !!

  2. تيسير عمار
    March 12, 2012 at 12:59 pm

    السلطة الأسدية لم تحارب العدو الصهيوني , كما حاربت الشعب السوري , وفي الأربعين سنة الأخيرة لم تطلق رصاصة واحدة على الجبهة السورية الاسرائيلية , وبذلك تتساوى السلطة السوريةمع الوهابية التي حاربت المسلمين , في حين حاربت وتحارب السلطة السورية السوريين .
    لقد كانت انتقادات صلاح جديد سببا في سجنه حتى الموت مدة 23 عاما ومصير امين الحافظ والأتاسي لم يكن مختلفا , وكل هذه الانقلابات العسكرية سميت ثورات وحركات تصحيحية , مع العلم ان 8 آذار لايعرف متظاهرا واحد من أجل الثورة التي أصبح الايمان بأهدافها واجبا على كل سوري(الدستور) . وعن الحروب ضد الصهاينة يمكن القول انه لم تحدث حروب ضد الصهاينة بمبادرة عربية , وقد كانت العادة عند الصهيانة قبل أربعين عاما القيام بالحروب بفواصل من 10 سنوات تقريبا,والهدف من كل هذه الحروب الاحتلال وخلق جو يحيط باسرائيل كجو الجولان منذ أربعين عاما ,حماية سورية مطلقة للحدود مع اسرائيل
    اما الحرب ضد الشعب السوري وتقتيله فلهو تراث عند آل الأسد , هذا التراث بدأ عام 1963 وبلغ أوجه عام 1970 , وفي هذه الفترة مارس النظام من الوحشية ما لايمكن وصفه بكلمات , وفي عام 1980 بعض تعرض الأسد الى محاولة اغتيال , وبعدها استمرت المجابهة مع الاخوان بسبب محاولة الاغتيال وحادثة مدرسة المدفعية,استأسد النظام وازدادت وحشيته وحشية اضافية , وفي السجون مثلا في تدمر قتلت السلطة أكثر من 1000 سجين وفقد العديد من المساجين , الذين ابتلعهم سجن تدمر .
    عام 1982 حدثت مجزرة حماه , التي لاتزال عواقبها تسيطر على النفسية السورية ..خلال أيام قتل الجيش عشرات الآلاف من أبناء حماه ..البعض يقول 30000 وآخرون يقولون 20000 , على كل حال فانه لاتوجد سلطة على الكرة الأرضية تسمح لنفسها بقتل المواطنين بهذا الشكل , وذلك بغض النظر عن أفعال المواطنين , ثم مجازر سجون صيدنايا , وتسلط حوالي عشرين جهازا أمنيا ..مرتزقة اختصاصهم الابتزاز والسرقة ..كل ذلك استمر بشكل تصاعدي حتى عام 2000 , حيث تصاعد الاجرام بحق المواطن الى هذا اليوم, هذا اضافة الى تصاعد غير قابل للتصور في الفساد والسرقة والنهب ..هذا كان باختصار شديد حيز من أفعال آل الأسد , ثم يأتي نبيل صالح ويقول لقد كان حافظ الأسد رجل استراتيجي , نعم هو رجل استراتيجي , واستراتيجيته قادت الى انحدار الوطن في هاوية الشقاق والنفاق , واذا كان الاثراء الشخصي أو العائلي هو جزء من استراتيجية رجال الدولة , يمكن القول انه حقق بذلك نجاحا باهرا , فهنيئا لأذيال السلطة بذلك ..

  3. nabiha hanna
    March 12, 2012 at 1:15 pm

    من أتفه وأحط ماقرأت ,خاصة التنويه الى أحقر شخصية اسلامية وهو عمرو بن العاص على أنه حامل لحضارة ما , هو ضرب من ضروب عدم المقدرة على الخجل , والأحقر من عمرو بن العاص هو صلاح الدين الأيوبي ..اسألوا السهروردي عنه وعن اعماله الشنيعة , الا أنه كان على الأقل محاربا وانتصر على الفرنجة , والحكام العرب يريدون ان يكونوا كصلاح الدين , وقد نجحوا في تقليده بتوحشهم وبربريتهم , الا أنهم لم ينجحوا في تقليد انتصاراته العسكرية ..اسألو اسامة عكاشة عن الصحابي عمرو بن العاص ,
    اما عن نظرة الكاتب للثورات وفقدانها للرؤوس , فلا انتظر من من كاتب فاقد للعقل أن يعرف أكثر عن ديناميكية الثورات …ما أعرفه عن نبيل صالح هو أنه نكتجي , ياليته بقي في مضمار النكت

  4. nabiha hanna
    March 12, 2012 at 3:07 pm

    المهرج نبيل صالح لايخجل اطلاقا , وعند تصفح مقاله مرة أخرى وقع نظري على عبارة أتت في السطر الثاني وتقول “في عصر حافظ الأسد العلماني ” أي أن الذي بنى 7000 مسجدا هو علماني . ولا تستقيم الفردية والطائفية والعائلية مع العلمانية الا بترتيبات من مهرج هو نبيل صالح , المهرج يدعي ان المعسكر الشيوعي تفتت على أيدي الوهابيين , وهل يوجد أسخف من هذا الادعاء ..الشيوعية لم تنته فكريا أيها الجاهل وذلك بالرغم من تراجعها سياسيا , ولا علاقة لهذا التراجع مع الوهابية , ولا أعرف أي كاتب غربي أو شرقي ادعى مثل هذا الادعاء , حافظ الأسد لم يشم رائحة العلمانية لابكسر العين ولا بفتح العين , الأسد هو طائفي عشائري عائلي , والوضع الذي اتحف الاسد به الوطن هو وضع طائفي عشائري عائلي , لذلك يتواجد الوطن في طريقه الى الزوال !

  5. nabiha hanna
    March 12, 2012 at 9:32 pm

    لماذا يصر الذيل نبيل صالح على وجود الرأس الذي يقود ؟, انه دوني بالادمان , أي أنه مدمن على الدونية , هذا من ناحية , من ناحية أخرى تكفي رؤية الرؤساء العرب وجنونهم وتدني اخلاقهم ولصوصيتهم واجرامهم للكفر بكل ماهو رئاسي , على الأقل يطارد الانتربول ثلاثة منهم , أحدهم اعطاكم عمره والباقي أحياء يرزقون ويرتزقون بحماية المرتزقة .
    دونية ووضاعة المهرج نبيل صالح , لاتسمح له الا أن يكون ذيلا يسترزق عند السلطان المذهبي , والكثير منا يعرف سبب كون نبيل صالح (أبو جمل) أكثر أسدية من الأسد ..انه الوئام والحلف المذهبي , الذي دمر الكثير من الكيانات الفكرية, التي كنت أحترمها ..فجأة تحول هذا أو ذاك الى امام ومفتي ..كل ذلك تحت رعاية القيادة الحكيمة , التي دمرت الانتماء الوطني , واستعاضت عنه بالانتماء المذهبي, من يسنطيع ايجاد وطن بديل عليه بالرحيل , لامستقبل لهذا الوطن في المئة سنة القادمة , وما دمرته العائلة في نصف قرن يحناج الى قرون لبنائه ..تعيس أنت أيها الوطن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *