الاحتماء بالطائفية

December 4, 2011
By

لاتوجد فروق كبيرة  بين مختلف البلدان العربية  من حيث المسبب لثورات وانتفاضات  هذا العام , الا أن  المجتمع المصري والتونسي   يتميز  بأكثر من سيادة الفرد, وهذا الأمر يفسر  تمكن المتظاهر  من قلب الرئيسين  المصري والتونسي  بطريقة ميسرة  , ولم يؤد   ذلك الى انهيار  تام لمؤسسات الدولة , ومن أهمها الجيش , الذي  أكد بحياده  شرعية وجوده ..انه الجيش المصري   وانه الجيش التونسي , وليس جيش مبارك  وجيش  بن علي .

اما الوضع السوري والوضع اليمني  فيختلف عن اوضاع مصر وتونس , هناك في سوريا الحالة الطائفية وفي اليمن الحالة القبلية , وهذه الحالات  تعرض البلدان  المذكورة  الى مهالك حروب أهلية , بدأت بالتبلور  وفرض واقعها على تطور الأحداث في كلا الدولتين ….

المقصد هنا هو الحديث  عن الطائفة المسيحية في سوريا  ,والتي لم تكن يوما ما   متحزبة سياسيا , ولم تكن حزبا سياسيا  كما هو الحال في لبنان  أو حال الاخوان المسلمين في البلاد السورية , فأفراد الطائفة المسيحية كانوا موزعين بشكل عشوائي  على مختلف الاتجاهات السياسية السورية  ..من ناصري  ..الى بعثي أو سوري قومي  أو شيوعي ..الخ . وهذا الموقف  أكسب الطائفة المترفعة جماعيا عن الممارسة السياسية الكثير من الاحترام  من قبل كل التيارات  السياسية , وحتى من باقي الطوائف  .

الآن يسير الأمر بشكل آخر  للأسف .فالأزمة الحالية , التي تمثل تأجج أزمة مزمنة  تتمثل بعد تقبل الشعب  احتضان سلطة  فئوية , قادت السلطة الى البحث عن مراكز للاحتماء , ومن هذه المراكز  الطائفة المسيبحية ,  وذلك حسب المعادلة   التي تقول :أقلية +أقلية +أقلية ..= أكثرية , أي أنه على الطائفة المسيحية   أن تدخل  حلبة الصراع السياسي  كطائفة متماسكة  متضامنة   , وليس كأفراد مبعثرين هنا وهناك , ويقال ان  الضرورة  لهذا التحول  من البعثرة  الى التكاتف  الطائفي  , هو الخطر المحدق بالطائفة  من خلال تطور معين  , يتجلى بتسلم الاخوان السلطة  كليا أو جزئيا .

الغريب في الأمر هو ازدواجية  مسلكية السلطة  وادراكها للوضع ,  تارة  تؤكد  السلطة  هامشية الاخوان شعبويا  , وتارة أخرى تخوف الآخر من  امكانية تسلمهم السلطة  ومن عواقب ذلك بالنسبة للطائفة المسيحية ,  ولا أعرف كيف سيتمكن الهامشي شعبيا (اخوان) من تسلم السلطة  بعد انتخابات  حرة , ولا أعرف كيف سيتمكن هذا الهامشي (اخوان)  من تسلم السلطة انقلابيا  عن طريق الجيش  , الذي لايعرف أكثرية اخوانية سنية , والماضي الذي يمكن التنور به لايبرهن على  وجود  خطر دفع الجزية  من قبل المسيحي , ولا يبرهن عن امكانية القسر المسلكي كالتحجيب  وغير ذلك , وما نراه الآن  من فورة مذهبية سنية ,  ليبس الا ارتكاسا بمعظمه  على  مذهبية  أخرى , ولا اختلاف بين المذهبيات الدينية الطائفية في مقدرتهم على هدم الأوطان .

تجنيد الطائفة المسيحية   في حرب الطوائف  الحالية  هو  أمر وحشي ,  ولا يجلب الا الضرر للطائفة  والضرر الأكبر للطوائف الأخرى المتحاربة  , والتي تستنزف في حروبها الأنانية كل مقدرات الوطن النفسية والمادية والحياتية بشكل  عام ,  وبعض رجال الدين المسيحي يتطاولون بشكل أحمق  في تصريحاتهم  السياسية على شرعيتهم , التي تنحصر  في ممارستهم للواجبات الدينية  فقط , وكل تدخل في أمور السياسة  ان كان مؤيد للنظام أو معارض له   يمثل عمليا الاستقالة من الوظيفة التي اناطتها الكنيسة بهذا الكاهن أو ذاك , ولا يمثل هذا الكاهن  الانسان المسيحي السوري  سياسيا , لأنه لاوجود سياسي للطائفة المسيحية , والفرد المسيحي لم ينتخب   الخوري والمطران , وانما  فرضوا عليه فوقيا  ودينيا ,  ولا يعني عدم اعتراض أحد على الفوقية الدينية , على أنها موافقة على تمادي رجال الدين بتدخلهم في  المجالات الدنيوية ..وكل تدخل بهذه المجالات  سيقود الى النقمة عليهم  , والى تطورات  لاتحمد  عقباها بالنسبة لهم , كما أنها ستقود الى الحاق بالغ الأضرار بالطائفة ,   وقد  أعرب أحد المطارنة في حديث شخصي مطول معه  عن قلقه من ظاهرة التدخل بالسياسة , وأكد  على وجود نوع من الاجبار  على الادلاء بتصريح معين  , وعادة يجري تحوير هذا التصريح بالشكل الذي يريده  ممارس القسر ..ان كان سلطة مسلحة أو معارضة مسلحة , والهدف هو استجرار الطائفة للدخول في أتون النزاع الطائفي  ,  الذي سيدمر الطائفة  كما دمرها في العراق , وكما سيدمر الطوائف  التي وضعت نفسها في خدمة   اتجاهات سياسية  مهما كان لونها  ووجهتها ,فالقصد  من التجنيد الطائفي ليس  خمة الوطن , وانما خدمة  اتجاه سياسي , وهذه الخدمة ستعود بالضرر البالغ  على الوطن  بشكل عام  وعلى الخدم بشكل خاص . ولا يمكن هنا  لاتجاه وطني الا ألأن يحذر من توسع  رقعة النزاع الطائفي البدائي ..انظروا الى الأكراد  الذين ترفعوا عن الطائفية  وكونوا منظومات سياسية ,  فمنهم الشيعي ومنهم المسيحي الآشوري  ومنهم السني ..الا أنهم قوميا أكراد , وبالرغم من بعض العنصرية في التفكير القومي , يبقى هذا التفكير  أصح بألف مرة من التفكير الطائفي الديني والتفكير العشائري , وأصح  بمليون مرة من التفكير  العائلي  , الذي   يمثل  حضيض كل  تفكير  ذو علاقة ببناء دولة .

Tags:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • الناجون من مسلخ الأسد مجرد كذبة!

     عمر قدور: في إنكارها تقرير «أمنيستي» (منظمة العفو الدولية)، المتعلق بإعدام نحو 13 ألف معتقل بين 2011 و2015، تقول وزارة «عدل» نظام بشار ما مفاده: لو كان الأمر هكذا من […]

  • الاعلان عن تشكيل قيادة موحدة للمعارضة المسلحة

    نحو 400 ضابط من مختلف الرتب من الضباط والقادة المنشقين عن النظام السوري والمنضوين تحت كتائب الجيش الحر، اجتمعوا في أنطلوس في إقليم إنطاكية بتركيا قريبا من الحدود مع شمال […]

  • التشاؤم والوضع السوري

    ونحن على أبواب مرحلة جديدة , يجب أن نحضر نفسنا  لامكانيات بشكل مغاير عن الشكل الحالي , النظام القائم يتواجد في مرحلة القضاء على نفسه , ان كان ذلك تحت […]

  • As Syria Free Falls…A Return to the Basics,Part 1

    Lest we forget, or forget why, it has become important to consult the basics regarding the Syrian uprising. This might very well be the best time for such a review. […]

  • الزنزانة أم التابوت ,الخيار السوري المر!

    ” ليس النظام ديمقراطياً “: لا نعتقد أن هذه الحقيقة المرة خافية على أحد. – كان أمامك أحد خيارين: إما أن تفكّر وتعمل كما يريد الكبار الحكماء، وقد رأينا بأم […]